عبد الجليل حمودي
يتوهّم المرء للوهلة الأولى أنّ الحديث عن الجسد في منتهى البساطة إذا نظر إليه في علاقته العاديّة بجسده لكنّ غشاوة الوهم سرعان ما تنقشع بمجرد التأمّل أكثر في موضوع الجسد فيكتشف أنّ البحث في الجسد هو بحث في كينونة الإنسان في حد ذاتها. فالجسد ليس معطًى فيزيولوجيا فقط يسكن الطبيعة وإنّما هو متعدّد إذا نظر إليه من زوايا مختلفة. إنّه نتاج تاريخي وثقافي وإيديولوجي. وأيّة محاولة لبناء خطاب منسجم ومتجانس حوله تبدو مستعصية. إذ لا وجود لجسدٍ يحمل بعدا واحدا بل يتعدّد إلى الجسد الفيزيولوجي والانتروبولوجي والميتافيزيقي والايروتيكي.
ويمثّل الجسد بالنسبة إلى الإنسان ركنا رئيسا في إدراكه لذاته وللعالم فبقدر ما يدرك الإنسان جسده يعرف علاقته به. إنّه الجسد الكائن في العالم والمكوَّن فيه في الآن ذاته.
والناظر في رواية «هبّات ساخنة» وإن وردت نكرةً نحوًا فإنّها معرفةٌ دلالةً فأيّة هبّات هي. إن خرجت عن إطار الجسد لا معنى لها. إنّ «هبّات ساخنة» هي اللحظة الفيزيولوجية بامتياز إلّا أنّها تنفتح على السيكولوجي من خلال تأثيراتها النفسية على المرأة وتشرّع أبوابها على الفلسفي بما أنّها اللحظة التي تتساءل فيها المرأة عن أحقيّة وجودها وينوس فيها جسدها بين التألّق في العالم والانحسار عنه كما إنّها لحظة تضع إشكاليات هويّتها الجنسية على محكّ السؤال والتشكيك من منظور سكسكيولوجي.
تبدو الكتابة في رواية «هبّات ساخنة» موغلة في الذات تخترقها ولا تضع القارئ أمام جسدٍ واحد بل إنّ بنية الرواية تقوم أساسا من على الانتقال من جسد شخصيةٍ إلى أخرى كما تنتقل من نوع من الجسد لنفس الشخصية إلى نوع آخر. إنّ الساردة تستعرض جسدها وأجساد صديقاتها عن طريق الحكاية والبوح. فمرة تتحدّث هي عن ذاتها وعنهنّ ومرات تتحرّر الشخصيات من سلطان الساردة لتبرز تجربتها في عوالم العشق والرغبة واللذة. وما يجمع بين تجارب هذه الشخصيات أنها حضرت في العالم من خلال أجسادها. تعرّت أمامه فتخلّت عما يغطيها من تقاليد وأعراف كبّلتها.
1/ التمظهر النفسي للجسد
انفتحت الرواية بخطاب للساردة يكتشف القارئ من خلاله الحالة النفسية التي عاشتها بعد أن أدركت «سن الإياس» فهي تشعر بالكراهية نحو الآخر « أستغربكنّ.. أشمئزّ منكن.. ربما أكرهكنّ» خطاب مباشر عرّى ما كَمَن في نفس الساردة. وتواصل هذا الإحساس إلى حدّ القرف من معاملة الآخر للذات لأنّه يشفق عليها. إنّ استجابة النفس عبر هذه الأحاسيس كانت لمثيرٍ جسديٍّ فيزيولوجي. وتتوالى هذه الاستجابات النفسية لما يحدث للجسد من تغيّرات فيزيولوجية. ف«سيناء» عاشت اضطرابا نفسيا لأنها تطلب الاهتمام الدائم بجسدها وهو ما لم يتحقق لأنّ جسد الرجل يجنح إلى الاهتمام بأمور أخرى غير إشباع الجسد الأنثوي. وقد يتحول هذا الطلب إلى تعلّق مرضي بجسد الرجل وعدم تحققه يؤدي إلى الشعور بالفشل مما يؤثر سلبا على نفسية «سيناء». وقد يتأتّى الاضطراب النفسي أيضا عن طريق شهوة الجسد الجنسية التي تطلب فلا تدرك وهي الحالة التي تعيشها «سلطانة» عندما يهجرها النوم لمجرّد انتفاخ شيئها دون أن تجد من يرويه. هذا ما يجعلها دائمة البحث عن الاتّزان النفسي وبلوغ الامتلاء بالانصهار الجسدي في الاخر. إنّ الاتّزان النفسي هو بغية شخصيات الرواية وهدفها. فهذه «سلمى» مثلا ترغب حضنا بعد أن مرّت بنوبة من نوبات الهبّات الساخنة. أما الاضطراب النفسي فقد تجلى في حالات نفسية أكثر دقة مثل «الخجل» الذي عانت منه «سلمى» لما لاحظت تغييرا طارئا على جسدها « ما الجمال في أن يتساقط شعري تسكن الهشاشة عظامي…. ما الممتع في سن أتحول فيه إلى ربع امرأة بصدر لا تستطيع أية حمالة صدر أن تزيّف مستوى تهدله». نفس الخجل انتاب « أميرة» ولكنّه كان أكثر عمقا وخطورة. فهي تخجل عندما تتعرّى أمام زوجها خوفا من تنبهه إلى عيوب جسدها.
