عبد الجليل حمودي
إنّ عتبات الكتابة هي جميع النصوص الحافة بالأثر الأدبي الدائرة في فلكه والخارجة عن متنه. ترتبط ارتباطا وثيقا به فتشكّل مفاتيح سيميائية لولوج نص المتن. إنّها بمثابة كلمات السرّ من خلالها يتمكّن القارئ من فكّ شفرة النص واستيضاح مغالقه. ولم يعد النّقد الأدبي ينظر إليها بصفتها حِلْيةً للكتاب تتوقّف وظيفتها عند التزيين بل تعدّدت وظائفها وأضحت أهمّ من ذلك بكثير. فهي التي توجّه القارئ النّاقد إلى بؤرة العمليّة الإبداعيّة بما لها من تأثيرات انفعالية مباشرة عليه. إنّها أوّل ما يواجهه القارئ وكان النّاقد الفرنسي “جيرار جينيت” من أهمّ المنشغلين بعتبات الكتابة من خلال كتابه عتبات seuils فهو يسمها بالنص الموازي ويرى أنّ النص لا يكشف عريه للقارئ دون دعم علامات لغويّة وغير لغويّة ومصاحبتها تحوم حول تخومه وتتسرّب إلى ثناياه.
إنّ العتبة وثيقة الصلة بالنص مستقلّة عنه استقلالًا نسبيًّا في آن. وإنّه منطلقُ وجودها وسببٌ لحضورها وعلّةٌ لتشكيلها تستمدّ منه نضارة حياتها ويقسّمها “جينيت” إلى نوعين أمّا الأوّل فوسمه “بالمصاحب النصّي” وهو كلّ خطاب يوجد في فضاء الكتاب كصورة الغلاف والعنوان والعناوين الفرعيّة واسم الكتاب ودار النشر ونوع النص والإهداء والتمهيد والتصدير والمقدمة والهوامش أمّا الثاني فسمّاه “المتمّم النصي” وتنضوي تحته كلّ مكوّنات النص الموازي التي لها بالنص علاقةٌ مابعديّة وتوجد خارجه كالحوارات والشهادات والمراسلات والمناظرات وملفات الإشهار وتتحاور هذه المكوّنات مع النص من حيث الإضاءة والشرح والتعليق والإضافة.
والمتمعّن في عتبات الكتابة يلفاها تختصّ بوظائف متعدّدة فهي ظهير القارئ وسنده في الكشف عن أسرار النص وتميّزه عن غيره من النصوص إنّها تساعد على “فهم خصوصية النص الأدبي وتحديدا مقاصده الدلاليّة والتداولية ودراسة العلاقة الموجودة بينها وبين العمل “1 وتحرّك نقطة الاهتمام من النص المتن إلى النص الموازي فيرحل مركز التلقّي من الأوّل إلى الثاني “وهو الأمر الذي عدّته الدراسات النقدية الحديثة مفتاحا مهمًّا في دراسة النصوص المغلقة حيث تجترح تلك العتبات نصًّا صادما للملتقّي له وميض التّعريف بما يمكن أن تنطوي عليه مجاهل النص”2 كما إنّ القارئ الحصيف يمكن أن يستغلّها لتنير أمامه طرائق يصعب توخّيها من دونها فتنكشف أمامه تصوّرات أوّلية وفهمًا وليدًا “يسعف النظرية النقدية في التّحليل وإرساء قواعد جديدة لدراسة الخطاب القصصي”3 إضافة إلى وظيفتها الجماليّة والتداوليّة.
يزعم هذا البحث تتبّع تلك العتبات في مجموعة “ظمأ شديد وجنون ” متتبّعا أشكالها ومآلاتها. يحاورها علّها تكشف له بعضا من أسرارها وإنّه يعي جيّدا أنّها حرونٌ مخاتلةٌ قد تبدي له أقلّ مما تخفيه.كما إنّنا سنلتزم عند تحليل العتبات بالنوع الأول حسب تصنيف “جيرار جينيت” الّذي أسماه “المصاحب النصي” وسنحاول أن نقرأ مكوّناته من غلافٍ بما يحتويه من صورة وعنوان واسم الكاتب وتجنيس الأثر متنقّلين فيما بعد إلى الإهداء والعناوين الدّاخليّة والخطاب التّقديمي والتصدير والهوامش. وسنبيّن ما أمكننا البحث الصلة التي تتواشج فيها تلك العتبات مع المتن النصي.
I. تقديم الكتاب
صدر حديثا عن “دار الوطن العربي للنشر والتوزيع” كتاب القاص التونسي “فتحي الرحماني” بعنوان “ظمأ شديد وجنون “4 في مائة صفحة وصفحة تتضمّن واحدا وثلاثين نصا. نصوص سردت قصّة إنسان جرّب دفء العشق وعذوبته وتلظّى بنار السّجن وعذابه فانشطر إلى قلبٍ يرنو إلى عاطفة تشبّثت بالهوى والأمل عبّر عنه ستة عشر نصا حكَتْ عن “الحب والهوى ” وجسدٍ تألّم في خمسة عشر نصا من عاصفة ألْقت به في غياهب الجبّ بين أنياب كلاب الحراسة.
هكذا تشظّى الإنسان بين لحظتين متناقضتين استطاع القاصّ خلالهما أن يعلو بنصوصه إلى ذرى الجمال والإمتاع ويحملك الخيال إلى ذاتك فتجدها هناك قابعة بين النصوص تعيش فيها ويتواصل أسرُك حتى بعد الانتهاء من قراءتها فتسرح بوعيٍ منك أو من دونه بين عوالمها من خلال لغتها الرّائقة التي تمتح من الأسلوب القرآني عذوبته وجماله فتقذف بك على بساط الريح كما في ألف ليلة وليلة إلى عوالم سكنت روحك فأضحت جزءا من ذاتك رشفتها ذاكرتك وخبّأتها في بواطن النفس فها أنت مع نصوص “فتحي الرحماني” تتعرّف إلى “أخيل” آخرَ لم تنجبه الأسطورة اليونانية. وتتقاسم معه زهرته زهرة “توزوروس ” فلكلٍّ منّا زهرته وتلعن “استراوود” في سرّك وتبحث عن كجّاتك معه عن طفولتك الضائعة منك فتتذكّر كجّاتك في مسيرة النّسيان والضياع بل إنّك تحاور في ذات الوقت “السيّاب” وتبكي نخيله وتناجي وطنا ضاع أو كاد مع “محمود درويش” وتكشف أنّ السجن سجون: سجن العدو وسجن الوطن وسجن الذات. هكذا تميّزت نصوصه بأن جمعت المختلف فينا وآلفته حتى أضحينا كُلًّا. إنسانا يتقاذفه الحب والوجع.
إنّ النّاظر في كتاب “ظمأ شديد وجنزن ” يلقى عتبات تميّزت بوضوحها أحيانا وغموضها أحايين أخرى. إنّها لم تعد حليةً للكتاب بل أضحت من صميمه. نصوصٌ تحيل إلى نصوصٍ وإعلاناتٌ تشير إلى ما وراءها تدعو القارئ أن يتلهّى بها كي يستطيع القفز إلى أسوار النصوص الواحدة والثلاثين. من دونها تبقى النصوص معتاصة على الفهم مهما حاول القارئ سبر أغوارها ومهما تسلّح بأدوات تحليلٍ. يحاول هذا البحث أن يضيء جوانب ممّا غمض من العتبات رابطا بينها وبين متن الكتاب لإيمانه بأهميتها في قراءة النصوص.
II. الغلاف
يُعتبر الغلافُ اللّحظةَ الأولى التي يلتقي فيها القارئ بالكتاب الحاضن للنص وذلك ما يجعل الكاتب والنّاشر يهتمّان به خاصة من حيث جماليّته. إنّه العتبة الأولى من بين عتبات النص التي تشدّ القارئ إليها وتستدعيه إلى الانتباه. ومن خلاله تنبجس أولى إشراقات التأثير على القارئ بفعل عناصر جماليّته التي تتكون من الألوان والصور ونوعيّة الخط ومواقع العنوان والتجنيس وصاحب الكتاب والناشر. تتعاضد فيما بينها لتشكّل لوحةً تبعث برسائل إعلاميّة توحي بدلالات تصاحب القارئ في فهم نص المتن وتضيء له طريق القراءة والتحليل والتأويل. فالغلاف ينهض بوظيفتين تقوم الأولى بدور الإغراء وهي وظيفة جمالية أمّا الثانية فهي الوظيفة الدلالية إلّا أنّ الغلاف “لم يعد حليةً شكليّةً بقدر ما يدخل في تضاريس النص بل أحيانا يكون هو المؤشّر الدّال على الأبعاد الإيحائية للنص”5.
وعند النّظر في الغلاف الأمامي لـ “ظمأ شديد وجنون” نلفاه ينقسم تقريبا إلى جزءين: جزءٍ أثّثته صورة على امتداد ثُلثي مساحته وجزءٍ احتوى اسم الكاتب وعنوان الكتاب وتجنيسه ودار نشره.
