كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

اليوكا

قاسم حسن علي

إلى / هرمان هيسه



شكرا لفرشاتك المطواعة التي رسمت باهتمام  جليل …

زهوي وأنا امشي واقعد وأقوم بشكلي الوسيم

 وأطرافي السمراء التي تمنحني الرشاقة السامانية الكاملة ..

شكرا لمن عفف خطواتي الملكية

من أفئدة بنات براهمة

 المنفلقات بالأنوثة وأنا اعبر بجبيني الأشم وعيناي الراهبتين

 من سحرية الضياع إلى الاتقاد المرهف بالعطاء والإرادة القوية

والشعور السامي الذي صنع مني محبا وظلا من ظلال

 السرور والسعادة للآخرين .

                                                                 سيدهارتا البراهمي ……

 

لم يكن عبد الرزاق ذو البشرة الزرقاء والساقين الطويلتين وبأنفه المعقوف واللحية الرمادية الرقيقة  سوى متربص بالأقدار ..يانع الحلم دفيئ الروح بجملة أحلام توطدت في روحه المتوقدة والمهتاجة بأطيان ضفة نهر الكحلاء الذي طالما كان يود لو انه عرف أبجدية خريره المتلعثم بالمتشابهات من المفردات ..تخطت قدماه الصغيرتان حواف الرمل وراحت تغور ..تغور ليلامس وجه الماء محيط ساقيه الرفيعتين فيرتد مبتسما إلى حيث بدا ..ويتأمل الضفة من جديد .

_ ناصورائي  صديقي ينتابني القلق من أن حديث الروح ما عاد منسابا كما هي الكلمات وان الطمأنينة لم          تعد  تصبغني بالسعادة كما هي ضفاف دجله نفسها .  

_ عبد الرزاق سر ولا ترسم للمصير شكلا جازما” أما كانت الآلهة (ألمبجلة ) مخلوقة من الصواب والحكمة ومناسك تقديم القرابين التي تتمدد على الأرض لتنفلت دماؤها من اجل (سهدوثا ادهبي) الواحد الأوحد .

قراءة عبد الرزاق لغد طاغي رغم المزاح :

_ ناصورائي  …..يوما فيوما يبدأ القلق

             يوما فيوما نفقد الأمان

             وتبدأ الرحلة للمجهول (يا ناصورائي الإنسان) .

ويعبر الكحلاء متصدرا للموج باحثا عن خيمة حلمه الزرقاء على الضفة المشبعة  بالطين وشطوب القصب نابشا حوافي الرمل عن الكنوز/ النور /الشقاء /الظفر/ مسرة القلب والتسابيح للرب بقلب نقي……..  طمر ناصورائي  رأسه في وحل الترقي و الانعتاق باسم رب الأكوان هاتفا… (مسبح ..مبارك..ممجد………معظم ..الحي العظيم ..الذي لاحد لبهائه ..ولا مدى لضيائه) * حينها  صاح عبد الرزاق وهو يتشبث بقامات القصب الطري :

يا نائي الدار كل الأرض موحشة

إن جئتها لاجئا ضاقت به الحيل

وامتزجت بروحه أغنية أخرى من اجل الكحلاء :

آه يا شواطئ المرجان ….يا عذبة الخمور

يا قديسة الدنان

_عبد الرزاق ان روحك هي العالم الدنيوي بأسره وهي القصائد الحافلة بالحكمة الرائعة دعنا نسري في دروب  السالكين الذين بلغوا (الحلم ) في منامهم ولنعرف إن الأب فوقنا جميعا ” وإننا مبحرون في علم وآيات القدير.

لم يكن عبد الرزاق سعيد باحتوائه نهر الكحلاء وقراءة خريره الذي نوه له عن عوالم الميسانيين المضمخة بقطر السيوف والمرصوفين على أرصفة الموت بخواء النهايات لكنه كان يعرف طريقا واحدا إلى المضمور ألا هو بوجود رغبة طاهرة للاتحاد  في داخله مع هدوء الموج وان النسغ العامر فيه طالما كان ينساب  للعمارتلي بنشيج غناء مؤلم بلون البكاء  وكان متيقن المعرفة من أن الضفة الأخرى لم تعد تعاني من براثن الضلال والخطيئة وأنهن غدون من بؤس الماضي .

