كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

فَوَارِطَ اللؤلؤ والخروج من الظلمة..

في رواية (أبناء السيدة حياة) للروائي الراحل حسين رحيم.

هشام الكيلاني

تنشر هذه المقالة ضمن ملف/ كناية / عن الروائي الراحل حسين رحيم



تهيأت لي هذه القراءة النقدية فكرياً لرواية (أبناء السيدة حياة) لكون هذه القراءة أولاً هي احتفال فكري ونفسي وروحي، اهديها لمؤلف الرواية الذي يعد من أقدم أصدقائي, وثانياً هي بداية للكتابة في موضوع ما من موضوعات الثقافة والأدب (فكرياً) وقد يختلف عن باقي القراءات، وثالثاً قد سرني ما ورد في هذه الرواية من صياغة حسين رحيم فكرته التي يريد إيصالها للقارئ من أدب رفيع يرتقي بالأذواق ويحرك المشاعر، ويحقق المتعة، ويؤدي الرسالة. وأخيراً يحسن بنا أن نترك هذه القراءة أن يحكم عليها المتخصصون في هذا المجال ومن ثم المتلقي , علماً أن هذه القراءة النقدية لهذا الإبداع قد تكون قاصرة أو ناقصة ..حسين رحيم روائي وقاص ومؤلف مسرحي .وهو عضو اتحاد أدباء وكتاب العراق وعضو اتحاد الدراميين. لديه رصيد من الإنتاج منها رواية .. الِقران العاشر صدر عن (الهيئة المصرية العامة للكتاب ومن القصص ـ رقيم الطوفان نشرت في مجلة ثقافات البحرينية وجريدة الزمان ونشرت له جريدة نينوى والزمان والأديب وموقع معابر (حقيبتي الصفراء التي… ) و(صبي الأحلام) نشرت في مجلة الجامعة الأردنية و(السيد وادي عكاب) تبنت نشرها جريدة الأديب البغدادية … الخ من العناوين ..حسين رحيم عمل محررا للصفحة الثقافية في عدد من الجرائد الموصلية … له باقة من المسرحيات منها مسرحية الإعدام وقد شاركت في مهرجان المسرح العراقي في بغداد عام 1994 وشاركت في مهرجان الحدباء المسرحي الذي أقامته كلية الفنون الجميلة في الموصل (نيسان 2006 .. والإخوة ياسين شاركت في مهرجان المسرح العراقي في بغداد عام 1996.. ومسرحية (هذيانات معطف) في مهرجان المسرح العراقي في بغداد عام 1996 , ونشرت في مجلة سطور المصرية . وكذلك (عشق يبحث عن رحيل ) التي نشرتها له نفس المجلة .. وشاركت (مسرحية الجمجمة (مونودراما بانتومايم) في مهرجان الحدباء المسرحي الذي أقامته كلية الفنون الجميلة في الموصل (نيسان 2006) وكذلك شاركت في مهرجان اللاذقية للمونودراما في سوريا … الخ من المسرحيات … حسين رحيم لديه باقة من الجوائز… الجائزة ألأولى في مسابقة القصة القصيرة التي أقامتها جريدة نينوى بقصة (حقيبتي الصفراء التي…) عام 2001 وحصل على الجائزة ألأولى في مسابقة قناة الديار الفضائية للقصة والشعر عن قصة (سيد حديقة الشهداء) عام 2006 .. ولديه جائزة تقديرية (الأولى) في مهرجان البغدادية ألأول للقصة القصيرة والرواية عن رواية (موصليا) وحصل على جائزة ناجي نعمان في الإبداع للعام 2009 وله عشرات المقالات والدراسات في المسرح والموسيقى والفن التشكيلي والرواية منشورة في أكثر من