د. فاضل سوداني
نبذة عن الكتاب الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب
تأتي أهمية دراسة شعر الرؤيا كونه وسيلة بصرية مرتبطة بجوهر الحياة في لحظة الخلق الإبداعي ومرتبطة أيضاً بالموت أو العدم كمصير أبدي يدفعنا الى أن نمتلك التبصر والغور في مجاهل المستحيل.
ان تشويه زمن الشعر والعمل على تهميش تأثيره في الحياة والإنسان لأي سبب من الأسباب يعني سرقة تراث شعر الرؤيا المتراكم تاريخياً، لأن الخواء يتأتى من خواء روح الانسان وبالذات الشاعر غير الرائي.
وكون هذا النوع من الشعر هو حلم اليقظة الواعي الذي ينوع الحياة ويغنيها ويمنحها موسيقاها الخاصة ويمنح الإنسان والأشياء ذاكرتهما الشعرية البصرية المطلقة لأنه يعّبر عن إسطورية وميتافيزيقا الوجود.
إن الشعر الذي يخلق اسطورته وطقسه الرؤيوي يرتبط بالزمانية بدون أن يتحدد بتقنيات شعرية محدودة لدرجة يتجاوز فيها اخلاقيات زمننا الثقافي وهذه ميزة دائمة للشعر الذي ما زلنا نفتخر به منذ بودلير ورامبو وفرلين وهولدرن والمتنبي والنابغة الذبياني والكثير من شعراء العراق والعرب.
أن مثل شعر الرؤيا هو القادر على أن يجعل حياتنا أكثر انسانية وأقل عنفاً وتشيئاً فهو يعيدناً الى الإيقاع الهارموني للوجود النقي. أنه اللوغوس الشعري الذي يُكتب ويُؤَسس على حلم اليقظة الشاعري المُستَنِد على ذاكرة الرؤيا البصرية المطلقة.
أن مثل هذه الرؤيا حتمت الإتيان بشواهد لخمسة شعراء عرب معروفين من مختلف البلدان العربية ودراسة رؤاهم الشعرية باعتبارهم نماذج لشعراء يمتلكون تمايزهم وباعتبار شعرهم هو نموذج يدلل على وجهة نظرنا.
ومن أجل تحقيق هذا افترضنا الفهرست التالي:
مقدمة: شعرية الرؤيا البصرية (مقدمة في بصريات الشعر)
ـــ : سركون بولص الزمن الشعري الرؤيوي المطلق
ــ : علاء عبد الهادي التاويل الرؤيوي الاستعاري للشعر والصورة الفوتغرافية
ـــ : لغز الشاعر قاسم حداد في ذاكرته البصرية وهذيانه الأسطوري.
ـــ : رؤى بول شاؤول الشعرية في الجسد والحضور الميتافيزيقي للشعر الرؤيوي
ــ : زاهر الغافري وأسطورة النار المقدسة في أزمنة الرؤيا.
ومن خلال دراستنا للشعراء توصلنا الى بعض الميزات لشعر الرؤيا:
ـــ ان الميزة الأساسية في شعر الرؤيا متعددة ومنها بصرية الرؤى الشعرية والكائنات والأشياء التي يتناولها لا تكون ساكنة بل أنها تُخلق وتتحول الى أشياء أخرى لها قانونها الأنطلوجي والزماني الخاص.
ـــ في هذا الشعر تتطور مثيولوجيا الكائن والذاكرة الشعرية بحيث تتحول من ذاكرة التاريخ الموروث او ذاكرة الماضي لتصبح ذاكرة ميتافيزيقية ـ مستقبلية للشاعر .
ـــ ان كل قصيدة رؤيا بصرية هي مجموعة علامات وإشارات فوق الواقع أي أنها في الزمن الإبداعي المطلق أو ما أدعوه بالزمن البصري الابداعي الرابع.
ـــ لهذا يكون هنالك ايقاع خاص للشعر البصري، فهو يخضع لتواترات موسيقية متتالية ومطلقة لا تخضع لقانون المنطق والزمن الواقعي بل تخضع لزمنها ومنطقها الزمني الخاص.
ـــ فالشعر كالحلم، وليس حقيقة واقعة كما يؤكد هيدجر، لهذا فأنه لا يكتفي بالمتناهي وإنما يتجاوزه الى اللامتناهي.
ـــ وفي هذا الشعر تتشكل الذاكرة الإسطورية واسطورة الأشياء والكائن (الجسد) الذي يشكل في الكثير من الأحيان هذياناً شعرياً بصرياً يخلق وجوداً لامتناهياً مكثفاً للأشياء والاسطورة هي واقع حقيقي للكائنات والأشياء التي يخلق الشعر فيها ديناميكية وجودها.
ــــ أنه شعر لا يلتزم بأي نظام وقانون كتابي موروث او تأريخ من ذاكرة الماضي، وإنما يلتزم قانونه الإبداعي الذي ينبثق من داخله ومن بصرياته.
ـــ أن لغة الرؤيا البصرية والتداعي البصري والذاكرة الشعرية المطلقة، والأنساق البصرية الأخرى مثل مونتاج الفعل الدرامي واللوحة الفنية والصورة الفوتغرافية وغيرها هي من الوسائل التي تشكل الجمالية الشعرية البصرية لمثل هذا الشعر الذي ندعوا له والذي دللنا عليه بامثلة تطبيقية لشعراء معروفين وكل شئ يخضع لموضوعية النقد البصري أو الرؤيوي الذي ندعو له.
وما نقدمه هي نماذج من شعر الرؤيا كما نفترض لا تلغي الرؤى لشعراء آخرين لم نتمكن من دراستهم ولا يمكن أن تكون بديلاً لشعراء آخرين هم أيضاً أصحاب رؤى شعرية متميزة، لذلك فإنني أطمح في المستقبل أن أتبع هذا الكتاب برؤيا نقدية تحليلية بصرية لشعراء آخرين.
أضف تعليق