كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المتجردة بين الشعر والرسم

فتحي الرحماني

 ” الشّعر ضرب من النَّسْج وجنس من التصوير”

  • الجاحظ

” إنّ الرسم شعر صامت، والشعر تصوير ناطق ”

  • الشاعر اليوناني سيمونيدس

1/ خبر ” المتجرّدة ”:

المتجرّدة هي زوجة النعمان بن المنذر ملك الحِيرة، إحدى ممالك العرب في الجاهليّة، وكانت فائقة الحسن، بارعة الجمال، وكان النعمان على ما يُرْوَى قصيراً دميماً. وقد تعدّدت الروايات حول وصف النابغة الذبياني والمنخّل اليشكريّ، وهما من فحول شعراء الجاهليّة، للمتجرّدة. فقد قيل بأنّ النابغة دخل على النعمان ذات يوم، فرأى زوجته المتجرّدة وقد سقط نصيفها فاستترت منه بيدها. فأمره النعمان بأن يصفها له فأنشأ قصيدة في وصف مفاتنها، وقد أورد ابن قتيبة خبرا يقول فيه: ” وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكري يُتَّهمِ بالمتجردة ، وكان المنخّل جميلاً، وكان النعمان قصيراً دميماً، فلما سمع المنخّل هذا الشعر، قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلاّ من قد جرّب. فوَقَر ذلك في نفسه، وبلغ النابغة ذلك فخافه فهرب…”، غير أنّ أخبارا أخرى تذهب إلى  أنّ المنخّل قد لقي حتفه على يد النعمان بسبب انكشاف سرّه مع المتجرّدة.

  •   قصيدة النابغة في وصف ”المتجرّدة ”:  سَقَط النَّصِيف

سَقَطَ النَّصيفُ وَلَم تُرِدْ إِسقاطَهُ *** فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ

بِمُخَضَّبٍ رَخصٍ كَأَنَّ بَنانَهُ *** عَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَطافَةِ يُعقَدِ
 نَظَرَت إِلَيكَ بِحاجَةٍ لَم تَقضِها *** نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ

زَعَمَ الهُمامُ بِأَنَّ فاها بارِدٌ *** عَذبٌ مُقَبَّلُهُ شَهِيُّ المَورِدِ
 زَعَمَ الهُمامُ وَلَم أَذُقهُ أَنَّهُ *** يُشْفَى بِرَيّا ريقِها العَطِشُ الصَّدِي

ونلاحظ في هذه الأبيات حيلة النابغة وتخلّصه اللطيف حين نسب جمالها إلى ” الهُمام” وهو الملك نفسه النعمان بن المنذر. ويبدو أنّ هذه القصيدة هي السّبب في تسمية زوجة النعمان بالمتجرّدة، والتجرّد هو التعرّي.

  • قصيدة المُنخّل اليشكُريّ في وصف ”المتجرّدة ”: فتاة الخِدر

ولقد دخلتُ على الفتـاة ** الخِدْر في اليوم المطيـر

الكاعب الحسناء ترفـُل** في الدِّمَقْس وفي الحرير

فدَفعتـُهـا فتدافـعـت ** مَشْيَ القَطَاة إلى الغديـر

ولثمتـهـا فتنـفـسّـت ** كتنفّس الظبـي الغريـر

وأحبـّهـا وتُحـبّـنـي **   ويُحِبّ ناقتهـا بعيـري

2/ ” المتجرّدة ” في الفنّ التشكيلي:

ونتحدّث هنا عن لوحتين: تنسب إحداهما إلى التشكيلي العراقي فيصل لعيبي، والثانية إلى التشكيلية الصينية جيا لو Jia Lu

وفيهما تمثّل للإيحاءات المختلفة التي رسمتها الأشعار والأخبار لشخصية المتجرّدة وفتنتها وجمالها، وتمّ الاشتغال في اللوحتين على ثنائية الكشف والاحتجاب أو التعرّي والتخفّي.

  • لوحة العراقي فيصل لعيبي:
  • لوحة الصينية جيا لو:

3/ ملاحظات حول اللّوحتين:

  • العلاقة محكومة بما يسمّى التناصّ، التناصّ بين ما هو فني – تشكيلي وما هو شعري ، فنحن أمام حالة تبادل نصي ( قصيدة / لوحة ).
  • قسم الفنان العراقي  لوحته إلى  أقسام ، في القسم العلوي أظهر شابا وسيما ينظر من باب الخيمة / الخدر متلصصا ، وقد بانت على محياه علامات الدهشة لما يرى ، ماسكا بوردة حمراء كأنه يشير إلى الشاعر الذبياني الذي رأى المتجردة والنصيف يسقط منها وعنها .
  • وفي الوسط وهو الأهم والذي يأخذ من الفنان جهدا كبيرا في تخطيطه ، يظهر الفنان المكوّن الرئيسي للوحة ، وهي الفتاة وقد نضت ثيابها إلا ( لِبْسَة المتفضّل ) أي أنّها غطّت نصف جسمها السفلي بالنّصيف .
  • هذا الجزء وضع فيه الرسام إناء الفواكه دلالة على أنّ الجلسة ملوكية ، وكذلك اكتناز الجسد علامة رخاء وترف وبذخ، واستعادة لصورة المرأة كما استقرّت في الشعر القديم، فاكتنازها شرط من شروط جمالها …
  • المرأة في وضع فيه اتقاء نظر الجالسين ، وضع اليدين يدلّ على  الخشية من عيون الناظرين لها…
  • أمّا  لوحة الفنّانة الصينية “جيا لو” ففيها تناصّ أيضا مع القصيدة من خلال عناصر مثل: العُري، الإغواء، اتّقاء العيون ، ثنائية السّتر والحجب ، الكشف والإخفاء …
  • في اللوحتين تتفاعل الأشكال والألوان والأضواء وفي القصيدتين يُبنى المشهد من كلمات وتراكيب ووصف ..
  • في اللوحتين تشكيل وتجسيد، وفي الشّعر تجريد وتخييل..

فأيّهما أبلغ ؟ وأيّهما أكثر إمتاعا ؟ وهل تستوفي اللّوحة التشكيلية كلّ إيحاءات القصيدة ؟

وهل المتجرّدة هي هي بين صورتها في الشّعر وصورتها في اللوحتين ؟

 

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.