كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

جدلية الأحلام بين المتنكرين والرعية

د. فاضل سوداني




إضافة الى مشروعه الفكري كمواطن ومثقف وكاتب والذي يهدف الى اكتشاف وسائل ولغة تخاطب مع الجمهور يعد المؤلف السوري سعد الله ونوس من أكثر الفنانين الذين تأثروا بالمفاهيم البرشتية والمسرح الملحمي والبحث في التراث العربي والإسلامي والحكايات الشعبية وبالذات “الف ليله وليله ” للوصول إلى أشكال مسرحية تراثية وتقنيات جديدة تخلق خصوصية المسرح العربي من خلال كتابة مسرحية مستقاة من التراث القديم بهدف المتعة الجمالية وطرح أهم المشاكل المعاصرة في المجتمع العربي مما فرض الإستفادة وتجريب المفاهيم البرشتية التي تتناسب مع مشاكل المسرح بغية خلق التذوق الجمالي والمعرفي للجمهور العربي .
(هذا الإنسان المهزوم والمقهور ، والذي يتلمس مع هذا إمكانية أن يتفتح وأن يحمل قدره بنفسه ، لكنه لا يجد أمامه إلا الصعوبات التي سببها الوضع السياسي الذي يعيش فيه ، والقمع المنظم الطويل الذي خضع له،وشراسة القوى الخارجية التي تحاول هزيمته ومنعه من أن يحمل قدره بنفسه.)
وتكمن أهمية مسرحية الملك هو الملك لسعد الله ونوس في كونها اعتمدت على حكاية من ألف ليلة وليله ومعالجة موضوعها من خلال استخدام المفاهيم البرشتية ـ وبالذات “مؤثر التغريب ” التي تبدو واضحة ليس في تكنيك الكتابة أو التكنيك المسرحي فحسب وإنما في مسرحة الحكاية وتحول الشخصيات وتطور الأحداث ومعنى الإمثولة .وقد بنى المؤلف مسرحيته على لعبة تكون مصائر الشخصيات فيها مرتبطة بخيوط يتحكم بها محركي الدمى لكشف القناع عن الذات البشرية وتغريبها.
ويمكننا أن نلاحظ المسرحة ومؤثر التغريب في تكنيك كتابة المسرحية على مستويين:
1ــ في الشكل المسرحي
حيث ينقسم الممثلون الحالمون الى مجموعتين تؤكد الطابع الطبقي لكل منهما ، أي مجموعة الأسياد ومجموعة العامة او الشعب ، وكما يؤكد المؤلف في ملاحظاته بان شهبندر التجار والشيخ طه ينتحون جانبا وهم يلعبون بالدمى . وبالتأكيد فان هاتين الشخصيتين لهما دلالتهما الرمزية ، ويقودان الشخصيات التي تنتمي إليهما .إذن ومنذ البداية يعمد المؤلف إلى إدخال الجمهور في اللعبة المسرحية التي يلعبها جميع الممثلين امام الجمهور والتأكيد على أن مايشاهدونه هو واقعهم واحلامهم على خشبة المسرح وبذلك فانهم يحققون اللعبة المسرحية .وان زاهد وعبيد هما اللذان يقودان اللعبة بكاملها، ضمن شروط لعبىة الحكاية التي لابد ان تخضع لها الشخصيات على طول المسرحية.
وبهذا فان المؤلف فرض شكل المسرح المفتوح وطابعه الملحمي ليجعل الممثلين يروّون لنا أحلامهم الوهمية في مملكتهم الخيالية .فالحياة مبنية على الحلم والواقع ، والمسموح الذي يطالب به العامة والممنوع الذي يفرضه الأسياد .فمسموح للشعب ان يحلم وان يشتري الأحلام لكن بشرط ألايتحول الخيال الى واقع أو تتحد الأحلام وتتحول الى فعل تاريخي حاسم.
يؤكد المؤلف على ” مؤثر التغريب منذ بداية المسرحية ملاحظات حيث يقرأ عبيد المؤلف واللافتات والعناوين والحواروغيرها،
منذ بداية المسرحية يؤكد المؤلف على مؤثر التغريب البرشتي حيث يقرا عبيد اللافتات والعناوين وكذلك الحوار وغيرها من تلك الوسائل التي تغرب الحدث أمام الجمهور بغية يقظته وإنتباهه.
ففي الفاصل الثالث من المسرحية يعلن الممثلون للجمهور بانهم يلعبون لعبتهم واحلامهم التي هي فردية، حيث ما من ملك يتنازل عن عرشه إلا إقتلاعا.