1= الصورة
تنتمي الصورة إلى الفنّ البصريّ وهي تخاطب العين أوّلا لأنّ لغتها بصرية تعتمد الأشكال والألوان في إيصال الرسالة التي يريد واضع اللوحة أن يمرّر من خلالها رؤيته أو فكرته إلى الرّائي / القارئ فتضحى “وسيطا تواصليّا بين المبدع والجمهور “6 وهكذا تنعتق من وظيفتها التزيينيّة لتكون فعّالة تسهّل على القارئ فكّ شفرات النص ومن خلالها تنكشف العلاقات بين النصوص ولذلك اعتبر “كريستيان ماتز” Christian Matez الرسالة البصرية مثل الكلمات وكلّ الأشياء الأخرى تتورّط في لعبة المعنى. وهي أيقونة تتعاضد مع المكتوب لخلق نص جامع يدعو القارئ إلى الاستمتاع بذاته والغوص في مفاهيمه والبحث عن العلاقات بين أجزائه. وكلّ ذلك يتشكّل وفق لغتين إحداهما تستند إلى الكلام ومن ثمّة القلم عن طريق الحروف والجمل والفقرات والأخرى تعتمد على الألوان ومن ثمّة الريشة والأشكال والأضواء.
والصورة في غلاف المدوّنة المدروسة تقع على يمين الغلاف الخارجي اختيرت من بين أعمال الرسام التونسي “حمزة مطوسي” الذي يبدو أنّه استمدّها من طابع رسومات الفنان الأمريكي “جون ميشال باسكيات” Michel Basquiat Jhon (1960-1988 ) المعروف بمناهضته للعنصريّة ضدّ السود ومحاولته إثبات وجوده ضمن المجتمع الأمريكي ناقدا للسلطة والمجتمع في آن.
إنّ الرائي لهذه الصورة يلحظ أنّها تتميّز بألوانها الحارّة في الأعلى والباردة في الأسفل وتغلب عليها درجات من الضبابيّة تتراوح بين الأسود وبقية الألوان.كما هيمن الأسود على الصورة وهو في الثقافة العربية يحيل إلى الحداد والتشاؤم والحزن والعتمة. فبدت الصورة ملطّخة بهذا السّواد الذي يميّز حياة الإنسان عندما يمرّ بحالات الحزن والتشاؤم أو تعرّضه إلى المضايقات والتعذيب وهو ما عبّرت عنه نصوص المتن في أكثر من موضع سواء عن طريق لفظ “أسود” صراحة أو إحدى دلالاته ولواحقه ففي نص “بصمة” نجد هذا الشاهد ” أخذ العون أطراف أصابعي ونقعها في حبر أسود ثم طبعها واحدا واحدا ثم مجتمعة على أوراقٍ فظهرت بصماتي وأخذتني دوّامتها بعيدا”7 فيضحي نَسخ البصمات السوداء دلالةً على الصورة المشوّهة للذات الإنسانيّة عند الدولة فما الإنسان عندها إلّا رقم من الأرقام أو هو شيء ضئيل يتلخّص في تلك البقع السوداء على أوراق الدولة ويحضر الأسود مكوّنا رئيسًا للسّجن عبر ألوان جدرانه أو انعدام الضوء داخله “.. فلا شيء يجمعنا بعد اليوم سوى تقاسم عفن هذا المكان الرّطب اللزج المظلم”8 بل يتحوّل إلى ضديد للحريّة والانعتاق وتتحوّل الأشياء البسيطة “إلى وسيلة تعذيب من كلمات الاستقبال حتى الكوّة في أعلى الزنزانة. كلّ لحظة في السجن هي لحظة صراع من أجل البقاء”9 لكنّ فرصة البقاء داخل السجن المظلم ليست متاحة للفرد بل إنّ الآخر هو المتحكّم فيها يعلم توقيتها وكيفيّتها لذلك نجد السّارد في نص” مسيح” يقول “رأيناهم عند الفجر يجرجروه من خلف جدران الزنازين تناهت إلينا جلبتهم ووقع أحذيتهم السميكة. بعضنا أكّد في الصباح أنّه سمعهم يذكرون اسمه ويسبّون جثّته الهامدة”10 ويتضاءل السجن حتى يتلخّص في صندوق خلفيّ لسيّارةٍ أو في كيس بلاستيكيّ أسود وهو أشدّ سوادًا وأحلك ظلمةً ف ” تحت جنح ليل شتويّ حالك اقتادوه وغيّبوا بصره في ظلمات كيس بلاستيكيّ أسود ورموا بجسده في صندوق خلفيّ لسيّارتهم السوداء “11 وهكذا يصبح العالم أمام الإنسان ظلاما يغشوه ظلامٌ ولا يؤدّي بصره وظيفته الطبيعيّة بما أنّ المكان كالشارع مثلاً تحوّل من صفة الانفتاح والاتّساع وامتداد الرؤية إلى “شوارع خلفيّة مظلمة”.
كما يشير الأسود إلى جانب التسلّط حتى من خلال أشياء بسيطة فالسجّانون يلبسون أحذية ترغم السجين على كتمان ألمه “ويحدث أن تكتم ألمك على وقع أحذية سوداء تمرّ في الرواق”12 ويظهر في الصورة إنسانٌ في شكل هيكل ممّا يجعل الرسم ينحو منحى تجريديّا يمثّل الفكرة بدل رسمها. إنّ الهيكل لا يدلّ على شخص محدّد ويخفي شخصيته التي قد تدلّ على هويّتها العينيّة وراء الأشكال فكأنّه فردٌ يعبّر عن مجموعة محمَّلا بالرّموز من خلال التضاد بين البياض والسواد. هذا التضاد هو ما حكم حياة الإنسان عموما وحكم الكتاب أيضا بتقسيمه إلى جزءين: جزءٍ يتحدّث عن “الحب وما جاوره” وجزءٍ يتحدّث عن “كلاب الحراسة” وإذا ركّزنا على وجه الإنسان في الرسم نجده وجها دون ملامح فكأنّ الفنّان يدعو المتلقّي إلى البحث عن باطن الشخصية لا عن ظاهرها ويتأكّد ذلك أيضا من خلال النّافذتين على صدره المنفتحتين على السواد تدعوان المتلقّي إلى سبر أغوار الشخصيّة واستكناه أعماقها قد يكون ذلك متوافقًا تماما مع خطّة السّارد في السرد. فنصوصُه تلحّ على تتبّع حياة الإنسان منذ الطفولة وما يدور في خلده من أحاسيس وعواطف تجاه نفسه وتجاه العالم.
وما يجعل الشّخص المرسوم أكثر تعبيرا على الإنسان عامّة بدل شخص بعينه هو تعويض مكوّنات الوجه من عينين وأنف وفم برموز تحلّ محلّها فتدلّ عليها دون أن تحدّدها كما هي في الواقع. لقد عوّض الرسم (X) العينين وهو رمزٌ يدلّ على المجهول فهذا الشخص يبحث عن هويّة تأبى الاستقرار وتتقاذفه تصاريفُ الحياة من الحبّ إلى العذاب. شخصٌ لا اسم له في دفاتر الدولة ولا رسم. إنّه مجرّد رقم في حساباتها أو “بصمة سوداء” في دفاترها “وكِدتُ أقول لهذا المنهمك (عون البوليس) يرتّب آخر ما تبقّى منّي في ملفّاته ويقفو أثري على ورقهم يا سيّدي بصمتي ليست هويّتي وأنا منذ زمان غيري”13 إضافة إلى أنّ الرّمز (X) قد يدلّ أيضا على عدم قدرة الشّخص على التأقلم مع عالم مجهول يتراءى له من بعيد لكنّه لا يكْنَه أسرارَه ولا يعترف بنظامه مثل ما يفعل الطفل المتوحّد فهو يشعر بالغربة في هذا العالم ويتصرّف معه بمزاج قد لا يروق للإنسان العاديّ لكنّ ذلك يؤسّس لرؤية خاصّةٍ بطفل التوحّد ينظر من خلاله إلى العالم الذي نعيشه نظرةً مخصوصةً وهذا ما تحدّث عنه السارد على لسان الطفل المتوحّد عندما قال “أتقوقع، أدخل صدَفتي وأنسحب من هذا العالم وأبني بينه وبيني جدارًا صلبًا من الصمت واللامبالاة أقوى من قوقعة سلحفاة لا أخرج إلّا متى أشاء ولكنّي مرهَف الحسّ شديد الذّكاء فلا تظنّ أنّي غير قادر على التمييز. وتعاطفك قد يؤذيني وحتى رقّتك وحنانك قد لا أقابلها بنفس الشّعور. إذا لم تقدّر أنّي مختلف فلن تنفذ إلى كرتي البلورية التي تحتضنني وتحميني كرحم أمّ أحتمي به كلّما أزعجني عالمكم. وسيعجزك صمتي، قد ترثي لحالي بينك وبين نفسك وقد تتألّم لأنّك عجزت عن فكّ حصارٍ غير مفهومٍ عنّي وفي المقابل تكفيني إطلالة صغيرة على عالمكم حتى أفهم كلّ شيءٍ وأعود أدراجي إلى قوقعتي بينما ستظلّون أنتم ربّما قابعين طويلا أمام هذه القوقعة التي تنغلق على كائنٍ يشبهكم ولا يشبهكم”14 هكذا يعبّر طفل التوحّد عن غربته داخل العالم. ويضطرّ إلى العيش داخله دون التأقلم معه وتتضاعف غربته عندما يشعر بالعجز عن إدراك هذا العالم ويفقد معه التواصل مع كائناته .