صحيفة ومجلة عراقية وعربية ومواقع الكترونية مثل موقع معابر وموقع مسرحيون. قام بعدة لقاءات وحوارات في مجلات وصحف عراقية حول منجزه الإبداعي وآخرها لقاء في الفضائية الموصلية وفضائية سما الموصل … وروايته التي نحن اشرنا لقراءتها ( أبناء السيدة حياة ) التي صدرت عن دار ليندا للطباعة والنشر في طبعتها الأول تحتوي على 275 صفحة من الحجم المتوسط وهي مزيج من القراءات الفكرية والفلسفية والتاريخية والسياسية والمشاهد الحياتية وظفت من قبل أديبنا ( حسين رحيم) في كتابة هذه الرواية امتزجت فيها الواقعية البعيدة عن الفكر المادي الملحد الذي يرفض عالم الغيب والإيمان بالله والرمزية البعيدة عن تحليل القيم الدينية والخلقية والكلاسيكية البعيدة عن التصور الغربي بل هي عند كاتبنا تجمع الخير والحق والجمال بصيغ لا تخرج عن الثوابت وهي روى من خليط فكر امتزج فيه العقل والعاطفة معاً تطرق إلى مصير مدينته ( الموصل) مرتع  ذكريات طفولتنا وشبابنا , وتاريخها كان يدغدغ شيئاً ما داخل ذاته, وخرجت هذه الدغدغة إلى خارج حدود المدينة ,أحاسيس وانفعالات عنيفة متداخلة ، من الغضب إلى الحماس إلى البكاء إلى العطف إلى القسوة إلى الرقة ، مما جعله يعيد امتزاجها في روايته ( أبناء السيدة حياة) وكان ذلك الوصف الأخاذ للحياة الاجتماعية ومزيج من التاريخ لمدينته من خلال شخوصها وأبطالها كان فيها مزيجاً أخاذاً ومثيراً من الأفكار لدى الكاتب يخرج علينا كاتبنا حسين رحيم في مطلع روايته من إحدى (تلول) مدينته (موصل) بحبكة رمزية مع مجموعة من (رعاة الماشية) يستيقظون ذات صباح ويكتشفون سبعة بيوت من ( الرخام والمرمر) متلاحمة مع بعضها , ورقم (سبعة) يستخدم كثيراً في أساطير الديانات القديمة , ومن هنا تبدأ الرمزية في هذه الرواية , حيث يستنكر الرعاة وجودها , وقد يكون القصد في هذا المشهد الأول في روايته (سيشاهد من يقرأ الرواية العديد من هذه المشاهد) هو تفسير ظواهر الطبيعة أو العقائد الدينية والأحداث التاريخية الموغلة في التاريخ القديم , وقد يكون قد استخدمها الكاتب لأغراض فنية لا عن اعتقاد منه بأنها حقائق قطعية كرمز (المرمر) (2) (في نفس الرواية ــ يُعد الكاتب والروائي حسين رحيم من الروائيين الموهوبين، قرأ أعمال المعاصرين وتمثلهم وهضم أعمالهم، وغاص في التراث فاستلهم منه ليطعم به روايته وعايش التقلبات السياسية في كل أحداثها مذ ما يربو من خمسون سنة , ومن خلال متابعة روايته (أبناء السيدة حياة) . يتضح فيها مذكرات يومية من خلال الشخوص الذي اعتنى بهم الكاتب التي تتناول ذلك القطاع من المجتمع الموصلي في فترة ما بين الأربعينيات والتسعينيات من القرن المنصرم , صاغ حسين رحيم فكرته التي يريد إيصالها للقارئ بأسلوب رمزي , ونرى في أكثر شخوصه التردد والحيرة تصارعهم أفكار شتى حول هذا الكون , وخالقه , وأحداثه ، ثم تتحول رواياته لتلبس الدراماتيكية