وبالتأكيد فان كل هذا يؤكد اللعبة المسرحية المكشوفة التي تفرضها رؤية المؤلف حتى يعطي بعداً رمزياً وتغريبياً لما يراه المتفرج . وينطبق هذا على الديكور وملابس الممثلين وخاصة الملك الذي تظهر ثيابه وكأنها قالب ما هو الذي يرتدي الملك ويشكل قوامه . أما الوزير فان الملابس بالنسبة له تعني ـ سلطه الوزارة ـ التي تشكل وجوده وماهيته ايضاً ، وعندما يخلعها فانه يشعر بعدم التوازن الذاتي وخفة كيانه فالسلطة هي التي تلبسه ، فلو ضاعت منه الوزارة فلن يعيش الى غده كما يسخر سعد الله ونوس من شخصياته . هنا يبدأ التأويل لكنه تأويل تغريبي يدفعنا الى امتلاك المعرفة من خلال اطلاق الخيال الذي يؤدي الى اكتشاف أسئلة جديدة ، وسعد الله ونوس يتعمد استخدام هذا التأويل ذا البعد السياسي بالرغم من أنه يعرف بأنه تغريباً برشتياً .
فالفعل الظاهري للملك عند القيام باللعب مع وزيره هدفه التخلص من السأم اليومي ، اما الفعل الحقيقي المستتر هو التلاعب بوجوده وشرطه التاريخي عندما يخلع ثوبه الملكي وشاراته ليسلمها الى أحد رعيته المغفل ابو عزة ” فعندما يضجر الملك يتذكر ان الرعية مسلية ، وغنية بالطاقات الترفيهية ” بدون ان يشعر بخطورة هذا الفعل:
(محمود ” الوزير ” : علامة النهاية أن ينسى الملك شرطه ، ويعامل بالاستخفاف ثوبه وتاجه . على كل ، يجب ألا أفلت الخيط . مايهم أن انقذ ردائي أما هو “الملك ” فليبلع الدرس من الألف الى الياء لنفكر بتدبير احتياطي.)
لكن الوزير يتناقض مع الملك حيث يشعر بخطورة اللعبة فيسعى دائما للتمسك بوجوده ـ ثوب الوزارة ـ وبهذا فانه يعي شروطه التاريخية ودوره في اللعبة . إلا أن سعد الله ونوس لن يقبل إلا بإلتهام الملك الحقيقي مادام قد فرض لعبته وتحدى شروطه التاريخية وما دام ابو عزة انسلخ عن طبقته بالقوة ولابد ان ينتمي من جديد حتى يحقق شرطه التاريخي . هذا هو منطق الجدل التاريخي في عصر المتنكرين ، وما دام المؤلف قد فرض لعبة المتنكرين هذه يجب أن تستمر حتى النهاية وكانها لعبة في سيرك للمتنكرين والمهرجين يلعبون على حبال يمسكها المؤلف من طرف بكل جدارة وإقتدار في معرفة شرطية الجدل التاريخي ، وهذا يحقق مانؤكده بأن الماضي وجميع اشكال التراث يجب أن تتحول من كونها اشكالاً مقدسةً الى تاريخ يخضع للجدل والمناقشة .
2ــ في معنى الأمثولة وجدلية الواقع.
ان سعد الله ونوس يحقق التغريب في المعنى أيضا الذي يؤدي الى حالة من الدهشة الواعية لدى الجمهور . فعندما يصبح “ابو عزة ” ملكا ، فان الحاشية الحقيقة تتعامل معه كملك حقيقي دون ان تكتشف من هوالملك الحقيقي او الوزير الحقيقي. وهذا شرط مهم جداً لتحقيق المسرحة وتغريب
لعبة السلطة التي لا يهم من يجلس على كرسي العرش ،حتى وإن كان مغفلاً.
وكذلك فان أبو عزة يخضع لشروط اللعبة دون ان يعيها ـ لأنه استيقظ فوجد نفسه ملكا ـ فيتعامل مع العرش ومع من في القصر من منطق السلطة وما يخدم مصالحها مما يؤدي به الى نكران ماضيه وحتى أهله. إذن ليس المهم من هو الملك وإنما الاكثر أهمية من هو الكائن الذي يجلس على العرش حتى وإن لم يكن الملك الحقيقي وإنما مغفلاً من عامة الناس ، فليس للملك سحنة او وجه لأنه يمتلك بدلا منها صولجان وعرش وسيف حتى يطاع ويحقق وجوده التاريخي كما في عنوان لافتة الفاصل الرابع من المسرحية ” أعطني رداء وتاجا …. أعطك ملكا “. وبالتأكيد فان هذا يدعو الجمهور الى التفكير بهذا الفعل التغريبي.