كما عوّض القوس المقلوب إلى أسفل (∩) الفمَ دلالةً على الحزن وبيانَ عدم الرضى فهو من العلامات التي نجدها مبثوثة في مواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك مثلا التي تعبّر عن حالة الشخصية. إنّ الفم هو أداة التواصل الأبرز مع العالم وهو دليلٌ على اللّغة لكن يبدو أنّها فقدت وظيفتها فلم تعد تحيل إلى شيءٍ وتعلّمنا اللّغة أنّ الضمائر وأسماء الإشارة تحيل على أسماء معلومة وتشير إلى مسمّيات بعينها غير أنّ لغته (يراه الآخرون مجنونا ) كانت مختلفةً فهي لا تشير إلّا إلى مجهولٍ. تلمّح ولا تسمّي وكان “هؤلاء” هم سبب رعبه الدّائم “كلّما تحدّث عنهم جحظت عيناه وجفّ حلقه وأصابت أطرافه رعدة وهربت الكلمات عن لسانه”15 وقد تتحوّل اللّغة أو إحدى لواحقها من وسيلة التواصل وتركيبٍ للكلِم إلى وحشٍ كاسرٍ يقضّ راحة السّارد وسعادته ويرمي به في عالمٍ من الخيبات والاستعباد يُطبِق على حرّيته فيخنقه ويلجمه عن بثّ أفكاره إلى العالم والتّعبير عنها وهذا ما فعله حرف السين بالسّارد في نص “سين وجيم” الذي أُخرِج فيه الحرفُ من دلالته الأصليّة لينتصب عنوانا للقمع ودليلا على القيد ف”يومَها علِقتُ في أسنان “السين”. ما أبشع هذا الحرف كم كرهته ولا أزال. السين بغيض لا تستطيع أن تتوقّع ما يخفيه وحتى وإن احتميت منه بالجحيم فإنّه قادر على انتزاعك من بطن “الجيم” ومن لحظات السكينة الخاطفة التي تسترقها بين سينيْن. إن خالفتَه لن تنجوَ من براثنه وإذا وافقتَه لن تنجو أيضا وإن حاولتَ المراوغة أو التمويه انقضّ عليك كوحشٍ خرافيٍّ أو أمرَ حرّاسه أن يُشبعوك صفعًا وركلًا ولطمًا وأعادك لنقطة البداية. بعد كلّ هذه السنوات ما تزال آثار تلك “السين” موسومة في كلّ شبر من بقايا هذا الجسد وما زالت أسنانها مغروزة في خاصرتي”16. من خلال ما سبق اكتشفنا أنّ الوجه بلا ملامح له أبعاد متعدّدة من بينها رفض العالم وعدم التّواصل معه والحالة التي يكون عليها الشخص من خلال تعويض أعضاء الوجه بالرموز ويعلو الوجهَ شعرٌ أشعثُ بأشكالٍ حادّة منطلقة إلى أعلى ولعلّ ذلك دليل على الجنون أو الخوف فالذائقة الفنيّة عادة ما تبرز الإنسان الذي يكون في حالة جنون بعلامات من بينها شعره غير المنتظم وهذه الميزة قد تشير أيضا إلى الإنسان الذي تتملّكه حالة الفزع أمام خطر داهم وفق نفس الذائقة.
والنّاظر في الكتاب سيلحظ دون عناء علاقة علامة الجنون هذه والعنوان الكبير “ظمأ شديد وجنون ” بل سيكتشف وشائجها بين الصورة ونصوص المتن. تلك النصوص احتفت بالجنون أيّما احتفاء بل كتَب نصٌّ منها سيرةَ مجنونٍ من المدينة وحاول اكتشاف عالمه الدّاخليّ فهو في نظر أهل المدينة “مجنون من مجانينها الذين يؤثّثون شوارعها ويوميّاتها منذ سنوات ولكن لا أحد يعرِف على وجه الدقّة أصله أو عائلته ولا يذكرون تاريخًا بعينه قدم فيه إلى المدينة كأنّه نجمَ بينهم فجأة غير أنّهم يجمعون أنّ وراء الرجل قصّة رعب ربّما هي السبب في جنونه”17 إنّه شخصٌ بلا تاريخ حسب أعراف المجتمع وهويّتُه لا يعلنها إلا وجوده الكيانيّ الماديّ فقط. فلا اسم له يحدّده وإنّما صفة أجمع عليها الآخرون ولم يبيّن لنا السّارد مدى تفاعله مع تلك الصفة هل أحبها فاستستاغها أم إنّها مثّلت سبب بلوته.
أمّا حالة الفزع التي يعبّر عنها شكل شعر الشّخص الذي يؤثّث الصورة فهي تمثّل استجابةً لمثيرٍ خارجيّ تحدّدَ على يمين الشخص بوجود مسدّس مصوّب تجاهه لكنّه مسدّس معلّق في الفراغ دون مطلق. إنّ غياب صاحب المسدّس هو غياب للتبئير (focalisation) وغياب للتحديد. هذا الغياب لم يكن اعتباطيًّا وإنّما دلّ على اختفاء المجرم. فالمجرم يختفي عن الأنظار لحرفيّة اكتسبها حتى يطمس معالمَ الجريمة و يفلت من العقاب أو لتعدّد القائم بفعل الإجرام الذي يصبح فردا في صيغة الجمع يواجهه الضحيّة ولا يدري هويّته بالضبط. والاختفاء في عالم الجريمة من قواعد نجاح العملية الإجرامية لكنّ حضور المسدّس تكثّفت دلالاته فهو أيقونة تدلّ على أداة الجريمة كما تشير إلى الجريمة في حدّ ذاتها. إنّها لعبة الحضور والغياب يمارسها الفنّان مثلما تفعل الأفلام البوليسية تزيد التشويق ألقًا وتجعل المتلقّي يبحث مع الضحيّة عن المجرم ويتعاطف معها أكثر. وهذا ما يشير إليه نصّ “كلاب الحراسة ” الذي يروي حكاية كاتبٍ قُتِل في ظروف غامضة رغم أنّه لم يُعرف عنه معاداته لأحدٍ وفشل المحقّق في تحديد ملامح الجريمة إذ “وبعد فترة من البحث والتحقيق المضنيين سيقول المحقّق وهو يطوي ملف القضيّة موتُه غامض. لقد كان لغزًا في حياته ومماته”18. لقد كانت الجريمة شنيعة و”كان المشهد فظيعا: دماء وأشلاء تغطّي المكان، رائحة الدم المسفوح تبعث على الغثيان، أشلاء آدمية، وأشلاء كتب ومِزق أوراق ودفاتر وأحشاء الكنبة تختلط بأحشاء الضحيّة. بعضٌ من اسفنج الحشايا وشيء من دم متخثّر وريش نعام متطاير في أنحاء الغرفة وبقايا أمعاء وقطع من كبد ممزّقة”19. إلّا أنّ ذلك المجرم طمس آثاره ولم تُعرف له هويّة ف ” كلّ شيء يدلّ على جريمةٍ شنيعةٍ ولا دليل في المكان على المجرم ولا أثر لفاعل. واحتمال الانتحار غير واردٍ والمخطوط على المكتب ملطّخ بدمٍ قانٍ بالكاد تبيّن المحقّق بعض سطوره وفقراته”20. لقد ارتبطت الصورة بنصّ المتن في مستوى أيقونة المسدّس بفضل تقنية الحضور والغياب فالضحيّة حاضرة معروفة تتجلّى واضحة في الصورة وفي النص أمّا المجرم فغاب عن الأنظار واختفى عن أعين المحقّق في النص وأعين قارئه.
كما إنّ المسدّس الحاضر في الصورة سيتجلّى في نصّ المتن خلال إحدى لوازمه فنصّ “شظيّة في جسد محاربٍ قديمٍ ” يعلن منذ العنوان عن ذلك عبر لفظة “شظيّة” فالشظيّة هي فلقةٌ تتناثر من جسمٍ صلب كالرّصاص مثلًا وتستقرّ في جسم الإنسان كما إنّ الشخصيّة الرئيسيّة التي هي محارب قديم “رفع كفّه إلى أعلى وتحسّس ذلك الموضع من كتفه. يذكر أنّ رصاصةً باغتته ولكنّه سمع صوتها فأدرك أنه لم يمت”21. نلاحظ في مثل هذا المثال إبراز لفظة “رصاصة” وهي إحدى لوازم المسدّس إلّا أنّ دلالتها تلوّنت من دليل على القتل والموت إلى عنوانٍ على الحياة وفخرٍ بمنجزٍ إنسانيٍّ فيقول السّارد في نفس النص متحدّثا عن المحارب القديم “أنزل كفّه وجمع قبضته وافترّت أسنانه عن ابتسامة، وانتشى بانتصاره على الموت رغم أنّ الشظيّة ما تزال ترقد تحت لوح الكتف. لكن لا بأس فنياشين الوطن تزيّنها والمجدُ ينعش جسده المتهالك وأعاد أنامله يتحسّس مكان الشظيّة بنوع من الفخر واستعرض سريعا شريط الأحداث كأنّه عاشه أمس”22. إنّها تتحوّل إلى رمزٍ للمقاومة وعلامة توجّه إلى الآخرين رسالة من المصاب به مفادها أنّه قدّم نفسه فداءً للوطن فتصبح نيشانا ويزيّن جسده ويعلو به في سلّم الأفضليّة المواطنيّة.