للصراعات الداخلية، والتي تعاني شخصياتها من تنازع روحي عنيف وليس مستبعداً أنها روايته (أبناء السيدة حياة). قد تأثرت بأسلوب كتاب كثيرين من الروائيين إن كان عرب أو غربيين. استخدم فيها مشاهد من التاريخ , حيث ينقلنا فيها إلى القرن الثاني عشر.. ويقول في روايته أهوال وكوارث جسام تميز بها القرن الثاني عشر قبل الميلاد.. هذا الذي يعد من اشد القرون غموضاً عند المؤرخين) فيأخذنا إلى أعمق جزء في البحر الأبيض المتوسط وهو (البحر الأيوني) ويسال كاتبنا ثم يعطينا الجواب ناقصا ليبقي المتلقي في اتصال مع الرواية لا يفارقها .. يقول في روايته ((خمسة قرون ظلماء قضت على الإمبراطورية الحيثية في آسيا الصغرى وعلى القصور ” المسينية” التي دمرت وأحرقت فمن المسؤول؟.. لا احد يعلم .. كيف حدثت؟.. لا احد يعلم )) . ويستعرض كاتبنا في روايته ((أن ثورتين هامتين قد حدثتا خلال هذه القرون الغامضة )) ومنها يذكر الكتابة الهيروغليفية. ثم يذكرنا في نفس السياق بـ ( كركاتو)… إن هذا الاستعراض للإحداث التاريخية المبهم منه وناقص الزمان والمكان والأسباب والنتائج (للمتلقي) الذي استخدمه كاتبنا ( حسين رحيم ) في روايته  يجبر القارئ ( المتلقي) أن يدخله إلى كينونة الحدث ويتابع قراءة الرواية حتى النهاية . وهذا في تقديري ذكاء من كاتبنا المبدع بحبكته القصصية المروية. ثم يعود ويستخدم الأساليب الأدبية المصطنعة حتى يؤكد أنها خيال وليست مرآة للواقع الاجتماعي. ثم يذهب بنا في بعض المشاهد إلى خيالية طويلة أقل واقعية من الرواية. ويحاول مرة أخرى تقديم الحياة بشكل واقعي، ومرة يقدم لنا قصص مسلية. فيها شخصيات وحبكة روائية خيالية. ويتناول في بعضها رومانسية قد لا تخلو من موضوعات فلسفية أو اجتماعية. وربما استُخدم القصة الرمزية، وهي قصة ذات معنيين لإخفاء الغرض الخفي من القصة. كأعمال الرومانسية الرمزية ، التي كتبها الروائي الأمريكي هرمان ملفيل، عام 1851م. فعلى المستوى الظاهري لهذا الروائي العالمي تعتبر قصة إحدى شخوصه قصة مغامرات في صيد الحيتان. وعلى مستوى أعمق، تكشف القصة عن صراع الإنسان، والقوى الغامضة للكون. حسين رحيم في روايته يأخذ أجمل ما في الحياة ويضحكنا ويهجرنا حين نريده ، ويحل ضيفاً ثقيلاً حين لا نريده , فحيناً يكشف لنا الروابط المُركبة التي تربط الناس بالمجتمع، ثم يذهب بنا مع شخوصه إلى التأثير العميق للبيئية والتقلبات الحياتية في كل المجالات على الإنسان , روايته الطويلة هذه ، تبحث عن الزمن الضائع ، وهي مليئة بشخصيات مفعمة بالحيوية، وتعرض صورًا للمجتمع في المدينة ثم يذهب بنا إلى الريف ثم يعود بنا إلى شرور العصر والحروب والكوارث ، ومع هذا كان في بعض المشاهد الروائية له أسلوب نابضًا بالحياة، وكانت مفرداته سهلة وتراكيبه واضحة. وبالأخص عندما يتكلم عن مدينته (موصل) ولقد كان لهذه المزايا، إلى جانب صدق وجهة نظره عن الحياة،