ويعمد سعد الله ونوس إلى ” مؤثر التغريب “في البناء الدرامي الذي يأخذ أحيانا طابع الرؤية الإخراجية كما في الفاصل الثالث من المشهد الخامس بعنوان ” الملك هو الملك والذي كان المواطن أبا عزه يتلمس الطريق الوحيدة المفتوحة ” ، فعندما يجمد المشهد بكل شخصياته و تفصيلاته الأخرى ويعمد المؤلف للتركيز الذي يؤكد حالة واحدة أو حركة تأكيديه محددة عندما يستخدم اللقطة الكبيرة ( كلوز آب) كما في السينما أوالموتيف الموسيقي . ويتم نفس المنهج عندما تأخذ الشخصيات دور الراوي لرواية الحدث ، أو أنها تجمد فتتحول الى دمى مرة أخرى ، لتذكرنا بالمشهد الاول.
ان عالم سعد الله ونوس يتحول احيانا الى عالم من المرايا تتعدد فيه الوجوه والاقنعة بدون ان تتكرر ، وهذا دلالة على ان عالمنا كان وما زال مملوء بالأقنعة والدمى. وبالتاكيد فإن الوجوه والمرايا لها تاويلها في التأكيد على مسرحة الحدث والشخصية ، وبهذا الخصوص فإن المؤلف هنا استخدم هذا الإسلوب ليس برؤيا كونه مؤلفا أدبياً وإنما بلغة المسرح اي تلك اللغة التي تؤكد على البصر وليس على اللغة اللفظية .
إن المؤلف في مسرحية الملك هو الملك يبني رؤيته الفلسفية والمسرحية على الأحلام التي تتغذى منها الشخصيات ، فالحلم بالنسبة لها ليس بديلا أو معادلا موضوعيا للواقع ، وإنما هو الواقع ذاته قبل أن يكتمل ويحقق صيرورته .أنه قدر ومصير البطل ” الشخصية ” التي تحاول دائما أن تحوله الى واقع حتى وإن كان هذا الواقع ـ الحلم هو الذي يسحقها ويقودها الى مصيرها التراجيدي كما قادت نبوءة الالهة أوديب الى حتفه الجحيمي .إنها شخصيات مهووسة بالحلم والجنة الموعودة لدرجة الغيبية التامة .
فأبو عزة يحلم ان يصبح سلطان البلاد ” ويشدد قبضته على العباد ” وبالذات أعداؤه ( أبناء طبقته )الذين كانوا سببا في إنتزاعه من طبقة الاغنياء ورميه بالقوة الى طبقة العامة ، وان يقتص من أصدقاؤه الذين تخلوا عنه عندما تبدلت حاله . ويحلم أيضا باستبدال ” زوجته النكداء بألف محظية حسناء، ”
وعندما يتحقق حلمه ويصبح ملكا ، ينسى كل شي ويرفض أن يكون هذا الذي حدث معه حلما . بل هو يرفض الحلم ذاته ولا يصدقه ويحوله إلى واقع لتحقيق القانون الطبيعي للطبقة التي كان ينتمي إليها ، فيصبح ملكاً أكثر من الملك ذاته في قسوته ودمويته .وماعودته الى مكانه الطبيعي في طبقة الاغنياء والسلطة( عن طريق الحلم ـ الواقع ) إلا كعودة الابن الضال.
أما زوجته أم عزه فأنها تحلم بملاقاة الملك لتشكوه حالها وأحلام زوجها المجنونة وخوفها على أبنتها التى لن يطلبها رجل كريم المحتد بعد أن تبدلت أحوالهم من الغنى الى الفقر .وعزة الحالمة أبداً بذلك الفارس أو المنقذ الذي سيفرض العدل عندما يهجم كالعاصفة التي ستخرب كل شي لكنها ستنقّي
الجو من الفساد ويفرض قوانين بعيدة عن البؤس والجنون.