من خلال قراءتنا تبيّنا مدى العلاقة الوشيجة التي تربطها بنصّ المتن. فحاولنا بيان تلك العلاقة وأهميّتها لنتبيّن أنّ الصورة على غلاف الكتاب وإن كانت تتّسم بصبغتها الإشهاريّة تغري القارئ لشراء الكتاب فإنّها تنعتق من تلك الوظيفة التزيينيّة لتنهض بالوظيفة التأويليّة تمنح للقارئ بعض الإشارات على قلّتها وغموضها أحيانا يستدلّ بها في تأويله لنصّ المتن و يجد القارئ نفسه في حاجة إلى الصورة فهو بالتفكير فيها وتأمّلها يحاول تفسيرها فيضحي مشاركًا فعّالًا في خلق النص فلا يكون مكتملا بمجرّد انتهاء الكاتب من كتابته وإنّما هو زهرة لا تينع إلّا بقراءة ما قبله. هذا المتقبّل وجب أن يتمثّل بالقدرة على الذّهاب إلى أبعادٍ لم يسر الكاتب إليها.
2= المؤلّف
تتحيّز عتبة المؤلّف مكانًا متميّزا بين عتبات النص المؤثّثة للغلاف فلا يمكن غضّ الطرف عنها أو تجاوزها لما تمثّله من وظيفة تميّز بين مؤلّف ومؤلّف آخر وقد عبّر عن أهميّتها “عبد الحق بلعابد” إذ اعتبر اسم المؤلف “من بين العناصر المناصيّة المهمّة فلا يمكننا تجاهله أو مجاوزته لأنّه العلامة الفارقة بين كاتب و آخر فيه تثبت هويّة الكتاب لصاحبه ويحقّق ملكيّته الأدبيّة والفكريّة على عمله دون النظر للاسم وان كان حقيقيّا أو مستعارا “23 ولاسم المؤلّف على الغلاف وظائف تحدّد اشتغاله فنجد من أهمّها:
– وظيفة التسمية: هي التي تعمل على تثبيت هويّة العمل للكاتب بإعطائه اسمه
– وظيفة الملكيّة: هي الوظيفة التي تقف دون التنازع على أحقيّة تملك الكتاب. فاسم الكاتب هو العلامة على ملكيته الأدبية والقانونية لعمله
– وظيفة إشهاريّة: وهذا لوجوده على صفحة العنوان التي تُعدّ الواجهة الإشهاريّة للكتاب وصاحب الكتاب أيضا الذي يكون اسمه عاليا يخاطبنا بصريًّا لشرائه”.24
كما إنّ تموضع اسم المؤلّف لا يكون اعتباطيًّا وإنّما يتشكّل اختياره وفق دلالةٍ معيّنة لأنّ إدراجه في أعلى صفحة لا يشير إلى ما يعكسه على المتقبّل إذا كان في أسفلها ولهذا السبب نجد أنّ المؤلّفين المعاصرين يصرّون على النّاشر أن يضع أسماءهم في أعلى الصفحة.
وإذا التفتنا إلى المدوّنة المشتغل عليها سنلحظ اسم المؤلف “فتحي الرحماني” أعلى صفحة غلاف “ظمأ شديد وجنون” بشكل صريح ومباشر يوضّح بعض ما اعتاص فهمه في النص وينير عتمات المعنى بل إنّ حضوره يمنح العمل الأدبي مشروعيّة التوثيق والترويج ويعطيه صفة التميّز كما أشار إلى ذلك الشّاهد السّابق وقد توسّط اسم المؤلّف أعلى صفحة الغلاف بخطّ أسود غليظ مكتوبا على خلفيّة بيضاء وهكذا يبرز الاسم للقراءة دون عناء من القارئ ويتجلّى أمامه واضحا دون مشقّة البحث عنه.
إنّ أهميّة اسم المؤلّف إلى جانب الوظائف التي سبقت الإشارة إليها يدعو القارئ إلى التعرّف إليه لعلّه يجد رابطا بينه وبين النص لكنّ المسألة ليست بالأمر الهيّن بما أن النّقاد قد اختلفوا فيها أيّما اختلاف بين ناكرٍ لوجود الخيط النّاظم بين اسم المؤلِّف ومؤلَّفه خاصّة في النص الإبداعيّ وبين المؤكّد على العلاقة الوطيدة بينهما حدّ التماهي. وقبل الولوج إلى تعريف صاحب الكتاب ارتأينا أن نضيء بعض النّقاط في علاقة المؤلِّف بمؤلَّفه مركّزين بشكل مختصر على أهم الآراء التي وردت فيها.
اتّفق المتابعون لتاريخ النقد الأدبي أنّ الناقد الفرنسي “رولان بارت كان أوّل من أعلن “موت المؤلف “في مقالة له سنة 1968 وهو بذلك وضع حدًّا لسيطرة المؤلّف على نصّه وفصل بينهما بمجرّد الانتهاء من إصداره وغيّبه تماما عن أيّ فعلٍ داخل الفعل الإبداعي بل جعل من المؤلّف كائنًا أجوف باهتًا لا يحمل عواطف ولا أمزجة ولا مشاعر ولا انطباعات تاركًا المجال للّغة لتتبلور كيانًا أهمّ في النص ليكون النص بفضلها كائنًا لغويًّا قائمًا بذاته يزيح المؤلّف جانبا ولا يعير اهتماما للظروف والأوضاع التي ساهمت في إنتاجه وبذلك يصبح التّعامل مع النص تعاملا داخليًّا تُستخرج منه المعاني والتحاليل والتأويلات دون تأثيرٍ من أيّ معطى خارجيّ وهكذا تغيب سلطة المؤلّف لتحلّ محلّها سلطة القارئ ليضحي شريكًا في النص وما سلطته إلّا إثبات لسلطة اللّغة في محور التّفاعل في كلّ إمكانات التأويل. هذه الإمكانات تتحدّد وفق انطباعات القارئ ولا علاقة للمؤلّف بها فينتقل بذلك القارئ من مجرّد متلقٍّ للنص إلى كائنٍ فاعلٍ فيه يساهم في خلق النص بكلّ قيمه الفكرية والوجدانية.
لكن رغم ما حُظيت به نظريّة “موت المؤلف” من عناية النقاد وانبهارهم به فقد وقع نقدها ودعا الكثير منهم إلى تجاوزها لما تشكّله من خطرٍ على النص في حدّ ذاته إذ إنّها لم تفعل شيئا سوى أنّها استبدلت سلطة المؤلّف بسلطة النص أي إنّها لم تستطع الانفكاك من السلطة جذريّا مما جعل الاحتفاء بموت المؤلّف ينحو منحى التقديس الميتافيزيقي كما إنّ هؤلاء النّقاد اتّهموا “رولان بارت” بأنّ إعلانه عن “موت المؤلف” كان افتعالًا غير مبرّرٍ فلا يمكن نفي المؤلف بعيدا عن نصّه أو محو السّياق الثقافيّ والاجتماعيّ الذي يدور النص في فلكه. يمكن القول إذن أنّ مقتضيات اكتمال الإبداع أن نربط الصلة النفسيّة والمعرفيّة بين أقطاب العملية الإبداعية: المؤلّف، النص، القارئ. ويتحرّر القارئ عند تأويله للنص ليُعيد بناءه وإذا اضمحلّت المسافة النفسيّة عجز القارئ عن ممارسة خبرة الإبداع والتلذّذ بالعمل الفنيّ بينما تُتيح المسافة النفسيّة أن يتساوى حضور القارئ مع حضور المؤلف. يتحاوران ويتجادلان ويتفاعلان ويبقى كلّ ذلك رهين إنعاش الأطراف الثلاثة : المؤلف – النص – القارئ ويصبح اعتراض موت أحدهم نسفاً للعملية الإبداعيّة من أساسها.
وإذا اعتبرنا أنّ النص هو وليد المؤلّف فإنّ القارئ يربّيه فيتطوّر بفضله دون إنكارٍ لأصله / المؤلّف ويصبح النص في هذه الحالة مدينًا لكليهما بالحياة. وبما أننا نزعم في هذا البحث أنّنا نلعب دور القارئ فلا بدّ أن نفهم مؤلّفه ونطلّ على حياته ونسلّط التبئير عليه علّنا نكتشف من خلاله بعض أسرار النص خاصّة إنّ المؤلف “فتحي الرحماني” انبرى يذكر قرّاءه في أكثر من منبر أنّ كتابه عبارةٌ عن سيرة جمعيّة تسجّل بعضًا من ملامح جيل كامل وتبيّن رؤيته لمجالات الحياة وتفاعله معها وما شهدته من انتصارات وانكسارات.