_ناصورائي  …تعال معي إلى نخلة (البريم)  لنمارس التأمل تحت هذا السعف الظليل… يتسلق النخلة ويستل نايه الخشبي ليغني لمراسي الرغبة :

آه يا كحلاء

لو شفتاي ..

ألان تسكران على شواطيك

لو كل أغصان كرومي تعرش منك

وانتزعت كأسك بالحنان

ويعود يرتل ..(.فعظمتك لا تبصر وعمقك لا يسبر …كما هو مبارك في كل زمان وموجود منذ القدم أبناؤك لا يجوعون ولا يعطشون ولا يحترون ولا يبردون *

وينقضي النهار وهاهو مساء يأتي ويوغلان في قرفصاء التأمل كالمجذوبين .

صاح ناصورائي:

_ عبد الرزاق حل المساء أفق من سكرتك وحان وقت التأمل في (الاووم )أم الكلمات ولا تنس روحك            المتوجهة صوب (الحي النقي ) ولاتكن كالثعلب متوجس من عوالم البشر وتحوم حول عاطفة هامدة .

_نعم  يا ناصورائي  سأغادرك  وسأصبح غدا عند وصي الخالق (هيبل زيوا ) الرسول فانا مسافراليه  قبل الظلام  فامتعض وجه الناصورائي وهو يستمع إلى هذه الكلمات وطالع العزم في ملامح  صديقه عبدالرزاق وأدرك إن البداية قد حلت به وسيشق طريقه إلى مصيره ..فارتجف  ناصوره من شر الحلم .

_ ناصورئي …قال عبدالرزاق :

   حلمي أن اذهب حيث منداهيي يدعو بمزمور يهوا   

  ( اذهب الى عالم الظلام …المملوء بالشر/ كله مملوء بالشر/بالغائلة / بالنار الأكلة / عالم الفتنة المضطرب / عالم الغش والكذب المزروع بالشوك والعليق /اذهب إليه وسيطر عليه / ابسط الأرض وارفع السماء / علق فيها الكواكب /هب الشمس ضياءا والقمر بهاءا *).

خامر عبدالرزاق الرضا وهو داخل حجرة أبيه الناسك الجالس على حشية من الجنفاص مستقبل امتداد الباب  فيما ظل واقفا خلف ظهره يطلب مراده بكل هدوء .

_هاأنت يا عبد الرزاق مرة أخرى تتفحص وجهي المجعد بالمخاوف أفصح …

_ أبي أريد أن أكون (غريبا )…

_غريبا “؟ متصوفا با لتهجدات ؟

_نعم أنا صوب رضا نفسي أتوجه ..

    صمت الأب وغاب عن الحجرة كمن تأكل جوفه الثعابين …عاد جلس صامتا لا حراك فيه …مسد لحيته 

_ يابني لا يليق نحن أبناء (مندا ) النساك أن نتهجد لغد لامناص من كأسه المشروب حتما ونوره النازل       فينا بلا نوافذ*.

   لم يتحرك عبد الرزاق من شبكة ذراعيه وجحاظة عينيه الراميتان إلى الرضا .

قال أبوه عبد الواحد كلاما كثيرا في النور والظلام وساعات الحشر وانقضاء الأجل لكن عبد الرزاق كما هو …مجبوس على إطلالة رضا أبيه حتى الهزيع الأخير من الليل .

_ عبدالرزاق ماذا تنتظر ؟

_اعبر الكحلاء إلى بوادي ميسان مع الغرباء قد أكون من الناجين من الأسى /وانطواء في الحجر/ والأماني        المرهقة .

_ لكنه سينال منك التعب .

_ نعم والجوع أيضا

_ وتموت

    فارتجفت ركبتاه لرضا والده وحط قبلة على ضفائر أمه … فسرى مع الغرباء … مع الناصورائي إلى الجوع والاستجداء والازارات الداكنة الرثة .