ذلك الفارس ـ صاحب الوجه النوراني ، بنظراته الندية وسيفه الذي لا يرحم ، إنه الآتي الذي سيحقق زمنه . وسيلتقي بعزه ، يلتف بها كالضفيرة ، وبلا كلام أو همس يأخذها على مهرته الخضراء الى بلاد بعيدة ، شمسها ساطعة وأفراحها دائمة ، هنالك فقط ستحقق زمنها . لان عالمها الآن كالمغارة لاهواء فيها ولا ضوء ،تسكنه أشباح معتوهة . أن عزه تحلم أن تلتقي ذلك الذي حدثها عبيد عنه . ذلك الفارس الذي يتمنع المجيء بالرغم من أن الكثير من شخصيات سعد الله ونوس وجمهوره ينتظرونه. وعندما يصبح أبوها ملكا فان حلمها لن يتحقق وتصبح محضية لدى ” خادم والدها ومن ثم وزيره” عرقوب المتملق الذي يحلم بالوزارة دائما .والعالم بالنسبة له هو ” قائمة حساب ” يسجل فيها ديونه على معلمه أبو عزة الذي يكافئه بالوزارة ، فانه لا يصدق اللعبة ، وثوب الوزارة لا يستقر على كتفيه ، وبالرغم من هذا فانه يريد أن يحقق حلمه الأبدي في إمتلاك عزه .لكن في لحظة خوف من أن يخرج من ” المولد بلا قرص” فانه يبيع ثوب الوزارة بنقود مزيفة.
أما الملك فانه الحلم ذاته ، وبهذا فانه وصل إلى كمال التنكر عندما يضجر من شرطه التاريخي كملك ، فيطلب من وزيره الحقيقي أن يهيئ له مقلبا لقتل الضجر الملكي الذي يبدأ بخدر وتوتر في الأصابع . وبالتأكيد فان الجماهير الفقيرة هي التي ترفه عن الملك وهي مركز مقالبه الملكية:
(الملك:عندما أصغي الى هموم الناس الصغيرة ، وأرقب دورانهم حول الدرهم واللقمة ، تغمرني متعة ماكرة. في حياتهم الزنخة طرافة لا يستطيع أي مهرج في القصر أن يبتكر مثلها …أريد أن أعابث البلاد والناس) )
وبالرغم من قلق الوزير على ملكه الذي بدأ يتلاعب بشروط وجوده التاريخية إلا أنه يستمر معه بإنهاء اللعبة الخطرة ، لأن حلم الوزير وشرطه الوجودي هو أن يظل الى جانب الملك يسعفه بالتدبير ويوجه أحكام وسياسة البلاد بالمشورة.
ان مسرحية الملك هو الملك تبدو وكأنها رقعة شطرنج لكن بشروط الواقع والحلم معا ، يستيقظ فيهما السياف الذي تسكره مهنة قطع الرقاب وتتملكه السعادة عندما يتدحرج الرأس المقطوع . وتزداد نشوته عندما يستحم بنافورات الدم . لكن الذي يقلقه هو منافسة الملك له في مهنته ، وقد تحقق هذا عندما أصبح أبو عزة ملكا وأخذ على عاتقه مهنة قطع رؤوس الرعية ، فتحول السياف إلى ” مجرد ظل أو غبار ” . وبالرغم من خوف السياف على شرطه الوجودي إلا أن الملك لا يستغني عنه ، حيث سيظل السياف يعد له طقوس الموت . فهما كوكبان يدوران حول بعضهما في كون عاصف ، أي جبروت السلطة ومخطط ومنفذ إرهابها.
أما عبيد وزاهد فانهما يحلمان دائما وينتظران الآتي ، المنقذ الذي سيستقبلانه ليحققا فعلهما الثوري ، وكل هذا يعد مشروعا مؤجلأ ينتظر اللحظة المناسبة.
وبما ان المسرحية تعالج موضوعة السلطة والارهاب واسباب تحول الانسان ليصبح أداة للشر من خلال التنكر الذي له مكانته في عصرنا الحاضر ، فان هذه المسرحية تمتلك اهميتها المعاصرة ولها تاثيرها الكبير في وعي الجمهور.
ولكن في الأزمنة البائسة يصبح الاستثناء هو القاعدة ولهذا فان سعد الله ونوس يحدث جمهوره دائما عن الاستثناء لكنه لن ينسيهم القاعدة الحقيقية التي يمكن ان يستندوا عليها بدون الإعتماد على مصباح ديوجين ، لان المؤلف يريهم دائما حقيقة وجودهم من خلال السؤال المهم الذي يعالجه مسرحياً وتغريبياً
إن مسرح سعد الله ونوس كشف عن فنية وديناميكية التراث والطقوس الشعبية ، وأَثْرى بذلك أشكالا ووسائلا تعبيرية تمنح المسرح العربي والمسرح الشرقي عموما خصوصيته بغية الوصول إلى العرض الشعبي وتأصيله ، ومن خلال هذا البحث امتلك المسرح العربي امتداده التجريبي المؤثر في المسرح الانساني بشكل عام ، واصبحت هذه المهمة اكثر وضوحا في مسرحياته الأخيرة التي كتبها وكان الموت قريبا و شاخصا امامه . كمسرحية الايام المخمورة ، ومنمنمات تاريخية ، وطقوس الاشارات والتحولات.






أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.