جاء “فتحي الرحماني ” إلى الدنيا ذات ربيعٍ في مفتتح السبعينات من القرن الماضي بقرية “حسي عمر ” القريبة من “مدنين” فكان أحد أبناء الرّيف الذين جاهدوا من أجل الارتقاء في السلّم الاجتماعيّ والمعرفيّ معا. تيتّم صغيرا واحتضنته المدرسة الابتدائية بالقرية فتخطّى سنواتها الستة بنجاح ذائقا من قطائف المعرفة ريحانا ومن عصا المعلم ألوانا حتى استقبلته المدينة بكلّ صخبها وضجيجها أوائل الثمانينات لكنّه لم يكن فاغر الفاه أمام عالَمه الجديد بل انخرط في الحركة التلمذيّة متفوّقا في دراسته مشاكسا في ساحات المعاهد رغم أنّه لم يُعرف عنه انتماء إلى أيّة ايديولوجيا بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة. فكان مرِن الأفكار يأخذ من كلٍّ منها ما يفيد الإنسان ويطوّره ويجذّره في قيمه.كان يقود الاحتجاجات ضدّ السلطة والقرارات الوزارية وضدّ الاعتداءات الصهيونية متى تطلّبت الوقائع ذلك.لم يكن فتًى يمشي لوحدِه طبعًا بل كان مُحاطًا بمجموعةٍ من أبناء جيله لعبت عندما اشتدّ عودها دورًا تاريخيًّا في النّزال النقابيّ والسياسيّ قبل الثورة وأثناءها وبعدها. بانتقاله إلى الجامعة وطرْقه أبواب كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة انتمى إلى إحدى المنظمات الطلابية عنصرًا مستقلًّا له رؤيته الخاصّة إلى المنظمة. إنّه شاهدٌ على عصر الجامعة التونسية في أحلك فتراتها إضافةً إلى خوضه غمار العمل النقابي الطلّابي داخل أسوار الجامعة بدأت أعمالُه الإبداعيّة تبرز فكتب القصة القصيرة “الأشياء التي أعرف عن صندرا ” و “الشرفة وأنا والشارع”.
وبدءًا من سنة 1994 انتمى إلى “حلقة الرّسل” كما سمّاها هو فأضحى رسولًا أستاذا بالمعاهد الثانوية في “غمراسن” ثم “مدنين” ولأنّه مسيريّ الهوى نسبة إلى المفكّر المصري “عبد الوهاب المسيري” الذي كان يؤمن بأنّ مكان المثقّف هو الشّارع عاد إلى العمل النقابيّ من بوابة نقابة التعليم الثانوي فخاض غمار التجربة النقابيّة تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل وآل على نفسه والمجموعة التي معه أن يجدّدوا آليات العمل النقابي حينئذ باقترابهم من منظوريهم عن طريق التواصل المباشر معهم فقادوا الحركات النضالية ديدنهم في ذلك مصلحة الأساتذة في ظلّ نظام يخنق حريّتك حتى في العمل.
وقاده النضال النقابيّ إلى النضال السياسيّ فانخرط في الحزب الديمقراطي التقدمي قاعديّا ثم قائدا جهويّا وعضوا وطنيا في مجلسه الوطني. دافع عن مساجين الحوض المنجمي وزار من توقّف منهم في السجن المدني “بحربوب” فكانت له فرصة الإطلالة على السجن.
وجاءت الثورة التونسية. ليست ثورةً بلا رأسٍ كما وصفها البعض أو أُريد لها أن تكون كذلك. إنّما هي ثورة برؤوس متعدّدة وكان “فتحي الرحماني” أحد رؤوسها له أثرٌ في فعل الشارع وألقه وتدخّل مدافعًا عنها منافحًا عن مطالب الشعب بين 17 ديسمبر و14 جانفي في قناة “الجزيرة” يوم كان مجرّد الكلام فيها تهمةً وتعدٍّ على النّظام. ثمّ كان من بين مؤسسي “التحالف الديمقراطي ” وانسحب منه تاركًا السياسة لأهلها وهو في كلّ ذلك لم ينسَ دور المربّي فيه والتربية عنده تتخطّى حيطان القسم وسجن القاعة وحلقة الدّرس فأثّث أوّل مهرجان ثقافيّ تلمذيّ بعد الثورة وساهم مع أصدقائه الأساتذة في تأسيس أوّل كرنفال مدرسيّ لكنّ التجربة قُبرت في مهدها ولم تمتدّ إلا على ثلاث دورات يتيماتٍ.
هذا هو “فتحي الرحماني” في الحياة أو بعضٌ منه وصورتُه في نصوصه من ذلك الشخص القابع في التاريخ والذي يتلوّن في نصوصه مع ما يستوجبه الخيال من فعل تغييرٍ وما يتطلّبه القصّ من فعل تحويرٍ.
3= العنوان
لقد أشرنا عند تحليلنا للغلاف أنّه اللّحظة الأولى التي يلتقي فيها القارئ بالكتاب لذلك أولاه الكاتب والنّاشر أهميّة قصوى لأسبقيّته المرئيّة عن باقي المتن ومن بين عناصر الغلاف نجد أيقونة العنوان التي تشكّل أولويّة قصوى عند الكاتب خاصّة لعدّة اعتبارات سيوفيها التحليلُ حقّها لاحقا.
إنّ الباحث في الدّلالة اللّغوية للفظة “العنوان” سيلفاها تتقاطع مع ألفاظ أخرى قريبة منها اشتقاقيًّا ومعنويًّا إذ جاء في لسان العرب “لابن منظور” “عنّ الشيء يعِنّ ويعُنّ عنَنًا وعنوانًا: ظهر أمامك واعتنّ بمعنى اعترض وعرض وعنانُ اللّجام السّير الذي تُمسَك به الدّابة وشركة العنان أن يكون الشريكان سواءً في الغلق وأن يتساويا فيما أخرجاه من عين أو ورق مأخوذ من عِنان الدّابة طاقتان متساويتان والعنوان من الدواب التي تباري في سيرها الدّواب فتقدمها ويقال فلان عنّان على آنف القوم إذا كان سبّاقا لهم وقال ابن برّي والعنوان .. وكلّما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له وقال اللحياني ” عنّنتُ الكتاب تعنينا وعنّيتُه تعنيةً إذا عنونته أبدلوا إحدى النونات ياءً ويسمّى عنوانا لأنّه يعنّ الكتاب من ناحية”
ونلاحظ من خلال التّحديدات المعجميّة أنّ مشتقّات الجذر “ع،ن،ن ” تحمل في مضمونها دلالاتٍ ومعاني حافّة فهي تشير إلى البروز والسّبق أوّلا وهذا ما يفعله العنوان فهو أوّل ما يظهر أمام القارئ يسبق النص إليه ويشترك مع لفظة “العنان” في التسيير يُسيّر النصَّ ويدلّ القارئ على وجهته مشيرا إلى هويّته ودلالته جامعًا له ممسكًا بتلابيبه.
وتعتبر الدراسات الحديثة العنوان عتبة رئيسة من عتبات النص لا يمكن الاستغناء عنه. يرتكز في فاتحة الكتاب فهو على حدّ تعبير “عبد المالك أشهبون” “مفتاح علم الكتاب إن لم يكن هو بابه الرئيسيّ فأثناء تجوالنا في ردهات المكتبات وبين ممرّاتها يتطلّع فضولنا إلى عناوين معيّنة تلمع فجأة كضوءٍ دالٍّ ومرشد ودليل يستوقفنا لتناول كتاب ما بعينه وتصفّحه. ولِمَ لا اقتنائه أو إعارته إن لم يكن ممكنا تملّكه في الوقت الذي نمرّ فيه مرور العابرين على كمٍّ هائل من العناوين الأخرى التي لا تنبعث منها تلك الإنارة الضوئيّة الخاطفة والجاذبة التي تجذبنا نحو هذا الكتاب أو ذاك”25
ونفهم من ذلك أنّه دليل وجود بالنسبة إلى النص يمنحه شهادة حياةٍ يغري بها المتلقّي ويوحي إليه بدلالات النص ويصفه بل يعيّنه فيميّزه عن غيره من النصوص. إنه الرسالة المتبادلة بين الكاتب والقارئ يتبادلان من خلالها المعرفة لفكّ شفرات النص عند القراءة.
أمّا في مستوى دلالة العنوان فهي تنبثق من خطّين: أفقيّ وعموديّ مستقلّين عن بعضهما استقلالاً إجرائيّا فقط لأنّ الدّلالة في المستوى الأفقي لا يمكن أن تحلّل منفصلةً عن نظيرتها في المستوى العمودي فهما متداخلتان تؤثّر كلّ واحدة منهما في الأخرى.
وعلى القارئ إذن أن ينظر إلى العنوان بما هو تركيبة مستقلة بنيويّا عن النص يجلو مغالقه ويبحث في جملة التأويلات التي يحتملها العنوان “إنّ ملفوظ العنوان يتبدّى لنا وكأنّه عرضٌ عارٍ يتموقع خارج نسيج الجمل النصيّة الأخرى يحمل قيمته من خلال موقعه الاعتباري الذي يشغله على رأس الصفحة الأولى حتى قيل في هذا الشأن إنّ العنوان هو مفتاح الكتاب فلا يمكن للقارئ أن يتجاوب نفسيّا مع أيّ عملٍ دون إلقاء نظرة أولى على عنوانه”26. ولكنّ النظرة إلى العنوان في استقلاليّته تبقى قاصرةً لا توفي الفهم حقّه ما لم تعضدها نظرةٌ أخرى إلى العنوان في مساره المتّجه نحو النص بما أنّه يتعالق معه بحكم أنّ وجود أحدهما رهينٌ بوجود الآخر إذ إنّ حضور العنوان يشير إلى نصّ المتن بعده وكذلك لا يوجد نصٌّ دون عنوان” فقيمة العنوان في علاقته بالنص غير المستكشف شبيه بقيمة الكلمة فيما تريد تعيينه فهو علامة نصية تسعى إلى الكشف عن ملامح المجهول المنتظر (النص) وتخلق جوّا من الألفة يستأنس بها القارئ قبل أن ينخرط في رحلة استكشاف النص والتسلّل إلى ردهاته الداخلية “27.