مع الغرباء  :

قال النور الكبير … كبير النساك للغرباء :

_ (لا تقربوا الملوك والسلاطين والمردة في هذا العالم ولا تثقوا بهم …ولا تلووا أعناقكم  للذهب والفضة فإنها  سبب الفتنة )* هكذا قال الرب الحي …أيها الجميع فاستمعوا إلى نداء المحيي الزكي  .

فتجرد عبدالرزاق من ملابسه الملكية الملونة إلى رجل  أملح من ارض ميسان يبكي سوء نصيبه.. وتطوع للصوم حتى غاب اللحم عن ساقيه وجحظت عيناه وازداد رثاثة وطول أظافر وراحت روحه تدفعه للاشمئزاز من النساء والتجار وأمراء العبيد والباكين على الأموات والبغايا والمرضى الهارعين في كل يوم إلى الدواء وراح ينشد في روحه التواقة إلى (النييرفانا )بكل حواسه المنطربة لبهجة الطريق والرفقة الفقيرة ونفسه المسالمة لكل موجود.

سألملم أجنحتي عن طريقك

لا تطئيها

وسأبعد أشرعتي عن حريقك

لا تذبحيها

أتعلم أنا ألان لا اصدق قلبي

وهذه الفراسة …بعدك لا ادعيها

وغدا سوف تلقينه هادئا

وله نظرة في عينيه …..لم تألفيها .

وتأخذ الشمس مرتعها من جسد عبدالرزاق النحيل المزرق وتوغل فيه تنهش شعوره بالألم والظمأ فيما يأخذه الصمت عميقا تحت مطرٍ ينسكب ماؤه من شعره الفاحم حتى صمت فيه كل شئ  وهو ممدد بين الأشواك ملونا بدماء قروحه .(السفر إليك موت وهبة خبز وماء ومأوى لبني البشر المتعبين وللمضطهدين)*.

توارى الغريب عبد الرزاق خلف الألم وقطع من بدنه لذاعة الألم ووخز الأشواك وتعلم كما هو ناصورائي كيف يجلس مستقيما ويقف كذلك كانت تُسمع أناته المتوالية وعمق صمت صديقه الناصورائي  المستسلم للتراب والرثاثة والظمأ ..قفز من داخله فرحا بعد ان مارس الطيران فوق جوع الأسماك وكيف يمتلأ شبعا من البلشون المتأجج بين الجوع والترقب وكيف انه حام حول ثعلب نافق فتسلل إلى جلده رجاءا بالدفء … فاضطجع على الرمل ميتا تنهشه الجوارح ثم قام قيامته الأولى ليمارس الظمأ في جحر الحياة ….

(من هم أنبياء الكذب ينتزعون الحكمة من قلوبهم فيكتبون كتاب الزيف … إنكم كما تَنقذون تُنقذون و لا تكونوا كالنبت الردئ … يشرب الماء ولا يعطي الثمر )*

_ ناصورائي  …..

_ نعم يا عبدالرزاق

_ تعلمت الكثير وسافرت في طريق الأفكار بعيدا عبر الألم وتغلبت رغم الجوع والعطش على روح الفاقة ..لكني  ابتعدت  كثيرا عن الذات والإيمان الحقيقي فطريقي إلى النييرفانا أمسى أكثر تعثرا في الحقيقة إلى منتهى الدروب عبر هذه السبل وغيرها …فقد تعلمت الكمال وما عدت اعرف لسفري مع ذلك من نهايات ..فها أنا أتوحد مع الصخر وخرير الماء والبلشون الجائع والثعالب المنفوقة وها انذا أعود غريبا عابر من الكحلاء إلى كثبان رمل لا ثبات لها ولا أظنني غافل عما أريد وارمي إليه ياصديقي .

_ لعلك تمزح يا عبد الرزاق .

