في المجموعة القصصية ّلاعب الظل” لعواطف محجوب
أنور بن حسين
قدمت الدراسات الحديثة والمعاصرة اهتماما بنظريات النص وبدراسة العتبات النصية لما فيها من دلالات وإيحاءات تساعد المتلقي ولوج النص من خلال تحفيز فضوله واستدراجه للكشف عن خبايا المتن وعوالمه. والعتبات هي خطاب مواز للخطاب الأصلي “النص”, يحركه في ذلك فعل التأويل وينشطه فعل القراءة شارحا ومفسرا شكل معناه (1). وهي بذلك مجموعة من المقدمات والإشارات التي تجعل المتلقي مستعدا لفك الشفرات ومحاولة تفسيرها وربما يعترضه في النص ما يلتقي مع تلك العتبات التي واجهها في البداية.
وفي هذه القراءة سنسلط الضوء على أهم العتبات النصية ومدلولاتها وقابلية تأويلها بدءا من صورة الغلاف والعنوان الرئيسي للكتاب والعنونة الداخلية وما تحمله من سمات وإيحاءات وصولا إلى الهوامش التي استعملتها الكاتبة لتفسير بعض المعطيات حتى تزيل اللبس وتريح المتلقي من تقفي القواميس والمعاني ليكتفي بالسفر في مدارات النص وتخومه وعوالمه القصية.
الغلاف الخارجي وأبعاده التأويلية:
إن الغلاف الخارجي يعد من أهم الأشياء التي تعترض القارئ قبل التعرف على ملامح النص وخصائصه, بل إنه يمثل اللحظة التي يؤسس فيها القارئ علاقته بالكتاب. وقد اختارت الكاتبة عواطف محجوب اللون الأصفر ليكون مهيمنا على الغلاف الخارجي وهو لون ساطع وجذاب ولكنه يحمل دلالات متناقضة مما يجعل المتلقي في حيرة من أمره فتكون النزعة الآنية فيصلا تحدد وجهة القارئ. فمن جهة يدل على التفاؤل والبهجة والطاقة فهو اللون الذي نرمز به للشمس والنور, ومن جهة أخرى يعبر عن الخداع والخبث والمرض وأحيانا نصف الابتسامة غير الصادقة بالصفراء (2). ولأنه لون اندماجي فهو لون مخاتل وازدواجي يتماشى مع كل الأطياف اللونية وبذلك يكون مفتوحا على الحالة النفسية ونقيضها. ألا يعني هذا أن الكاتبة قامت بدراسة هذا اللون قبل اختياره وإقحامه في تجربتها الإبداعية الأولى ليكون همزة وصل بينها وبين القراء على اختلاف مشاربهم؟ ألا يجعلنا هذا على يقين بأن مبدع النص سيطرح جملة من المتناقضات التي تهم الإنسان في كينونته ومحيطه الاجتماعي؟
كما اختارت الكاتبة لوحة الفنان النرويجي ادوارد مونش لتؤثث بها الغلاف الخارجي والتي تحمل عنوان “صرخة” (3) والنسخة الأصلية للوحة موجودة بالمعرض الوطني بعاصمة النرويج أوسلو والتي رُسمت سنة 1893, وهذه اللوحة التعبيرية هي تجسيد لقلق الإنسان الحديث والتي استعمل فيها صاحبها الألوان الأساسية الثلاثة: الأحمر والأصفر والأزرق وكما نعلم أن هذه الألوان تنبثق منها جميع الألوان الأخرى بجميع تدريجاتها, إذ يعبر اللون الأحمر عن الحب والأحاسيس القوية, كما يرتبط بالإثارة وهو يعتبر صاحب أطول موجة ضوئية من ألوان الطيف. أما اللون الأزرق فهو لون الروح والحرية والحلم والخيال, والأصفر كما أسلفنا الذكر أنه لون يدل على التفاؤل والطاقة وكذلك على الخداع والخبث. فالأحمر يرتبط بالجسد والأزرق يرتبط بالعقل والأصفر يرتبط بالعواطف (4). وهذه اللوحة تحمل صورة رجل ممسكا رأسه بيديه مطلقا صرخة مدوية, وهي تحتوي على شحنة درامية مكثفة وتجسد بعدا وجوديا من خلال حالتي الخوف والقلق اللتان تحددان ماهية الإنسان الحسية والفكرية في الآن نفسه. فالقلق عادة ما يدفعنا إلى التساؤل والبحث اللامتناهي عن الحقيقة, أما الخوف فهو حالة شعورية لا إرادية تبرز ضعف الإنسان أمام المجهول وعجزه عن التحكم في عواطفه وقلة حيلته.