وهكذا يضحى العنوان لحظةً تأسيسيّةً أصليّةً يتعامل معها القارئ في حضورها المستقل وتمثّل أيضا لحظةً رحميّةً يتولّد منها النص فتجبر القارئ على قراءتها في علاقتها بالنص. إنّه إحدى العلامات السيميائيّة التي تمنح للقارئ فرصة إضافيّة لفهم النص.
والجدير بالملاحظة أنّ الكثير من العناوين يتقوقع على ذاته. يأبى الانفتاح على التأويل مما يضطرّ القارئ إلى إرجاء معالجته بعد قراءته النص. إنّه من النصوص الموازية التي تخلق أفق انتظار المتلقّي لكنّه يبقى ضبابيًّا لا ينجلي عنه الغموض إلا بعد الانتهاء من قراءة النص لذلك لابدّ عند القراءة والتأويل من الإبحار طردا وعكسا من العنوان إلى النص فقد يكون ذلك الأفق واحدا وقد يتعدّل عند قراءة النص. وعندما نروم البحث في وظائف العنوان نلفاها تنحصر عند “جيرار جينيت” في عناصر أربعة كما ترجم ذلك “عبد المالك أشهبون”:
– وظيفة تعيينيّة:F.Désignation من خلالها يعطي الكاتب اسمًا للكتاب يميّزه بين الكتب الأخرى.
– وظيفة وصفية: F.Description تتعلّق بمضمون الكتاب أو بنوعه أو بهما معا أو ترتبط بالمضمون ارتباطا غامضا.
– وظيفة إيحائية: F.commotation ترتهن بالطريقة أو الأسلوب الذي يعيّن العنوان به هذا الكتاب
– وظيفة إغرائية: F.séduction تسعى إلى إغراء القارئ باقتناء الكتاب أو بقراءته “28
هذه الوظائف تحدّدت من خلال موقع العنوان في الكتاب فهو يكون في مقدمته وأكثر ما يجب أن يلفت الانتباه على صفحة الغلاف من خلال شكله وخطّه ولونه وحجمه.
وبرجوعنا إلى المدوّنة المدروسة “ظمأ شديد وجنون ” نجد أنّ العنوان قد احتلّ وسط الثّلث الأيسر من الغلاف وكُتب باللّون الأحمر الفاقع على خلفيّةٍ بيضاء ممّا يجعله شديد البروز واضح المعالم الشكليّة ولعلّ الخطّ الحرّ الغليظ زاده وضوحًا وسهولةَ قراءةٍ. اطمأنّت له العين فأراحها وشدّ انتباه النّفس فأغراها. ومن بين خصائص هذا الخطّ أنّه متحرّر من القواعد لا ضوابط صارمةً له وإذا بحثنا في نص المتن بناءً عن البحث في العلاقة بينه وبين العنوان نجد أن نفس جملة العنوان ” ظمأ شديد وجنون” موجودة في نصّ “كلاب الحراسة” ضمن خطابٍ يوجّهه الكاتب وهو الشخصيّة الرئيسية في النص إلى “باستور” في حين كان الكاتب -في مخطوطه – يلتفت إلى صورة معلقة على الجدار ويبتسم ” لم تعرف يا باستور المسكين أنّ لقاحك اليوم غير ذي بال ولم تدرك أنّ داء الكلب لم يعد مجرّد التهابٍ دماغيّ حادّ ولا حتى مجرّد صداع أو غثيان أو رُهاب ماء إنّه سُعار ووباء ينتقل بشكل عكسيّ من البشر إلى هذه الدّواب والهوامّ والسّوائم إنّه حرُّ نارٍ ومسغبةٌ وظمأ شديد وجنون”29. هكذا نلفى العنوان مضمّنًا في نصٍّ داخليٍّ لكنّ هذا التضمين لا يشفع لهما أن يكونا بنفس المعنى فالكاتب يلعب لعبة المخاتلة فيتأرجح المعنى بين الأمر ونقيضه مما يجعل القارئ يكِدّ الرويّةَ للبحث عن تأويل العنوان يميّز ذلك الموجود في نص “كلاب الحراسة “.
إنّ المعطوف “ظمأ شديد وجنون ” الوارد في نص “كلاب الحراسة” تعلّق بما قبله فخيّم عليه معجم الرّعب بمجاورته ل ” حرّ نار “و “مسغبة “. هذه الألفاظ تتناسق مع مدلول الخطاب الموجّه إلى “باستور” فالكاتب ينبّه إلى انقلاب يقع في العالم. هذا الانقلاب يشير إلى فشل نظريّات “باستور” وأبحاثه بل يعلن عن اندثار نتائج تجاربه وعدم جدواها. فما عاد “الكَلَب ” داءً ينتقل من الحيوان إلى الإنسان أوجد له “باستور” دواءً ناجعًا وإنّما أضحى ينتقل بشكل عكسيّ من الإنسان إلى الحيوان فالإنسان هو الخطر الأفدح على الكون تئنّ تحت وطأته بقيّة الكائنات فتعيش رعب المرض والموت بسببه يشتدّ بها الحرّ وتقتلها المجاعة والعطش الشّديد والجنون. لكنّ القارئ لن يجد نفس المعنى في العنوان الشّامل للكتاب فهو وإن استقاه الكاتب من النص المذكور فإنّ مدلوله يتغيّر. إنّ المتأمّل في العنوان يلفاه يتكوّن من جزءين يتوسّطهما حرف العطف “الواو” وهو ما يتطابق مع بنية نص المتن الذي يتكون من قسمين من النصوص: الأوّل تجمّعت نصوصه تحت عنوان فرعيّ ” عن الحب وما جاوره” والثاني اتّخذت نصوصه من “كلاب الحراسة ” عنوانا لها. وهكذا تناظر عنوان الكتاب مع قسميْ نصوصه الداخليّة فاختصّ المعطوف عليه (ظمأ شديد ) بالقسم الأوّل “عن الحب وما جاوره” واختصّ المعطوف (جنون) بالقسم الثاني “كلاب الحراسة”.
لقد ورد العنوان في قسمين “ظمأ شديد “و “جنون” نكرة واختصّ الأول بالنعتيّة في حين جاء الثاني لفظا مفردا. إنّ النكرة تنفتح دلالتها على أغراضٍ متعددة من بينها الوحدة والجنس والتقليل والتحقير والتهويل أو التعظيم وإنّنا نميل إلى أنّ عنوان الكتاب المدروس جاء التنكير فيه “للتعظيم ” وذلك بدراسة مدلوله في حدّ ذاته أو في علاقته بالقسمين الفرعيين للكتاب ( عن الحب وما جاوره/ كلاب الحراسة ). فظمأ شديد يشير معجميّا إلى العطش و”الظمأ: العطش وقيل هو أخفّه و أيسره وقال الزّجّاج هو أشدّه والظمآن العطشان وظمِئ إلى لقائه: اشتاق… ووجهٌ ظمآنُ قليل اللّحم لزقت جلدته بعظمه وقَلّ ماؤه وهو خلاف الريّان”. هكذا تدور لفظة “ظمأ” في مدار الحاجة إلى الماء والحبّ ومن خلال تتبّع القارئ لنصوص القسم الأول “عن الحب وما جاوره” يلفى حضورًا متميّزًا لكليهما وبينهما تقاطعات دلاليّة ورمزيّة فالعطشان كالمشتاق إلى الماء متلهّف إليه دائم الرغبة فيه لا يحقّق بقاءه الفيزيولوجي إلّا به والمحبّ عطشان إلى الحبيب لا يطيق له فراقا يروغ وصاله فمن دونه يفقد حضوره الانطولوجي ويتقاطع العطشان والمحبّ في العلامات الظاهرة على كليهما “قليل اللحم لزقت جلدته بعظمه وقلّ ماؤه” والمتتبّع لتلك النصوص سينتبه إلى وجود الماء تصريحًا وتلميحًا من خلال عناصره المحيطة بدلالته وسيكتشف أن الحبّ يتفرّع إلى أشكال تفوق معناه البسيط والمتداول فيضحى حبّا بصيغ متعدّدة وصور مختلفة.