_ من الحماقة يا صديقي المندائي أن استمر متهجدا بين الرمال وبرك الطين الآسنة النافذة منها نتانة الأسماك ثم يعود ليغسلها الموج بحنانه وما أراه إن هذه الدنيا ليست سوى انتشاءه من طاسة من خمر الأرز ومرورا بنفق اللاذات المقعرة بالضياع وأنا لم أكن سكيرا يوما بزبد الضياع قط لكي أدور بلا هوادة في رحم الغربة بامتعاض ستيني متهالك من اجل أن ابلغ (سهدوثا اوهيي).

  استل عصاه ودق بها وجه الأرض يدغدغ صمتها :

يا جميع المياه

يا جميع الحرائق على الأرض

هل كان إلا بعيني إله مثل هذا المزيج

مثل هذا الفرح

مثل هذا النشيج …واللظى والأريج

خطأ كان ميعادنا

خطأ كان ميلادنا

خطأ كان أن نلتقي في الزمن الخطأ

 ليت أقدامنا لم تطأ نفس هذا المكان ..

خطا كان أن نلتقي (يا ناصورائي ) في هذا المكان

وطئت قدما الغريب ضفاف كحلاء متوجسا لأول مرة من برد الموج التواق للضفة ..مد نظره إلى الساحل الآخر ثم التفت إلى صديقه الذي ظل وحيدا من بين كثبان الرمل يمرغ رأسه بنثار ها ..ليعود وحيدا إلى الخرير ويلقي بجسده في دوامة ..الموج .

_ خ ج رر _صباح الخير

_ خوخوخرر _صباح النور

_ خرخ ا  _كيف انت ايها النهر

_ خ خ وا _ كما كنت

_ خ لولو _كم عمرك

_ خ ب خبا _كنت ساقية هم نهرا

_ خوا خ خ د _ العمر لك والامتداد لي

وقف الغريب طويلا …تأمل النهر …وراح يرسم بوجه الأرض دوائرا” بعصاه المرتجفة من حواف الغربة المقيتة ..المتوحدة بالتخليل والغور في اسبار ألألم تمارسها روحه الممتعضة في ظلام وسط رغبته السامية والمتقدة فيه للاتحاد  بالنييرفانا المزدهرة بالهدوء .

كل يوم جديد

تصير التماعة عينيك أبهى

ونضارة خديك أزهى ….يا بهاءاتي الغادية إلى الهضاب

كل يوم أقول

سأبصر فيهن …فتنة لا أعيها

مواعيدا اشتهيها

فتجيئين مثقلة بالمواسم

حتى يكاد دمي لا فمي يحتويها

صرخة أنا أطلقتها

كل حي له نفس يصطفيها

يتعهدها ويقيها

لا تكن في خطيئتها ثاويا” …إن أردت الخلاص من الهاوية .

انتهت الكلمات المنسقة من ضجيج عبدالرزاق الغريب العائد إلى الصمت والتأمل وهو غام بروحه الطاهرة الغائصة في صميم تذوقه لنعيم لا تعبر عنه الكلمات ..لذا كان مبلغ غنوصيته  تدفعه إلى اجتياز الوحل لمراح الاخضرار المستنيرة بتراتيل المحيي الزكي الذي لا زيف ولا تمويه لكلماته :

(الرحلة لك أيها الرسول ..الواحد العظيم ..الأحد العظيم لهذه الدنيا

لأسمع كلماتك التي تشع بالنور

وفمنا بالتسبيح

وقلوبنا بضوء الحكمة

أنا آت إليك لكي لا أخوض مرة أخرى في تيار الصور العكرة المروعة

أنت الذي أمورك تأتي بالأعاجيب وهزائم الشيطان وكلام الالهه *.)

هكذا قال الناصورائي على مسامع الغريب المتيم بالسبل المشتاقة إلى حيث اللاسخرية والتوحد والإصرار

_ نعم كنا بلا إيمان ..والادراية فغاصت أقدامنا في الخطيئة وألان بعد أن اهتدينا نبرأ من أيدينا إن أشار إصبع منها إلى الخطيئة …قالها عبدالرزاق وهو يغسل عن قدميه غبار ضياعه التغريبي ومن وحل الضفاف مستهديا إلى المراعي الواسعة .

