كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

سكّونة: جنة مليئة بالحرائق والرماد

عمّار كشيّش







أنا سجّاد، جسدي ضئيل. أكاد أطير وأغني خلال الطيران

لا تفتحوا مظلاتٍ على أجسادكم وأنا أغني

أسترخي في المقهى، أرسم بالشاي صورًا نقية على جدران المقهى، وأمشي على حافة البدعة
اواصل الرسم على ألواح في جسدي.

*



البدعة يمنحني هذا النهر غرقًا في المتعة

هنا صفصافة تلمع كوجه أحمر، هنا الجسر يلصفُ في فراغ القلب بين الضلوع المكتوية…

هنا رسمة الجندي بالفحم أو سائل أسود على حائط الحانة القديمة (أُلغيت منذ سنوات طويلة!) مازال البناء شاهقًا أتمنى ألا يُهدم.

هذه الأشياء تحيط قريتي (الجنة المحشوّة بالفؤوس، والبنادق، والمثقبة بالشتائم).

قريتي سكّونة على اسم جدتي البيضاء… جدتي سكّونة عباءتها ترفرف، وتشير للنهر

وتفسّم روحه الكبيرة بين الحقول، والنخلات، والأواني الكبيرة الموضوعة على النار، والأكواب الدافئة، والأكواب التي تلمّع الأفواه بالابتسامات.

جدتي ليست موجودة بيننا في هذه السنوات، سوى طيفها معبأ بقطرات الندى النازلة على جسدي.

يتلاشى اليأس حين تصير روحها غيمة عندئذ أرسمُ

تسيل الألوان على اللوحة، وتبرقُ على جسدي أيضًا.

*



قريتي

تكاد حفارات الملائكة تحفر فيها ثلاثة أنهار:

واحد للبن

وآخر للخمرة

وثالث للعسل

لكن هنالك من يمنع الحفارات

أحاول أن أقنعهم أن يباشروا في العمل؛ لكنهم ينظرون لي بصمتٍ، ربما يعتبرونني (خِبل)…

آخر رسمة قمت بها وأنا على حافة شط البدعة؛ لكن وأنا على وشك الانتهاء من الرسم، صارت معدتي مثل غيمة مسمومة

لم أستطع أن أكمل

لم أستطع أن أنهض أيضًا.

جسدي لا أحمله، من يحمل لوحتي وينقذها من أن تتعرض للسخرية أو تُحرق مَن مَن؟؟

استيقظتُ في سرير أبيض على فراش أبيض متسخ.

قالت أمي: الصحفي وأنت نائم التقط لك صورًا، وجهك النحيل ازداد تألقًا

– أمي أين لوحتي؟

– شكرًا لأبي قلبين المعتوه هو الذي جلبها إلى المستشفى… لم يذهب بها إلى البيت… وصل إلى المستشفى وهو يلهث من الركض.. رأيت دمعةً مشتعلة على وجنته.

أيضًا الصحفي التقط صورة للمعتوه وهو يحمل لوحتك المصنوعة من كرتون البسكويت

بينما أنت نائم في ردهة الاطفال كانوا ثلاثة أشخاص.. راحوا يتحدثون حول لوحتك، وكان المعتوه الجميل ممسكًا بها:

– (هذه لوحة حفيد سكّونة.. لن أعطيها لأحد منكم.. أياديكم وسخة)

قلت للمعتوه أبي قلبين خذها إلى البيت بعد قليل سجاد يتحسن ونغادر المشفى.

– يا أمي لماذا وضعوني في ردهة الأطفال؟

– في ردهة الرجال شجار ورجال مسلحون

بين اليقظة، والنوم، والإغماء، قريبًا من الثلج، والقطن المصبوغ بلون برتقالي دخلت سكّونة، وشمها أخضر مثل ريحان في الحديقة، قلبها حمامة، وجسدها زجاجة إلهية!

قالت سكونة: القرية تكاد تكون فارغةً من شجر السيسبان، والخروع، والأكاسيا. لماذا لا تُزرع هذه الأشجار! مالي أرى شجرًا آخر كأنه نايلون أخضر من فرط اليأس حطت عليه العصافير بعد عناد طويل دامع.

أكاد أتسمم منه! ألا تتسممون أنتم.. مالكم مسترخون.. مرضى.. جالسون في ظلاله التي تشبه لون القهوة التالفة.

التفت إلى أبناء قرية بعضهم شرطة، بعضهم عمال في الشورجة، بعضهم عاطلون عن العمل، ماضغو التفاح البلاستيكي، يسترخون عصرًا قريبًا من أكوام الزبائل على جرف الغراف من جهة بغداد.

الجرف الثاني من جهة البصرة محمل بالقمامة أيضًا.

تعال يا حفيدي أكمل لوحتك، دع الدخان الشفيف يصل لتلك النجمة الحمراء.

*



دخان

مصدره فراشات محترقة

هل ثمة شاعر هنا في القرية اطلع على قصائد أمير ناصر؟

تعال يا حفيدي واحتج

أمسك لوحتك كلافتةً
واصل احتجاجك بين الأحجار القاسية، بين الحبر المؤجل والنجمات الحشرات اللامعة العالية


لا تنم قبل أن تحتج!

أخفي البذور الثمينة بعيدًا عن الأشرار، تهيأ ليوم السقي، والنثر، والهرولة في حقول بين المنازل.






أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.