 الدور الأكبر في إعطائه المكانة المرموقة من خلال روايته هذه , رسم حسين مدينته وأزقتها ومحلاتها وشوارعها وأثار أطلالها. وبحث في جغرافيتها وتاريخها واقتصادها وحياتها الاجتماعية والخلقية. أحب حسين رحيم مدينته بشغف وانعكس ذلك الإحساس في رواياته. وتميزت آثارها بالتحليل البارع للعواطف والمتع الحسيِّة. ولأنها كانت تسكن مدينته في أعماق الأعماق ، فقد صوَّر العطور والألوان والجمال والدكاكين التي تزخر بها مدينته ، كما لم يغب عن كاتبنا تصويره للحياة الموصلية بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية . ويجمعها في شخصيات محورية متداولة الأسماء والمهن والألقاب والأماكن والحوادث والأزمان في مدينة ( الموصل) التي تمثل في روايته رمز المدن العتيقة والعريقة والمنكوبة والمسلوبة والمسروقة (عبد الباقي ـ سهلة بنت حسين ـ معيوف الأعرج ـ رسلية الخبازة ـ رازقيه أم الشرابت ـ حازم القصاب ـ ميزر ـ ياردلم ) والأماكن ( عبدو خوب ـ شارع حلب ـ الجرناف ـ الخوصر ـ الدملماجة ـ قليعات ـ سفوح جبال كردستان …الخ ) >> انظر الرواية ـ هي إبداعات أدبية عالية المستوى، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال والمغامرة والرمزية البارعة. من خلال روايته هذه كتب حسين عن تجاربه وما شاهده بطريقة جذابة مدهشة ، وأضفى عليها خيالاً خصبًا وشكلاً فلسفيًا، إلى جانب مهارةٍ فائقة في استعمال اللغة والألفاظ العامية لمدينته مثل (عوجة الماتطلع , المهد , الديو, وسكائراللف ..الخ ) كتب روايته على شكل مرويات بارعة الصور والمشاهد من مذكرات أو مشاهدات حياتية  تتكيء على ثقافة عميقة أدبية كما قلنا سابقاً, تراه يخرج من العالمية ليدخل بنا إلى اللون المحلي، وقد يوصف من خلال حبكته متاعب وإحباط وواقع تجربة شخصيات الرواية  الشخصية.  حينا إلى الريف والحضر، ويزحف بنا إلى الناس في المدينة، ثم يذهب بنا إلى أحد الأحياء الفقيرة والأحياء القديمة والجديدة , ثم يودعنا إلى الصراع بين ضمير الإنسان وضغوط الحياة وينقلنا إلى التاريخ , ليدخل معنا من خلال بوابة مدينة الموصل إلى جميع السمات الروحية والفكرية والعاطفية والأسس الإنسانية , من نظم وقيم وتقاليد ومعتقدات , فرمز المدن استقاها من مدينة الموصل الذي ولده فيها وعايش أحداثها , يحدثنا عن فجر المدن فيقول : ((هكذا فتح فجر المدن ذاك اليوم خزانته من اجل عينيها مرسلاً أنفاسه الذهبية تتموج على مشارفها وأسطح أبنيتها المكحلة بالمرمر الأزرق .. وتمددت الأنفاس البكر بين الزوايا وخلف الجدران وأسفل العتبات .. دفعة واحدة كميزاب عملاق مخنوق بمطر قديم .. انفتح بسرعة .. ليس كمثله كلام ـــ يسير باتساق مع روحها الوثابة أبداً )) ثم يسحبنا إلى عائلة موصلية رئيسها عبد الباقي . متزوج من امرأة يرمز اسمها (عين) ولهم بنت اسمها (صباح) التي تتحول إلى ذكر ويترك المدينة من (عوجة الماتطلع) إلى خارج البلاد ( أمريكا) ويلتقي هناك بجندي أمريكي كان ضابطاً في حرب فيتنام ـ ويترك خلفه مدينته وأمه الذي سيأتي للبحث عنها بعد أن يعود من السفر , وكذلك أبناء  المحلة من معيوف الأعرج وحازم القصاب .رسلية الخبازة . ورازقية أم الشرابت . ياردلم . وميزر الذي كان حبيبه عند ما كان أنثى ـ وتبدأ الحبكة القصصية من عودة صباح إلى مدينته موصل …