أ= الماء
يبرز الماء في النصوص التابعة ل ” عن الحب وما جاوره” في مواضيع عديدة وقد أحصيناه وفق هذا الجدول:
المثــــــال
النـــــــص
الصفحة
عسى أن يلتقي فيها بنيزك ناجٍ من حادث سير كونيّ أو غيمة هاربة من العماء الأوّل
عن السارد وغواية السرد
ص 15
كلّما التقت غيمتان في الأفق تذكّرتها
إليها
ص 18
أنا سادنٌ في معبدك حيث لا رفادة إلّا جسدي ولا سقاية من معينك العذب
إليها
ص 19
في واحة توزوروس التي أغوت الرومان قديما فيتركون من أجلها اليمّ العظيم
زهرة توزوروس
ص 21
يطاردون حلمهم الامبراطوريّ الذي فاض عن حدود البحر والساحل
زهرة توزوروس
ص 21
كنت دليلها إلى مغالق جسدها المنسيّ المطمور تحت طبقات من الطمي وركام السنين وحيث الدلتا تدفّقٌ عذبي فامتزج بملحها فما من برزخ بينهما
زهرة توزوروس
ص 22
ألعنه هذا القادم من وراء البحار
زهرة توزوروس
ص 23
وحتى هناك وراء تلك البحار التي قذفت بك إلينا
زهرة توزوروس
ص 25
ويناولني طعاما و قارورة ماء
زهرة توزوروس
ص 26
على صفحة ماء أطاردها وبعض الذكريات
مرايا
ص 29
واقتفى حواريون أثر المسيح على بحيرة وهام مريدون بصورة عرش على الماء
مرايا
ص 29
أما هي فظلّ الماء منها يقطر فوق ماء
مرايا
ص29
نرسيس والحطيئة وكلاهما رأى وجهه على صفحة الماء
مرايا
ص30
زرقتان زرقة السماء البعيدة وزرقة البحر الممتدّ إلى صفحة أخرى تلغيان ما بينهما من مسافات
مرايا
ص 31
وأمدّ نظري فلا أبصر غير هذا البحر وهو منشغل أبدا بمدّ وجزر وألسنة موجه تلعق أقدام العابرين
مرايا
ص 31
عيناه غيمتان شاردتان في الأفق
موعد السابعة
ص 33
فأراني فراشة تحطّ على زهرة أو حماما زاجلا يحمل البريد إلى عاشق وراء النهر ..
موعد السابعة
ص 34
وابتسامتها بحار عميقة الأغوار
موعد السابعة
ص 34
رائحة الخبز في الفجر ورائحة الثّرى غبّ يوم مطير
زهايمر
ص 40
اولغا في الضفة الأخرى تتمدّد على شواطئ بحار لا أعرفها
أولغا
ص 42
يا ثرًى غبّ يوم مطير
أولغا
ص 42
أمّا هو فعمّدته أمّه في مياه النهر لتمنحه الخلود
كعب أخيل
ص 52
أمّا أنا فمَثَلي مثَل أخيل لم يحمه وما حماني مروخ أمي
كعب أخيل
ص 52
إنّ حياتي التي سأخبركم عنها هي فضلة دلو واردة بدويّة أرسلته في البئر
سرك في بئر
ص 57
كان الدلو ينزلق على جدار البئر نازلا كأنّه رحمة من السماء
سرك في بئر
ص 57
ولم تعلم أنّي علقت بدلوها إلا بعد معاناة ومكايدة
سرك في بئر
ص 57
فألقت الدلو في البئر وملأت جرّتها ماء
سرك في بئر
ص 57
ثم قفزت في الدلو ورميت نفسي في البئر من جديد
سرك في بئر
ص 57
وأن أحدّثكم الآن والماء يغمرني إلى النصف
سرك في بئر
ص 57
بنظرة دقيقة إلى هذا الجدول نكتشف أنّ نصّ “زهرة توزوروس” هو النص الأكثر احتواءً للفظة الماء أو أحد لوازمه. وهذه الملاحظة تبدو عادية بما أنّ الإطار المكاني هو الصحراء تجبر الإنسان على البحث عن الماء أكثر من أيّ مكان آخر. إنّها تجعله دائم الحاجة إليه حاجته نفسها إلى الحبيبة التي افتقدها السّارد وافتكّها منه “ستراوود” الغازي الروماني. إنّه الصراع بين الشمال والجنوب على الماء ولكنّه صراع على الحب والجمال فالهدف في كلا الصّراعين واحدٌ هو مصدر الحياة سواء كان الأمر يخصّ الحبّ أو الماء. ويتجلّى رمز الماء مصدرا للحياة في أكثر من موضع من خلال الحضور المكثّف لمصادره ومنابعه من بحر ومعين ويمّ ونهر وبئر عميقة وبحيرة فكأنّ الكاتب في نصوصه يلفت نظرنا إلى أنّ الحبّ والماء لهما نفس الوظيفة في هذا الكون. إنّهما مصدران للحياة لا يستطيع الإنسان العيش دون الحاجة إليهما. ويرمز الماء أيضا إلى المرآة يرى من خلالها الإنسان ذاته ويتعرّف إليها. “فنرسيس” و”الحطيئة” كلاهما رأى وجهه على صفحة الماء. أحبّها الأول وكرهها الثاني. إنّها الحقيقة تتجلّى أمام الإنسان فقد تكون كما يرضى أو ضديدًا لما يرغب فيه وقد تكون الحقيقة يعكسها الماء من صنع الإنسان ذاته. إنّه يرى وجه حبيبته كما يرغب فيه أن يكون بعد أن عجز عن رؤيتها في الواقع “على صفحة ماء أطاردها وبعض الذكريات”. ويتحوّل الماء في بعض النصوص إلى تعويذة تقي الإنسان شرًّا محدقًا به مثلما أشار إلى ذلك نص “أخيل” وقد تتحوّل إحدى لوازم الماء (الدلو) إلى رمز لما يعيش المحبّ من حالة حبّ وعلاقته بالحبيبة فالدلو لا يلبث أن يصعد حتى يهبط وهو دائم التراوح بين الامتلاء والفراغ. تلك هي حالة الحبّ التي يعيشها المحبّ تصل به إلى ذروة النشوة والامتلاء نفسيّا ولكن سرعان ما تقذف به إلى الأسفل حيث الفراغ العاطفيّ والفراق والهجر. مأساة الإنسان المحبّ خلّدها العشّاق عبر التاريخ وصوّرها الكاتب في هذا النص. إنّه التعطّش الأبديّ إلى الحبيبة التي تتحوّل هي الأخرى إلى ماء عندما يقتبس الكاتب قول أبي نواس “أمّا هي فظلّ الماء منها يقطر فوق ماء” بل قد تكون ابتسامتها ماءً في صورة شعرية تستعير صفاء الماء ورقّته إلى الحبيبة. هكذا برز لنا الماء يغمر أغلب نصوص القسم الأول من الكتاب في توليفة تجعله متناغما من جهة مع العنوان ومن جهة أخرى مع العنوان الفرعيّ. إنّ الإنسان يعيش حالة العطش الدائمة والظمأ الشديد إلى الحب وما جاوره.
ب= جنون
تعرّف المعاجم الجنونَ أنّه “زوال العقل أو فساد فيه” ويقال جنّ عقله أي زال عقله. فهو بهذا التّحديد يكون ضديدا للعقل خارجا عنه وإذا كان العقل في اللغة العربية يرتبط بالكبح “عقلتُ الناقة أي ربطتها ” فإنّ الجنون هو الانقلاب والتخلّص من ذلك الكبح فهو يطلق العنان لكلّ الأقوال والأفعال والسلوكات خارج نطاق العقل ويترتّب عن ذلك أنّ الجنون هو التحرّر من الأنساق العقليّة والمنطقيّة المهيمنة تحت ذريعة الأغلبية أو الجماعة. فالجماعة تجعل لعقليّتها حدودا صارمة تحيط بجملة الأقوال والأفعال والسّلوكات التي تضبطها وأيّ تجاوز لتلك الحدود تصنّفه ضمن الجنون. وهكذا يكون الجنون دائما على تخوم ما تقرّره الجماعة سواء كانت سياسيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة فكريّة فيتحوّل إلى ظاهرةٍ فكريّة من حيث هو خروجٌ عن نمط التفكير الجمعي وظاهرةٍ فنيّة إذا كان يؤمن برؤى جماليّة لا توافق ما حدّدته الجماعة سلفًا وظاهرةٍ أخلاقيّة من حيث هو خروج عن المألوف. إنّ الجنون دائما ما يكون في الهامش. ولا يُنظر إلى المجنون باعتباره ناقص الكفاءة فقط وإنّما تستغلّ الجماعة هذه الصفة ليُقْصى بعيدًا خارج دائرة السياقات المهيمنة في الفضاءات الإبداعيّة والسياسيّة والفكريّة والسلوكيّة. ويصبح الجنون بهذا المعنى سلاحا لإضعاف الآخر وقتله رمزيّا وما تاريخ الجنون على حدّ عبارة “ميشال فوكو” إلّا تاريخٌ للآخر الغريب المقصيّ القصيّ على الفهم والترويض. وإذا عدنا إلى كتابه “المراقبة والمعاقبة” سنلفاه يصنّف مستشفيات المجانين مثل السّجون فالحكّام الطّغاة في كلّ الحضارات كثيرا ما ينعتون معارضيهم بالجنون ويحكمون عليهم بإيداعهم في المصحّات العقليّة حتى لا يثق بهم الناس باعتبارهم مجرد مجانين.
نستنتج ممّا تقدّم أنّ الجنون هو كلّ خروجٍ عن المألوف وكلّ انعتاقٍ من حدود الأنساق وإن تعدّدت سياقاتها ومجالاتها فإنّها تشترك في كونها لا ترضى بالتمرّد عليها والخروج عن نواميسها. إنّ لها مقاديرها الصّارمة التي تأبى أن تلين وهكذا يلتقي الجنون بمفاهيم أخرى قريبة منه ومتشابكة معه مثل الرّفض والتمرّد والاغتراب والسجن يجمعها العيش خارج دائرة المتّفق عليه والمعتاد والمخطّط له سلفًا.
