عفاف الشتيوي
لا أحد يفهم السبب الذي يدعو المبدعين إلى بتر نصوصهم فجأة. إيمانهم المطلق بالتجريب وبهلوسات ما بعد الحداثة يجعلهم ينشئون نصوصا مبتورة، إذ يحدث أن يختفي البطل من الشاشة فجأة معلنا قرفه من هذه الحياة المملّة التي سطّرها له المخرج، ويحدث كذلك أن يهجر خشبة المسرح ويهرع إلى الجمهور لينتقي حبيبة تلائم المشهد الأخير. كلّ هذا يحدث في خيال المبدعين ممّا لاشك فيه، ويحدث في هذا النصّ الذي سوف تقرؤه الآن.
*********
أظلمت القاعة إلا من شبح امرأة كانت تبحث عن مكان يؤوي شغفها بالمجهول. في طريقها إلى هذا المكان ارتطمت بحبيبين كانا يتبادلان قبلة، في طريقها إلى هذا المكان فقدت ملامحها فجأة واستعادتها حين أبرقت الأضواء واشتعل المكان تصفيقا حارّا وبدا وجه الممثّل في الظلام وهو يتحرّك على خشبة المسرح ويدندن لحنا شعبيا. إذاك ارتطمت بمقعد شاغر، ألقت هيكلها عليه وأطلقت تنهيدة عميقة. لم يحرّرها منها إلا وجه الممثّل الذي كان يتمتم بكلام غريب. كانت ملامحه تتّضح حينا وتغيم أخرى خلف ظلال الألوان الداكنة، تترنّح على إيقاع الموسيقى الشاحبة التي تضخّها آلات عتيقة، ثم تستقيم محاكية إيقاع كلماته الغامضة. أسرتها لعبة الظلال والألوان، أسرتها تجاعيد البطل التي كانت تتغضن وتتقلّص ثمّ تتمدّد محاكية إيقاع الضوء واللّون. انتبهت، إذ نبّهتها هذه التجاعيد، إلى تجاعيدها. أوغلت في ذاكرتها ترمّم شروخ الأمس. ولم ينقذها من الأمس سوى صوت شجيّ، حنون، يقتحم الخشبة، وإذا بالحبيبين يتقاطعان عند ملتقى نظراتها الشاحبة.
وجهان يثرثران بفرح غريب يتقاطعان ويشرئبان إلى وجهها المقرور. وجهان يرتّبان أمسها ويربّتان على نظراتها الساهمة أو هذا ما خيّل إليها. هكذا دنا البطل من حبيبته، وقال لها بهدوء: يجب أن أرحل. تقترب منه البطلة وقد ألمّ بها خوف غريب وتردّد: وتتركني وحيدة؟؟ كيف سوّلت لك نفسك التفكير في الرحيل دوني؟”
يجب أن أرحل، يغمغم البطل فيما تزداد البطلة شراسة. يدندن البطل لحنا شعبيا وهو يحمل أشياءه ويمضي. تتبعه البطلة وهي تردّد: أعرف أنّك ستذهب إليها. البطل لا يردّ، يواصل دندنته. يسدل الستار، يعمّ الظلام. دقائق من الصمت قبل أن تغمر الأنوار الفضاء ويظهر البطل في حلّة جديدة. كرسيّ مركون في زاوية، منضدة عتيقة وعلبتا جعة فارغتان، والبطل ينقّل بصره في كلّ الزوايا كأنّه يبحث عن شيء ما. وفجأة يشعّ في عينيه فرح غريب، ويهتف: إنّها هي أخيرا. هكذا هتف البطل قبل أن يقفز من خشبة المسرح ويهرع إلى الجمهور، بل يهرع إليها، يأخذ بيدها ويهمس إليّ يا فتاتي. قبل أن تفكّر في هذه الدعوة الغريبة، قبل أن تخمّن في موقعها من الحبكة وعلاقتها بالنصّ أو تتأمّل في هوية البطل الذي يتطفل عليها ويأخذها إليه ويهمس إليّ يا فتاتي، قبل أن تفكّر في كل هذا وجدت نفسها تتوسّط هالات من الظلال والألوان وعلى وجهها تتقاطع نظرات جماهير غفيرة. في لحظة باتت محور المكان ومحور النصّ. توسّطت المشهد بارتباك وحياء. أذعنت إلى همسات البطل وسرّحت البصر في عينيه البنيّتين وشعره الكثّ وحركاته المتمرّدة. كنت أنتظرك لم تأخرتِ؟ أنتِ لا تدركين كم ثقل عليّ أمر هذه القصّة وكم انتهكني هذا النصّ وكم أرقّني هذا المصير اللّولبيّ الذي ابتليتُ به. لكن المهمّ هو أنّك جئتِ، المهمّ أنّك جئتِ حتى إن تأخّر مجيئك. في وسعنا الآن أن نبدأ قصّتنا. وقبل أن يستأنف كلامه أحاطت به وجوه متطفلة. وجه الحبيبة القديمة بملامح متصلّبة ونظرات نارية، ووجه عجوز قاس، ووجه طفل هادئ النظرات مريب الحركات. تحلّقوا حولها وأخذوا ينظرون إليها بحدّة وفضول، هتفوا معا: من هذه؟ من تكون؟ ثمّ رددوا بصوت واحد: إنّها هي، إنّها هي.