إن رواية أبناء السيدة حياة لكاتبنا حسين رحيم من خلال قراءتها بإمعان يتراء لنا ، ذلك المزج الغريب بين الحقيقة أحياناً , وأحياناً أخرى الخيال بدقة وببراعة كما ذكرنا أنفاً ، حتى يخيل للقارئ ـ من فرط الحبكة الدرامية في بعض الصفحات ـ أن ما يذكره المؤلف وقع فعلا. والمؤلف يسوق أحداثا ً يتخيلها، أو يقدمها كخطة للمتلقي داخل رحى ” أفكاره واعتقاداته “، مرة بصورة الأدب الشعبي والقصص والروايات التي قراءها في مسيرة اطلاعه من أكثر الكتاب الذي ذكرهم في رواياته عن طريق أبطاله في الرواية بأساليب عديدة ، سواء في الفكرة أو الحبكة القصصية. عبر الحبكة المركبة، أو المفردة، التي تقود إلى النهاية التي يبتغيها لمبتغاة،ولا تخلو روايته من الحبكة الذكية وعنصر التشويق. وقد بنى الحبكة (عقدة القصة) والشخصيات بطريقة تسمح للقارئ أن يتغلغل إلى حياة كل من الأشخاص والإبطال وحتى الحوادث والمدن ومن أماكن وشخصيات من مؤلفين إلى قادة حروب إلى مفكرين .. الخ … كنمرود بن الكنعان , ودون كيشوت , والنبي دانيال , وابن منعة , وفان كوخ , واندريه جيد … الخ … وسيلاحظ القارئ كثير من الأسماء ,. وفي تصوري إن قراءته المتراكمة في مسيرة حياته جعلته أن يدرج هذه الأسماء والأماكن والحوادث والاعتقادات والديانات ــ حسين رحيم في روايته هذه سلط أفكاره ومعرفته بعضها على بعض ليفيد من أضوائها الموضحة بالتبادل … حاول في روايته هذه على تناول الشَّخصيات بطريقة عقلية ذكية ممزوجة بعاطفة . وقصص واقعية أخرى , وعن حياة بعض الشخوص في المدن الصغيرة والأرياف وما حول مدينته (موصل) . إضافة إلى انه يذهب بنا إلى أسلوب هجائي وسياسي. وقد بني عمله في هذه الرواية أبناء السيدة حياة على أحداث أو حياة لأشخاص مرسومين بدقة حقيقية، لكنّ إبداعهم يكمن في إيراد أحداث أو شخصيات لا تمت إلى الحقيقة بصلة. ولذا فالرواية هي توغل في. الجوانب الخفية لحياة شخصياته وسلوكها. وتثير هذه الرواية، في قالب رمزي، أسئلة فلسفية عن الخير والشر. ومع هذا كله ـ هي ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي. في الرواية . ثم يذهب بنا إلى جيل آخر من الروائيين العرب الذين خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها. كالطيب صالح وعبد الرحمن منيف ففي (أبناء السيدة حياة) هناك رؤية حداثية للواقع من أهم سماتها أن الخطاب الروائي فيها تجاوز المفاهيم التقليدية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة؛ وتداخلت أساليبها مع تداخلات العالم الخيالي والصوفي والواقعي والتاريخي، مما جعلها، سواء في حبكتها أو شخوصها، أكثر تعقيدًا وأعمق تركيبًا كما تتخللها الرمزية الحالمة , التي لا توثر في بعض الأحيان على المتلقي . وفي عصرنا هذا أصبحت تأثير أكثر الرواية أكثر ألأجناس ألأدبية تأثيرا  في (المتلقي) من المقالات الفكرية حيث يعسر فهم الكثيرين لها , لقد حاول كاتبنا في روايته هذه , ومن خلال مشاهده الفنية الروائية , أن يشد ويمتع القارئ المتذوق , من خلال تدفق أحداث تاريخية , وحوارات نصوص أبطاله , ففي عدة مشاهد كان يقيم إحياء التاريخ مكان الخيال , وبلون أكلاسيكي حديث حيث يضيف مشاهده الروائية جنبا مع جنب بالخيال والرمزية ثم الأسطورة ثم يظهر علينا بواقعية قد عاشها القارئ ( المتلقي) . في الرواية معاني وألفاظ معروفة ومعاني رمزية قد تكون بعيد عن بعض ..القراء . منتشرة بين صعاليك ومتشردين وأبطال في الذاكرة بمظاهر متعددة وبأوصاف كثيرة , رواية جمعت الإنسان ومصيره بين الخيبة والدمار ثم بين الرجاء والتمني المنفعل  , من أفكار ومعارف وثقافة ومشاهدة حياتية ,الذي ساقه من خلال النص مما سيجعل القارئ المتلقي أن يتابع قراءة هذه الرواية . كما تابع من قبل …رواية الساعة الخامسة للكاتب الروماني (كونستانتان جيورجيو ) وهى من أعظم الأعمال الأدبية التي تناولت بالتحليل المستفيض والتصوير الدقيق مأساة الضياع المتمثل في انهيار (الحضارة الغربية) وسحق إنسانية الإنسان ، يقول كونستانتان فيها: …” إنني