 الأُثري ذو الرداء الوردي :

لم يكن لطفل في تلك الأحراش لا يعرف الناسك ذو الثوب الوردي  الأثري المغلف بالورع والسكينة و (الاووم) التي هي أمُ الكلمات والذي شد الغريبان الرحيل لكلماته :

مثلما كانت البارحة

سأهيئ نفسي ليوم جديد

كي التقيك

فمتى يبزغ الفجر ..

تحدث طويلا الناسك الأُثري المستنير بصوت ناعم حازم حفيظ ..الذي تتقاطر منه الحكمة وتتشعب التعاليم و يؤطر بحذاقة  تفاصيل المناهج بالأمثلة والتأويلات ..وأجمل ما كان فيه صوته الواضح ..الصافي كالنور.. وكيانه ككتلة من قبس يسبح في السماء وجل حدوده توجز (ضعوا حدا للشقاء ..وخذوا نصيبكم من السعادة ).

 الناصورائي كالعادة استمتع بالفصول وطأطأ رأسه للخلاص فيما أنتفض عبدالرزاق من رقدته المستقرة :

وهز كتفة المستسلمة للحزم :

_ يا صديقي ناصورا …لقد خطوت خطوتك …فاختر طريقك ..التي فيها خلاصك ..ودعك في الثوب            الوردي متواريا مع الحكمة الغارقة في تفاصيل هذه المناهج السعيدة  .

سقط من ناصورائي  جوهر قناعته  وانفرطت أساريره انفراط الثمر بعد انقضاء موسم القطاف وطفق باكيا لفراق صديقه وعلم انه مفارق له إلى سبيل الاستنارة …واليهوا …والنهايات المؤجلة بحكم القناعات .

المسافة بيني وبين الفجر

ما برحت شاسعة

وعقارب ساعتك تسحب أنفاسها متعبة

فمتى يبزغ الفجر

_ ناصورائي إن مذهبك الوردي لا يرتفع فوق العالم في الخلاص فطريق غدك ذات فجوة ضيقة يتحطم عليه قانون العالم الأبدي الفريد مرة أخرى فأنت إلى سبيل الفضيلة سائر وأنا منهمك بالرسوخ ..متعطش أنا للخلاص من الألم… وأنا أحبو على عظام ساقي المتجردان من اللحم والنزق الطري ….ناصوره لن تجذبني تعاليم أخرى  مادامت تعاليم هذا الرجل لم تفعل كذلك …نعم إنها أحدثت ثورة في نفسي القابعة في دهاليز اللحم  البشري وخدعت نفسي الهاربة منها إلى لغز الفضائل وهو إنني  يجب آن أحيا ببدني والتي تكمن في نفسي بعينها يا صديقي .

شد على يد الناسك الناصورائي ( الوردي) مودعا إياه وهو يخلع عنه كل رداء وردي ارتداه  ….

الناصورائي وهو ساهم في الأرض بدموعه المودعة لصديقه

_……………………

قفز عبدالرزاق كما هو نيوتن وصاح …..

_ وجدتها…. إنها نفسي التي ضاعت وأنا أسير في هذا الدرب الذي عاد خاليا من معنى الوجود …أحجم عن الفرح وسكنت كل أشيائه عندما زارته  فكرة الولادة من جديد لا من أب بعينه… أو أم بعينها إنما من تماه جديد… لا من حركة السماء بنجومها ولا الظلام بعينه ولا بكل ماهو مخلص دون ارتياب بشري ..رغم انتمائه الشرعي إلى هذه الدوامة الأزلية للأنوار والظلال التي لا اقتدار له على استيعابها أو التعبير عنها لأنها هي بحد ذاتها (جوهر ) غربته الذي يبحث عنها والتي هي نفسها درب المطلق الأبدي إلى (النييرفانا ) الذي هو يريد الوصول إليه …نعم انه مر من خلال كل هذه الظواهر والتبدلات بامتحانات كبرى لكنه لم يجد في ذاته الخاصة رحيق يسكره بالتآلف لأنه متصدي في بحثه عنها لا غائرا “في مكامنها …مجسما للأمور لا مستخلصا إياها من الحواس والفكر أو الذهن .صرخ في نفسه التواقة للبهجة ……يا عبدالرزاق … يا عبدالرزاق دافعا عن نفسه زيف قنوط (الأثريون )المتهجدون بالكلام لا بالنقاء :