عنوان الكتاب وإيحاءاته:
عادة ما يكون للعنوان الرئيسي للأثر الأدبي أهمية بالغة إذ لا يكون من السهل اختيار عنوان لنص يحوي عديد التفاصيل خاصة إذا كان للعنوان بعدا حميميا متعلق بالذات المبدعة فهو يعكس رؤية الكاتب وذوقه ومراجعه وعالمه. فعنوان المجموعة القصصية “لاعب الظل” ورد مركبا إضافيا, ولو فرضنا أننا إزاء كلمة “لاعب” كلفظة مفردة فإننا نجد أنفسنا أمام احتمالات لا حدود لها حول نوع اللعبة التي يلعبها لاعب ما, اسم نكرة لذلك لا يمكنه تعريف ذاته,وحين أضفنا كلمة “ظل” صار مركبا إضافيا والهدف منه تعريف الاسم ليقع حصر دلالاته. أما كلمة “الظل” التي وردت مضافا إليه فهي لغة تعني العتمة التي تغشى مكانا حجبت عنه أشعة ضوئية. وتقول الباحثة مريم النعيمي في تعريفها للظل “إذ يعتبر الظل تجسيدا لجسد في صورة ثانية أكثر غموضا, إذ في الظل لا نستطيع تحديد ملامح الوجه بالضبط (5) . إن الظل ذو مفهوم خصيب للدلالات لأنه يحصل بالرؤيا لا بالرؤية رغم استناده ظاهريا على المعاينة والكشف”, إذن, فالظل يتشكل من خلال التقاء النور بالظلمة فلا ظل بلا نور. إنه النور الخفي الذي لا يتكشف لنا بسهولة أو بالعين المجردة وبذلك فإن الكاتبة منذ الوهلة الأولى تنذر بما يمكن أن يتضمنه جسد النص من ملابسات ورموز ربما تتطلب بحثا حثيثا وحفرا عميقا في أروقة المعنى تماهيا مع طبيعة المحتوى وأسراره الدفينة. والبنية التركيبية للعنوان تقوم على التناص مع مصادر نصية أخرى وهي صورة مجردة تقوم على التخييل فتهيأ القارئ ذهنيا لولوج النصوص الداخلية واكتشاف مضامينها ورموزها ومعانيها الخفية. فهذا العنوان دون شك يحيلنا على رواية “لاعب الشطرنج” لستيفان زفايغ, أو رواية “الظل الأسود” للروائي المصري نجيب الكيلاني, أو رواية “الظل خارج الزمان” للكاتب الأمريكي هوارد فيليبس لافكرافت والذي كتب قصصا تضمنت عناصر عجائبية تمحورت حول الهشاشة المدركة لمركزية الإنسان .
العناوين الداخلية ورموزها:
إن اختيار العناوين الداخلية لمجموعة قصيصية لا يقل أهمية عن العنوان الرئيسي ذلك أن كل نص قصصي هو بنية مستقلة بذاتها وإن كان هناك قواسم مشتركة بينها. والمتصفح لهذه المجموعة سينتبه أن أكثر من نصف القصص في الكتاب وردت كلمات مفردة مثل: لوسيفر, شارون, المهجوس, رقّ, ماريونيت, الأخطل, القونة, البرزخ, آتروبوس, التحول, شيزوفرينيا, بورفيريا, اختيال, وأرجيريا. وكل هذه المفردات لها دلالات لا يمكن المرور دون تشفيرها وفهم مضامينها ومرجعياتها التاريخية والثقافية.
(يتبع)
العملية التداولية للإهداء والتصدير:
اعتاد الكتاب منذ القديم على تقديم الاهداءات فهي ظاهرة قديمة متجددة فهناك الاهداءات العامة والخاصة والعائلية وأحيانا يكون له دلالات رمزية وفي المجموعة القصصية لاعب الظل وضعت الكاتبة إهداء مقتضبا ولكنه مكثف يختزل معنى الكتابة فهي تهدي كتابها لمن ورطوها في عملية الإبداع فكان ذلك قادحا لتواصل طريقها في هذا العالم المغري الذي لا يخرج منه المرء بسهولة فمن دخله يحفر الورق ألف مرة على حد تعبيرها إذ تقول في تصديرها ” إلى الذين ورطوني لأكتب مرة, فحفرت الورق ألف مرة” إذن فهذا الإهداء يرتبط بفعل رمزي فيخلق علاقة تفاعلية بين الكاتب وخيال المتلقي الذي يمكن أن يكون قارئا نهما ويطمح أن يكون كاتبا يوما ما وبذلك توطد الكاتبة علاقتها بالقارئ من خلال استدراجه إلى عالم الكتابة على أنه فعل ممكن لا يرتبط بشخصها الضمني ولكنه فعل مفتوح ويحتاج فقط إلى عملية التورط ولو لمرة واحدة.
بينما اختارت الكاتبة قولة للكاتب “زاهي وهبي” كتصدير لكتابها إلا أن هذا التصدير يضعنا أمام تناقض لا مفر منه “كيف تصلح الوردة ذاتها للحب والجنائز, للحياة والردى لميلاد الجلادين وأضرحة الشهداء” وهذا التناقض لا يمكن أن يكون اعتباطيا أو عبثيا فغالبا ما يكون التصدير في علاقة بمحتوى النص الأصلي وهو ذو وظيفة تلخيصية ويعد التصدير كمقدمة للنص ذو قيمة تداولية فهو يتأسس على علاقة جدلية بين ما وقع اقتباسه وتفاصيل النص, بين رؤية الكاتب وإبداعه. وفي الأدب المعاصر أصبح التصدير يكتسي أهمية إذ أصبح يوضع في صفحة خاصة به قبل النصوص الأصلية مباشرة وله عديد الوظائف منها تثمين العنوان الرئيسي للكتاب مما يعطي للقارئ فرصة للتفاعل مع المكونات الأخرى المحيطة للنص ومحتواه.
المصادر والمراجع:
(1) عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص) تأليف عبد الحق بلعابد ص 27 منشورات الاختلاف الطبعة الأولى سنة 2008
(2) دلالات الألوان في علم النفس/ الموقع الإلكتروني mawdoo3.com
(3) ويكيبيديا : لوحة الصرخة
(4) مقال بعنوان الدلالات النفسية للألوان / آلاء أبو علو/ الموقع الإلكتروني neronet-academy.com
(5) جمالية النسق الأسلوبي في البيت المطلع ص 27 / د.مريم النعيمي/ كتاب قراءات في الصورة الشعرية والتناص والمديح النبوي في قصيدة النبي للشاعر جمال الملا . منشورات كتارا.الطبعة الأولى 2019
أضف تعليق