أشعر أن حدثاً خطيراً قد وقع حولنا إنني أجهل أين انفجر ومتى بدأ وكم يدوم لكنني أشعر بوجوده ، لقد أخذنا في الدوامة ولسوف تمزق هذه الدوامة جلودنا وتحطم عظامنا الواحد تلو الأخر ، إنني أشعر بهذا الحدث الهائل شعوراً لا يضاهيه إلا إحساس الجرذان المسبق الذي يدعوهم إلى هجر مركب على وشك الغراق ، لن يكون لنا أي مأوى في أي مكان في العالم ) حيث يصور جورجيو سبب المأساة بأن التقدم الآلي المجرد من القيم وتفوق الآلة الطاغي على الإنسان وذبول إنسانيته أمامها – كل هذا سيفضى بالمجتمع البشرى إلى نهاية مرعبة ، إذ يظهر سلالات من نوع خاص لا هي بشرية ولا هي آلية ، أسماها المؤلف ” الرقيق التكني ” وبحكم كثرة الرقيق التكنى فإنه سوف يثور للسيطرة على العالم وسينتصر فعلاً ويعود البشر الحقيقيون أقلية ضئيلة على الأرض. حاول كاتبنا المبدع حسين أن يختفي بذكاء وراء عمله , وفسح المجال للشخوص كي تتحرك في علاقات محدد , ودع الأفعال أن تترابط وتتحرك على مستوى معين هو يريده , ثم يدع الحركة مرة أخرى أن تنمو والزمن يتحرك من الماضي إلى الحاضر أو العكس ومن الحاضر والماضي إلى المستقبل ثم يعزز المغزى البعيد الذي ينسج من حوله الأحداث وتطور الزمن وحوار الشخوص مع بعضهم بعضاً .. أراد كاتبنا أن يوصلنا بعد أن قدم لنا مجموعة من هذه الآلي الأصلية والمزيفة والمصطنعة . أن السنن الكونية (السننية) كمفهوم إيماني (قرآني) تقول إن حياة الأمم و سعادتها في الدارين ترتبط بمستوى تقيد هذه الشعوب بقوانين الحياة الأكثر عمقاً و أصالة و أهمية في حياة بني البشر المرتبطة بمفاهيم الاستخلاف و التسخير و العبودية، فلب الحقيقة في رواية ( أبناء السيدة حياة) هي هذه الآلي الذي أراد أن يوصلها لنا كاتبنا , ومنها قوله : إن من زرع الماضي في ذاكراتنا كان عبقرياً في فهم الحاضر. ويخطئ من يظن أفضل الكتابات هي عن الماضي .. لكن الطامة الكبرى حين نتحدث عن المستقبل , بلغة وردية … ناسين أو متناسين أن أمراض الإنسان ما زالت بلا علاج ….. وما زلنا نعيش الحروب والمجاعات والطغيان… فقط اختلافها عن الماضي أنها انتقلت من مكان إلى آخر … ثم يقول في سرد أخرى من الرواية : عندما تمتد يد الله إلى الأرض لتمسح التاريخ كله منها فيعقف الزمن من سيره ويدور عائداً إلى نفسه لتشبه الأيام والأسابيع والأشهر بعضها بعضاً , وتكون القوانين والنظم تسير وفق قانون كوني واحد , بأمر الخالق العظيم الأوحد .. ويختم كاتبنا حسين رحيم روايته التي لن تنتهي بعد .. تلك الرواية الواقفة أمام كل أبواب المدن القديمة والعتيقة والحديثة , وأمام كل المستحدثات لتقول لنا ( لكي تعيش أرواحنا طعم الفردوس الإلهي الحقيقي , يجب أن نعبر إلى العالم الآخر . وقد نظفنا ورفعنا فعل الخير والعمل الصالح ….. وإلا … فالفردوس الأرضية هي جحيم الخلود) نعم العمل الصالح … يرفعه وهو ركن من أركان الإيمان .. { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) المائدة } { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) الرعد} فالعمل الصالح يؤدي إلى تحقيق سعادة الإنسان في الحياة الدنيا , ويحقق مصالحة المعايشة , دون خلل أو نقص …. و (يبقى الدليل على علم الله الواسع الذي أحاط بحركة التاريخ ماضياً وحاضراً و مستقبلاً …. ثم تأكيد البرهان على الحق الواحد الذي جاء به الأنبياء السابقون جميعاً و سعوا إلى أن يقودوا أممهم إلى مصدره الواحد الذي لا إله إلا هو …. و الوقوف على السنن و النواميس الثابتة و القائمة على أن الجزاء من جنس العمل، و ضرورة تحرك الجماعة (المدركة الملتزمة) متجاوزة مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية السابقة إلى الدمار من أجل بناء عالم لا تدمره تجارب الخطأ و الصواب وتبقى رواية ( أبناء السيدة حياة ) للروائي  حسين رحيم فيها كثير من الرؤى والتحليل واقفة أمام أبواب مدينته العتيقة تنتظر من يوزر أحلامها ويحقق أمنياتها ويراقب قسمات وجوه من يتصفحها لينقض عليه ويسأله عن (أبناء السيدة حياة).
ـــــ