يا عبد الرزاق

(لقد تركوا الماء الحي

ومضوا نحو الماء الآسن

إلى المياه الراكدة …والنار الواقدة

الحرارة الحية تركوها …والحمى الآكلة أحبوها

يامندادهيي …..

لقد حطمت الطوائف ..الحواس البديعة واحتجبوا بالمعنى الأخير والتي يريد ربنا أن نسمعها معا لا أن نزدريها *).

رؤى وكلمات راحت تقود ثورات في دواخله المتأرجحة بين الارتداد والتجبر والانهيار ..دوامات أتلفت جمجمة عبدالرزاق الغافي على رغباته البعيدة .

حلم مرة بناصورة يزوره ويلقي بجسده في حضنه البارد فيستحيل إلى امرأة فائقة الثوب بصدر مكتنز فرقد الغريب على هضبة ذاك الصدر ورضع منه شيئا مذاقه اللبن وأعظم ..له سكرة إن لامست شفتيه امتزجت فيه عذوبة الرجولة والأنوثة بقدر كل الثمار والملذات …

ألف معذرة لدمي

ألف معذرة لفمي

انه لم يقبل حبيبا قط

لكنه مس اليوم ثغرا غريبا

فاستيقظت مذعورا

أغطي شفتي

فوقعت وقلبي منكسرين على الأعتاب .

نعم انه الحلم نفسه الذي كان امتداده الكوخ وخرير مياه الكحلاء حيث المرأة المنتصبة أمام التنور المشتهية لطلعة أي فحل من بعيد وهي تقفز إليه بصدرها النافر صوب عينيه الجاحظتين المستثارتين بدفء لواحظها وهي تفرد أمامه خبزها الحار وذوائبها مسترسلة على كتفيها .. وتتأهب يداه لاحتضانها فيجيئ الصوت الساحر في داخله (لا..لا) فأرتد رابتا على وجنتها بلطف محاولة منه للاحتماء بالحياء  في غابة النخيل التي كانت تطرح ألطافها بشكل جميل في ذاك الموسم الجني …

يقف أمام حاضرة مدينة تنبعث منا الضياء ولا ظلام في أركانها

إنها أول مرة تسوقه فيها قدماه إلى طوابير المدينة  والناس وعيونهم وابتساماتهم بعد أن جفت سيقانه من اللواذ ببطون احوازات النخيل وغاباتها الرطبة …عاود نظراته السامقات إلى كل النساء اللواتي قابلهن ..انه الغريب ذاته لكنه عائد من الغابة باللحية الطويلة المسترسلة إلى سرته هذه المرة إلى حاضرة الحياة الرائعة بالجمال والنساء …انه أمام امتحان عظيم  للنفس الباحثة عن عذوبة الاتحاد في حقيقة الأشياء…. لا للاستجداء في الطرقات والتماس النقاء في الزهد الميبس من الجوع  والفاقة  إنما السفر للوصول إلى بساتين الحكمة الرائعة .

_ اعلم يا عبد الرزاق …قالت غانية متسطحة على أريكة الرفاهية بعدما أسمعها شفيف قصائده  …انك موجود معتبر الوجود …بثلاث :

   الثياب ….الحذاء ….النقود

_ وكيف لي أن أحقق هذا الوجود

_………

_ لكني استطيع أن أفكر وانتظر وأصوم

_ ……..