دنت منها المرأة المتصلّبة الملامح، أخذت تنعم النظر في كلّ جزئية فيها، تلمس خصلات شعرها وتعاين قسماتها وملامحها، ثم وشوشت للعجوز: إنّها هي. كذلك فعل العجوز الذي جعل يتأمّل كل ّما فيها قبل أن يؤكد ما قالته المرأة إنّها هي. أمّا الطفل فقد حدجها بنظرة ارتعدت لها.
دنت المرأة من البطل وقالت: ثم ثم ..تجاهلها البطل وهو يمسك بيد حبيبته الجديدة. أبهذه البساطة تحرّف النصّ وتخرّب المشهد الأخير؟ أبهذه البساطة تقحمها في النصّ؟
_هذا هو الحلّ.
_أيّ حل، هذا اختراق فظيع، هذا تطاول علينا وعلى الكاتب والمخرج كذلك، لن نصمت. رددوا بصوت واحد: لن نصمت، قبل أن ينسحبوا. لم يأبه البطل لهم، بل أدنى إليه البطلة، وضمّها إليه، وقال: أنا سعيد لأنّك جئتِ، كنت أنتظركِ منذ زمن. هذا هو مكانك الطبيعي. لم كنت تتوارين بين الجمهور فيما الحبكة مبتورة؟
لم تردّ، كان الصمت لغتها. ضمّها إليه ثانية وقال: لا تأبهي لهم. إنّهم لن يجسروا على شيء. لا تخافي أنت معي. لكنّها كانت خائفة من نظراته الوامقة، من تواتر الأضواء على وجهها المذعور، من يده الخشنة التي كانت تمسك يدها بشدة، من حبكة زجّ بها فيها، من نصّ تجهل كاتبيه ومخرجيه وممثليه. ودّت أن تذكّره بأنّها ليست حبيبته المنتظرة، ودّت أن تقول له إنّها ليست سوى امرأة ضجرة خطر لها أن تشاهد مسرحية في يوم غائم من أيامها المتشابهة، ودّت أن تقول له إنّه مخطئ وإنّها لا تمتّ إلى النصّ بصلّة، ودّت أن تنهره لأنّه تطفل على زاويتها وألقى بها فجأة تحت الأضواء، ودّت أن تقول كلاما كثيرا لكنّ عينيه الوامقتين عبثتا بكلّ أفكارها. كان يجيد محاورة حواسّها دون أن ينبس بكلمة. وللحظة أيقنت أنّها كذلك كانت تنتظره، ولوهلة أدركت أنّه من العبث التفكير في محلّها من القصة، حسبها أنّها معه. لم تهتم باسمه أو صفته أو ملامحه. كان ما يهمّها هو أنّها حبيبته المنتظرة، يكفي أنّه انتظرها سنوات، يكفي أنهّا المنتظرة، هذا وحده كاف. ما أجمل أن يخاتلك حبّ كان ينتظرك. أغرقت في تضاعيف هذا الحلم. حلم لم تنتشلها منه سوى وجوههم وقد تربّصت بها. وأخيرا هتفت الحبيبة القديمة: ليس من السهل أن تقذفي بي خارج الحبكة، ليس من السهل أن تستأثري بقلب الرجل الذي أحبّ. قهقه العجوز: إنّها لا تعرف ما ينتظرها. هيا فلتساعدنا يا سام. سام كان الطفل الهادئ المريب الحركات. سام يدنو منها ويحاول تقييدها. تصرخ لكن لا أحد يسمعها، فحبيبها ليس معها وهؤلاء الملاعين استغلّوا غيابه لينقضوا عليها. ربما رحل ولن يعود إليك. إنّه دائما على سفر. رددت حبيبته القديمة. ربما أيقن أنّك لست الحبيبة المنتظرة لذلك ذهب بحثا عن حبيبة أخرى. أنت لست سوى سراب مثلما كنتُ كلّما دنا منك عافك وبحث عن غيرك معتقدا أنّها ضالته. لكنّه واهم، واهم. هكذا هو الإنسان يخاتل دائما سعادة وهمية، يخيّل إليه في كل طريق أنّه عثر على ما ينتظره، لكنه سرعان ما ينتبه إلى أنّ ما كان ينتظره لم يشف نفسه، فيذهب في ظنّه أنّ ما ينتظره في مكان آخر فيفرّ إليه. آريس