التعليقات والهوامش/

(1)                ـ في التاج ,مادة ( فرط ) : " الفارِطُ: جَمْعُهُ: فُرَّاطٌ، ... وقد يُجمعُ الفارِطُ على فَوَارِطَ، وهو نادِرٌ، كفارِسٍ وفَوَارِسٍ، كمافي العباب" . وياتي >> فَرَطُ الولدِ صغارهم ما لم يدركوا وقيل الفرط - كبارهم وصغارهم وجمعه أفراط وقيل الفرط واحدٌ وجمعٌ ، ابن السكيت ، فَرَطَ فلانٌ بَنِينَ ـ والحرص فرط الشهوة وفرط الإرادة وقال أبو البقاء شدة الانكماش على الشيء والجد في طلبه وعبر عنه بعضهم بقوله طلب الشيء باجتهاد في إصابته ... وقيل: الأفراط تباشير الصبحِ . يعني: من أوائل الصبح. والخ .. والكل يخدم المعنى

(2)                 ـ وكلمة (مرمر) يُعتَبر الرخام وهو ذالك الذي يخرط منه الألواح والعمد وتبلط به الدور وهو من الين الحجاره واقلها خشونه وكل حجر أملس لين مرمر ومنه قيل للجارية الناعمة (مرموره ومرماره ) وقد ذكرها كاتبنا في الهامش عن كلمة مرمر ( نوع من المرمر لا يعيش إلا في جسدك) والمَرْمَر أيضاً: نعمة الجسم وتَرَجْرُجُه. قال ذو الرُّمَّة: تَرى خَلْقَها نصفاً قناةً قَويمةً ... ونصفاً نقاً يَرْتَجّ أو يَتَمَرمَر وهناك قصيدة لأبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، ذكر فيها المرمر قوله : قد جاوروا أجَمَ الضَّوارِي حولهم ... فإذا هُم زأروا بها لم تزأر ومشَوْا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مَرْمر وقد استخدم كلمة (مرمر) أكثر الأدباء والشعراء في كتاباتهم , وكل حسب تخيلاته