_ واستطيع أن انظم الشعر

_  هات … فلنسمع

توالت قوافيه وتحركت ذراعاه الضئيلتان :

منذ خمسين عاما

لأول مرة

أحدق في مقلتين ….في شفتين ومرجانتين ما تزالان راجفتين

وهي ملقية ثقل نشوتها

للسرير بدون حراك

وبي خدر

كأن ضغط دمي

يبلغ ألان حد الدوار

تهادت الآفة السمراء صوب طوله المعقوف وطوقته بقبلة طويلة تعلم منها عبدالرزاق الكثير من أسرار اختلاف الشعور ..اختلاف ألوان الشفاه …أطعام طبعات الشفاه …وأسرار تلاصقها بدون أي افتراء إلى حد استلاب الأنفاس العميقة وبات يعلم بان اكتمال المعرفة راحت تكشف أستارها أمام عينيه ..لكنه أحس انه لم يغادر بعد  حافة النهر العريض الموحل الجديد بالشروط الثلاثة … وتذكر انه لم يعد غريبا يداري شقوق قدميه ويسهم في الاستجداء ..إنها فعلا كانت حياة سئيمة مضجرة ..ما أسهل الحياة في الحواضر وما اقصر دروبها إلى امتلاك الثياب والحذاء والنقود .لكن رعشة أصلبت ظهره من الانكفاء للثلاثة المجسمات في حلبة اللعبة فانهالت وصايا طبائعه الأبدية :

(العرش الهادئ أقدم من عرش العصيان ..المواعظ والصلوات أقدم من سحر الأنثى هيواث ..وركن الأثير أقدم من قول تقوله الروهة *)

_ أيها الغريب صاحت به غانية الحواضر …كن نافذا كبيرا ولاتكن متواضعا وضيعا ..أنا لا أريد لك أن تكون خادما لسيد يملك الدنيا بل كن له الثقة المثقاة فمن يريد قربي لا يكون ملوي العنق تافه الجانب مزيف الرجولة.

انتفض عبدالرزاق من ضعفه مستقيما واقفا كالطود يجانب عصاه العتيدة

_ بالأمس قبلتك وأنا خارج للتو من الغابة وشاعر في حضرتك وسأملك المال وأوقعه في شباكي كما أوقعت بك وكما يشق الصخر طريقه في الماء لأني أصوم وانتظر وأفكر واصنع سحرا ليس كما يسميه الحمقى كذلك إنما سر حقيقي يصنعه الإنسان ..وسأقنعك باني لم أكن تافها قط ولن تعنيني الخسارة على الإطلاق وسوف اجعل من غلبتهم مرتعا يزداد وجهي لمعانا ورونقا فيه .

هكذا قرر عبد الرزاق بصوت عالي بان يملك صهوة الغلبة في كل معاركه العصيبة وبأن يمسك ناصية السعادة بيديه الحقيقية وليست غيرها لتنساب الشرور بعيد عنه دون أن تمسه حيث لعبته بالتقامر والتسلي بالربح والخسارة معا بذات اللامبالاة كما الكرة التي تكون بين أقدام طفل يدحرجها كيفما شاء في ملاعب بلا أسوار كرة يدحرجها بقدم واحدة حيثما كان الهدف بسعادة من النفس ورضا منها لانكالا بحب احد أو ملاعنة متقصده لغاية غير دائمة التناغم بين رغبات النفس وما تتوق إليه الذات من أوجه وصور للحق المقتدر بالسلام من اجل تناسخ أشواط المحبة من مراعي الإيمان إلى ملاذات الحكمة والفضيلة السامقة بالطهر الذي  تنفذ إلى قناعات المرء بين عابريه والمسافرين إليه …كرسيا وثيرا ينوب عن الجاه والمال بالانغماس في الحياة بكل أعماقها الشاربة لكاس المعاناة الإنسانية إلى حد الثمالة من اجل ولادة جديدة …لكل تحول جديد لان المعرفة الخفية للذات الأبدية ليست جسدا ولا شعورا  .