وإذا حاول القارئ المتفطّن أن يربط العلاقة بين لفظة “جنون” الواردة في العنوان والقسم الثاني من الكتاب “كلاب الحراسة” سيجد أنّ لفظة “جنون” لم تذكر إلا مرّتين فقط “إنّه حرّ نار و مسغبة وظمأ شديد وجنون “30 “…غير أنّهم يجمعون أنّ وراء الرّجل قصّة رعبٍ هي السبب في جنونه”31 وذكرت ألفاظ أخرى من نفس الجذر الاشتقاقيّ لها مثل “مجنون” و”مجانين” في “هو في نظر أهل المدينة مجنون من مجانينها”32 ولفظة “الجن ” في “ولا يسكنه إلّا نحن وهم وبعض الجن ربما”33 و”لا نعلم هل نجا صاحبكم أم أكلته السّباع في هذه الفيافي أم اختطفه الجن الأزرق”34 و”هو إحدى ممالك الجنّ منذ أيام سيدنا سليمان”35.
كما توجد لفظتان من نفس الحقل الدلاليّ “لجنون” هما “الهوس” في ” وحصل انطباعٌ لدى المحقّق أنّ الكاتب على دراية كبيرة بعالم الكلاب وأنّه شديد الاهتمام بها حدّ الهوس”36. و”هذيان” في ” في سنوات الكلب يعلو النّباح الدبلوماسيّ وهذيان المنابر ورهاب الحروب”37.
ويُلاحظ ممّا تقدّم أنّ لفظة “الجنون” أو ما جاورها سواء كان اشتقاقيّا أو من نفس حقلها الدلاليّ لم تكن لها قوّة حضورٍ ولعلّنا نعزو الأمر إلى أنّ المؤلّف لم يهتمّ بالجنون في معناه التقليديّ البسيط أو الطبّي النفسانيّ وإنّما تخطّى ذلك ليطلّ على “الجنون” من معناه الفلسفيّ العميق بما هو تمرّد على السّائد ورفض له وخروج عن حدوده. والعيش على هامش الجماعة والخنادق التي تحيط بها.
إنّ المتتبّع لنصوص القسم الثاني “كلاب الحراسة” ينتبه إلى أنّ أغلب الشخصيّات كانت تحمل في ذاتها مفهوم الجنون بمعناه الفلسفيّ. ففي نصّ “كلاب الحراسة” تبرز شخصية الكاتب الذي اغتيل في ظروف غامضة لا دليل على المجرم سوى كلاب نهشت جسده. لكنّ الكلاب لا أثر لها. إنّه ” كاتب ستينيّ هادئ الطّباع محدود العلاقات شهرته في الخارج أكثر منها في الدّاخل كاتب مقالات متميّز ومترجم كتب ودراسات ومؤلّف أحيانا يلقى مصرعه داخل شقّته ذات فجر في جريمة قتل غامضة”38. فيرتحل بنا المؤلّف إلى عالم الفانتازيا وتضحي الكلاب رموزا يحاول المحقّق أن يفكّ لغزها إلّا أنّ العقل الجمعي يقمعه ولا يقبل منه كل تأويل. إنّه العقل الجمعي نفسه من حاربه الكاتب / الشخصية الرئيسية تركه وانزوى بعيدا عنه حين “استأجر هذه الشقّة منذ أشهر فقط ولم تُعرف له صلات بسكّان العمارة إذ لم يكن يتردّد على المكان إلّا أحيانا يوصِد دونه الأبواب أيّاما يبدو أنّه كان ينقطع فيها للكتابة ثم سرعان ما يختفي وتطول فترات غيابه “39 ولم يكتف بهذا الانزواء المكانيّ أو الجسديّ بل أمعن في رفض من حوله متمرّدا عليه ساخطا عنه ” عشتُ سنوات في هذه البلاد ،هذه الأرض الكلبة أي القاحلة اليابسة القاسية التي يموت فيها المرء بمجرّد الشّهيق والزفير”40. إنّه يشير إلى غطرسة العقل الجمعي ومنعه المرء من حرّيته حتى في “الشهيق ” و”الزفير” وهما الحدّ الأدنى من الحق في الحياة. بل يتّهم البشر بأنّهم هم من ينقلون المرض والوباء إلى الطبيعة حيث الحيوانات الوديعة مهما كانت شراستها “إنّه سعار ووباء ينتقل بشكل عكسيّ من البشر إلى هذه الدواب والهوام والسوائم”41 ويتّهمهم بقتل أفكاره والحيلولة دونها والانتشار بين الناس ينهشونها ويقبرونها في المهد و”كلّما قرأ (المحقّق) فقرة أو فصلا تناقصت الأسطر وتكاثرت الكلاب فإن نهرها لم تنتهر وإن حمل عليهما تلهث وإن تركها تلهث وهاهي تتلف جزءا من مخطوطه”42. ويمعن في رفضهم ونقدهم من خلال جملة “الكلاب هي الكلاب من براقش إلى فرقة الأنياب”43 ربط عجيب بين المثل الشّهير “جنت على أهلها براقش” و”فرقة الأنياب” يلمّح من خلاله أنّ المجتمع زمن الاستبداد يلقى حتفه والسبب في ذلك القبضة الأمنيّة فهي سرّ تخلّف المجتمعات وإنّها العصا الطولى التي تلجم كلّ صوت حرٍّ فتضرّ أهلها بدل الاستفادة منها كما فعلت الكلبة “براقش” تماما. وينتقل بنا المؤلّف من نقد العقل الجمعي العام في نص “كلاب الحراسة” من خلال قصة كاتبٍ عانى مأساة الإبداع في مجتمع لا يؤمن بالحريّة إلى نقد العقل الجمعيّ في النقد الأدبيّ في نصّه “نقد” الذي تمتزج فيه شخصية المؤلّف والراوي والشخصية الرئيسية لتتماهى جميعها. إنّه المؤلّف القابع في نصه كاشفا عن وجهه لا ستار بينه وبين القارئ. يحكى فيه قصّته مع الإبداع ومطالبة أصدقائه له بأن يبدع نصًّا لكن بعد الانتهاء منه يصارحهم بأنّ “هذا ما تبقّى من قصّة جميلة كتبتها البارحة من أجلكم. أخذوا الأوراق وتأمّلوا الصورة وقالوا بصوت واحد آه ! ولكن هذا وجه ناقد معروف”44 فيربط بذلك المؤلّف بين صورة “وجه ناقد معروف” بصورة الشيطان الذي ظهر له بين الأوراق “… ولمّا أفقت مذعورًا ورفعت رأسي عن الأوراق لم يقابلني غير وجهٍ قبيحٍ كأنّه وجه شيطان رجيم”45. هذا الربط يشي بأنّ العلاقة بين الناقد والمبدع علاقة تنافر فالنّاقد يمثّل العقل الجمعي الذي يحاول أبدا كبح جماح المبدع الذي يرنو إلى الحريّة باحثا عن سبيل إليها. وهكذا فإنّ النصين: “كلاب الحراسة ” و”نقد ” يشيران إلى ثقافة الرفض والتمرد. يتمرّد الكاتب / الشخصية الرئيسية في النص الأوّل على العقل الجمعي العام ويرفض الكاتب في النص الثاني على العقل الجمعيّ النقديّ بكتابة نصّ لا يرضيه ولا يسير على نفس سكته.
أمّا إذا تمعّن القارئ في بقيّة نصوص القسم الثاني “كلاب الحراسة ” فإنّه سيلاحظ الحضور الطّاغي للسّجن وسيرافق شخصيات رئيسيّة تلعب دور السّجين في “بصمة” و”شنبري” و”سين وجيم” و”ظلام” و”نسيان” و”هم وهؤلاء وأولئك” و”دمنة في متاهته” و”مسيح”.كلّها نصوص تدور في فلك السّجن وما يمثّله ذلك من قمعٍ للحريّات وما يشير إليه من توتّر العلاقة بين السّجين والآخر. إنّه مكان للنّفي واللّفظ خارج دائرة العقل الجمعيّ الذي تمثّله الدولة والمجتمع ففي نصّه “بصمة” يبرز المؤلّف تيمة الاغتراب عن الدولة التي من المفروض أن تحوي مواطنيها وتحميهم فإذا بها تلفظهم خارج نواميسها إلّا أنّها تلخّص هويّتهم في مجرّد بصمة لا تكون في أغلب الأحيان دالّة عليهم مشيرة إلى كيانهم ممّا أثار حفيظة الشخصية الرئيسية وخاطب المحقّق أو كاد بأنّه ليس هو من يعرفونه من خلال بصمته إنّه شخص آخر تماما مغترب عنهم “وكدتُ أقول لهذا المنهك يرتّب آخر ما تبقّى منّي في ملفاته و يقفو أثري على ورقهم يا سيّدي بصمتي ليست هويّتي وأنا منذ زمان غيري”46. وفي نصّ “شمبري” يحكي السّارد الألم الذي يعانيه السّجناء في الزنزانة متّهما الآخرين بالساديّة فتعذيبهم هو حفلة بالنسبة إلى السّجانين “ولا يوحّدنا إلا ألم لا ينقطع ، تنقشع حفلتهم كما يسميها رجب في شرق المتوسط عن بقايا أجساد وجثث كالعهن المنفوش وركام من بشر مبثوث في كل زاوي
أضف تعليق