(3)                  يُلمح إلى الكوارث التي حدثت في هذا البحر إن كانت طبيعية أو بسبب الحروب , حيث يذكر التاريخ : أن أسطول أنطونيوس وكليوبطرة أبحر عام 32 من هذا القرن إلى البحر الأيوني. ليواجه (أكتافيان) القائد الروماني الذي انتصر فيها على أسطول أنطونيوس وكليوبطرة ـ حيث أهلك الدخان بعض البحارة قبل أن تصلهم النيران، ومنهم من نضج لحمهم في دروعهم التي احمرت من شدة اللهب، ومنهم من شوتهم النار شياً في سفنهم كما تشوي اللحوم في الأفران. وألقى الكثيرون منهم أنفسهم في البحر، ومن هؤلاء من إلتهمتهم الحيتان، ومنهم من قتلوا رمياً بالسهام، ومنهم من قضوا نحبهم غرقاً. ولم يمت من هذا الجيش كله ميتة يستطيعون تحملها إلا من قتل بعضهم بعضاً. ثم ينتقل بنا إلى تاريخ أخر من نفس القرن ..

(4)                والحيثيون كما ذكرها المؤرخون : هو شعب هندي أوربي قديم برز في آسيا الصغرى مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وتُعَدُّ هجرتهم أقدم الهجرات الهندية الأوربية المعروفة. والحيثيون إحدى القوى التي هيمنت على الشرق الأدنى القديم. في المنطقة الواقعة وراء البحر الأسود، واتخذوا من حاتوشاش عاصمة لإمبراطوريتهم في مقاطعة (حاتي) التي جاءت منها تسميتهم «الحيتيين» ولكن لفظة «حيثيين» بالثاء هي التي شاعت، والمسينية كانت أهم حضارة في بلاد الإغريق قامت في الجنوب في مسِّيني، وتعرف بالحضارة المسينية،. وكانت الفترة بين القرن السادس عشر قبل الميلاد إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد أزهى فتراتهم الحضارية؛ وبحلول 1200 ق.م. انهارت الحضارة المسينية، ودُمِّرت مراكزها الرئيسية. ولا يعرف العلماء ما إذا كان سبب سقوط تلك الحضارة هو اضطرابات داخلية، أم اجتياح خارجي. ووفقًا لرواية متوازنة، فإن المسينيين تعرَّضوا لهجوم من الدوريين ـ وهم شعب قَدِم من شمال غربي اليونان ـ إلا أن خبراء عديدين يعتقدون الآن بأن الدوريين لم يصِلوا إلا بعد سقوط الثقافة المسينية.

(5)                 وهي شكل من أشكال الكتابة التي تستخدم فيها الرموز التصويرية لتمثل أفكاراً وأصواتاً معينة. وتدل الهيروغليفية في الأعم الأغلب على الكتابة المستخدمة في مصر القديمة

(6)                  تلك الجزيرة البركانية التي تقع في مضيق سوندا في منتصف المسافة تقريباً بين سومطرة وجاوه. الذي ثار فيها بركانها ، مما تسبب في حدوث واحدة من أسوأ الكوارث في العالم. فقد تناثر معظم الجزيرة إلى أجزاء، وضربت موجة مدية عاتية شواطئ الجزر القريبة، مما أدى إلى مقتل الكثير من البشر . وظل الرماد البركاني عالقًا في سماء المنطقة وحولها لمدة

المراجع/

 (1) بحث إشكاليّة المنهج في الخطاب النقدي عالم الفكر ، الكويت المجلد الثالث والعشرون ، العددان الأول والثاني يوليو – ديسمبر 1994 م

 (2) العقل المستعار .. بحث في إشكالية المنهج .. في النقد الأدبي العربي ... المنهج النفسي أنموذجاً ـ د ـ صالح سعيد الزهراني

 

 

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.