لا يختلف عن أيّ إنسان، إنّه واحد منا وأنت كذلك واحدة منا، واحدة تمضي حياتها في انتظار أشياء كثيرة، لكن يحدث أن تنتبه فجأة إلى أنّ هناك ما ينتظرها، فتفزع نفسها توقا وشوقا، لكن ما حدث لا يعدو أن يكون أضغاث أحلام. عند خطّ الانتظار التقيتما، لكن ما كنتِ من ينتظر ولا كان من ينتظرك. قهقهت الحبيبة القديمة، ثمّ همست لها: رغم ذلك سوف تدفعين الثمن. ليس من السهل أن تتطفلي على مسرحي. لن أغفر لك، لن أغفر لك. رددت وأومأت إلى العجوز والطفل أن احملاها وقيّداها. انهارت عليها أضواء قاتمة وهي مركونة في زاوية معتمة. كانوا يطوفون حولها ويرمونها بنظرات مريبة. العجوز: الأحلام المقيّدة… الحبيبة: الأحلام المرتجلة. الطفل: يجب ألا نرتجل الحلم..
العجوز: اسقها حكما لعلّها تتعظ حتى تحسن ترتيب انتظاراتها في المستقبل. هذا إن كان لها مستقبل. الطفل : المسكينة مازالت شابة. الحبيبة: لكنّنا سنبتر طريقها. من يبتر طريقي أبتر طريقه. قهقهت. كنتِ جالسة هناك في العتمة، فما الذي دفعك إلى خشبة المسرح؟ ما الذي دفعك إلى العبث تحت أضوائنا؟ ما الذي دعاك إلى التطفل على عالمنا؟ أنتِ لست منا ولن تكوني. قاطعها العجوز: وماذا نفعل بها؟؟ ماذا نفعل بها؟؟ ماذا تفعل بها؟؟ خمنت الحبيبة القديمة وهي تدور دورات جنونية وترقص وتضحك بصوت عال: ماذا تقترح؟؟؟
لنستشر الصغير هو الأكثر حكمة. صدقت قالت الحبيبة القديمة ودنت من سام وقالت: ما رأيك؟
ضحك الطفل ضحكة داعرة وهمس للمرأة. لم تستطع أن تلتقط كلماتهم، كانت فقط تلتقط نظراتهم وحركاتهم. تملّكها خوف رهيب، ودّت أن تصرخ، لكن خانها صوتها. فكّرت لم تأخّر ولم تركها؟ ألم يخش عليها منهم؟ أيعقل أن يكون قد رحل بحثا عن امرأة أخرى؟ أيعقل أن تكون استعارة لانتظاراته؟ أيعقل أن يكون استعارة لانتظاراتها؟ يعقل، فحبيبته أدرى بالقصة. أغمضت عينيها درءا لهذه الحقائق البشعة.
حين فتحت عينيها بوغتت بنور مبهر يغتاب أفكارها حتى أنّها وجدت صعوبة في فتح عينيها . لكنّها لم تكن على خشبة المسرح، بل كانت في مكانها الأوّل، على المقعد الخشبي، بين الجمهور. لكن لا جمهور، كانت وحيدة وكلّ المقاعد فارغة. قامت متثاقلة، حملت حقيبتها. وعند خروجها ارتطمت بنظرات العامل الذي كان بصدد تنظيف القاعة. رددت في داخلها: ما أعنف الواقع وما أقساه.
بين وجوه كثيرة ضاعت ملامحها. وجوه كثيرة تثرثر بتفاصيل كثيرة. رامت أن تهرب من هذه الوجوه لكنّ وجهه الحادّ الملامح ارتطم بها. ثبتت نظراتها على عينيه البنيّتين وعلى يده الخشنة التي كانت تستقر على يد البطلة في هدوء. بدت هادئة الملامح، بشوشة على غير ما كانت عليه. بخطوات مرتبكة دنت منهما وقالت: هل يمكن أن ألتقط صورة معكما. لم تصدّق ابتسامة البطل الحانية وهو يترك يد حبيبته القديمة ويفسح لها المجال لتتوسطهما. لم تصدّق آلة التصوير التي التقطت هذه الفسيفساء من الملامح. شقّت الزحام بخطاها المرتبكة، وبيدين مرتبكتين محت الصورة التي التقطتها للتوّ وضاع وجهها بين الوجوه.
أضف تعليق