يا عبد الرزاق …

(اذهب إلى مردة الظلام أتباع الشيطان

واعلم إن الصالح بصلاحه يصعد الى بلد النور

والشرير بشره يقف على أبواب الظلام

وسينادى بالأصوات

ويحسب حساب جميع الكلمات*)   

شعور بالازدهار طالت روحه التي كانت تعشق القلق …هذا الشعور الرهيب المستبد الذي كان يراوده في لعبة النقود والحذاء والثياب والذي كان رغم الهيمنة يجد فيها نوعا من السعادة وضربا من الإثارة وارتفاعا في هذا الوجود المتخم بالخطايا الفاترة والماسخة بالدجل ..لذا كان ما أن يغادر محطات الترافة في يومه حتى يعود إلى الحبيبة المترفة  ليقول لها شيئا عن (سهدوثا ادهبي ) المانح لكرسي النيرفانا وكأن حقيقة الأشياء دائما تجره إلى (مصباتا )التطهر من حديقة الملذات البالغة في حماسة المتعة العابرة ..انه شخص يعيش الاشمئزاز من تخمة الطعام والشراب  وماكان أمامه سوى صوت واحد يقول له لاتقف أمامك طريق عليك أن تسلكه …النيرفانا في انتظارك (يالهيي زاكن ) انه المحي الزكي الذي يتوق إليك أيها المندائي الراحل من انهار مصباتا لتدور في فلك الغربة والفقر والاستجداء مناجيا حكمة الحب بعصاك الطويلة تحمي كلمات التهجد وحينا خلف الترافة تسير وإياك تضل الطريق خلف اٌثري جديد يجتر الكلمات .  (سهدوثا) بعظمته سينتشلك  نقيا كما كنت …انك ما تركت أباك وناصورائي والاثري الوردي لتصبح أخيرا تاجرا في مدن النرد والتخمة تطعم بدنك وتهمل روحك …أيها المندائي كل شئ عابر إلى البهجة عد إلى ذلك النهر الذي تخللت به بمنطق الحب وأنت تصغي لخريره ذاك النهر هو الإله الذي لا زمان فيه …لا ماضي له ..لا غد له انه كان و لا يزال ابن (الآن) زاخرا برعاية سهدوثا ادهبي محرك الأسرار ابدي العطاء ..جميل الإصغاء وعليك أن تفهم يا مندائي ان المعرفة قابلة لتوصيل الفضائل أما الحكمة فلا.. نعم قد تجتاحك وتحتويك لكنك لن تستطيع أن توصلها للآخرين وإنه آن  الأوان لكي تعلم من أتباعك من القراء بأنه لا مفر من الألم وإنهم بحاجة إلى الشموخ الخالد وإدامة التهجد للسعي إلى التدرع بالصوم من اجل تعاظم انسالهم في الأرض  والانتظار لجمال حصادهم الجني والتفكيرفي أن يكونوا ملوك مصائرهم لا عبيدا ملوي الرقاب حتى تعشق الحياة دائما كما أنت ….يا عبد الرزاق.

ويعود إلى نهر المعمودية غاطسا بكله بلا عصاه هذه المرة وببياض ردائه النقي ليمتزج هذه المرة بالخرير الأبدي وأبجدية الانسياب في لجة روح النهر الخالدة من اجل القيامة الأبدية الثانية .

هوامش:

1. سهدوثا ادهبي: واهب الوجود

2. هيبل زيوا : جبرائيل الرسول

3. الاووم : ام الكلمات الفطرية في التنسك البراهمي

4. اليهوا : الرب في اللغة العبرية

5. النييرفانا : مصطلح فلسفي تعني الغاية العظمى أوالسعادة القصوى.

6. الناصورائي : اسم صديقه وتعني (متقن المعرفة )

7. مندا : اسم لغة  المندائيين وتعني المعرفة وهي فرع من فروع الارامية

8. الغرباء : المتصوفة

9. منداهيي : الداعي الى المحيي الزكي باللغة المندائية

10. الاُثريون : بضم الالف الثانية (المتكلمون )

11. هيواث : المراة السيئة النوايا …او مظلمة النوايا

12. المحيي الزكي …الرب في المندائية  

13. (*) : نصوص مقدسة من كتاب الكنزاربا / كتاب اليمين

14. القصائد الشعرية : نصوص من قصائد الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد /شخصية القصة

15. البريم : نوع من نخيل التمر النادرة  

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.