ونلاحظ كذلك شعور بعض الشخصيات بالكآبة ف «سلطانة» عندما تقارن بين تفاعل جسدها بالانتفاخ مع أيّ رجل يعجبها وبين عدم تفاعله مع من تحبّها. تلك مأساة «سلطانة» لعدم قدرتها على التحكم في جسدها كما ترغب. وتصل الاستجابات النفسية حدّتها عندما تفكر الشخصية في الانتحار. إنه الخلاص من الجسد. لقد فكّرت «سلمى» في وضع حدّ لحياتها وكادت أن تفعل لولا أن أنقذتها- هذه مفارقة- هبّة ساخنة عدلت بفضلها عن تنفيذ الانتحار.
لكن هذه الاستجابات النفسية السلبية للتفاعلات الجسدية الفيزيولوجية قابلتها استجابات أخرى إيجابية بينت قوة عند الشخصية واجهت بها الآخر الذي حاول الاعتداء على جسدها سواء بالعنف المادي أو العنف الجنسي ف «لوليتا» استجابت نفسيا بالراحة لمّا علمت بموت أخيها الذي تعدّدت اعتداءاته الجنسية عليها. أما «سميحة» فإنّها تحدّت أباها وهو يعنّفها تعنيفا موجعا بأن « تخرج لسانها.. ماوجعتنيش». تقف «سميحة» على قمة التحدّي فالمعنِّف لا يتزن نفسيا إلا إذا رأى آثار تعنيفه على نفس المعنَّف أكثر من جسده.
2/ التمظهر الجنسي للجسد
يعتبر الزواج مؤسسة اجتماعية تنظّم الجنس وتقنّنه فيصبح معبرا مشروعا للجسد حتى يلتحم بالجسد الآخر إلّا أنّ أغلب الشخصيات الرجالية في الرواية لم تحترم هذه المؤسسة بل طفقت تبحث عن ملذات أجسادها خارج إطار الزواج وهي بذلك احتقرت جسد الزوجة/المرأة نظيرَ متعةٍ قد تحظى بها بفضل أجساد نساء أخريات. وهذا ما عانت منه أغلب الشخصيات النسائية بدءا بالساردة التي اكتشفت أن زوجها «الدكتور أمير» يؤمن بالتعدديّة في الجنس. بل إنّه بنى مستقبله العلمي والمهني على ذلك فتخصص في أمراض النساء ليشبع نهمه الجنسي فقط. وكذلك فعل زوج « مريم» وزوج « سماهر» الذي قدّم نفسه للنساء الراغبات في الجنس بمقابل مالي. ولم تكتف الساردة بذكر حكاياتٍ عن الأزواج وإنما أضافت حكايات أخرى تتناول موضوع جنس المحارم فنلفى الرجل يلهث وراء جسد إحدى محارمه مثل عم «فتنة» الذي تحرش بابنة أخيه وأخ «لوليتا» ومواقعته لها العديد من المرات كذلك حاول زوج أم «راجية» أن يقوم بنفس الفعل مع «راجية». ويبرز الاعتداء الأكثر فظاعة عندما يتفطّن القارئ إلى ما يفعله عمّ «فتنة» بجثث الميّتات.
هكذا نتبيّن الصورة السلبية للرجل إلى حدّ القرف في هذه الرواية أمّا بخصوص الشخصيات النسائية فإن «سلمى» قد مارست الخيانة الزوجية مع «آدم» لكنّ ذلك كان في الحلم فكأنّ الساردة أرادت تبرئة ذمّة الشخصية النسائية من فعل مشينٍ فلطّفت منه واعتبرت ذلك أقرب إلى الحب عن طريق الحلم منه إلى الخيانة.
كما يتمظهر الجسد الجنسي في انجذاب جسد الشخصية إلى مثيله في الجنس من خلال تجربة «راجية» التي راودت «سيناء» عن نفسها وتجربة «إسحاق» زوج «سلطانة» مع صديقه. تجربتان توضّحان أنّ الجسد قد لا يعمل بقانون المغناطيس. وتشير الساردة إلى أنّ الجنس قد يبلغ ذروة نشوته بممارسة الجنس مع نفسه فهو قد لا يحتاج إلى جسد آخر ليحقق رغبته الجنسية.
ويمرّ الجسد بصعوبات شتى وهو يحاول أن يحقّق امتلاء جنسيا من ذلك مثلا الضعف الجنسي الذي يكون سببه الغيرة المفرطة من الطرف الآخر. ف«سميحة» مثلا أصيب زوجها «أدهم» بالضعف الجنسي من شدة غيرتها عليه.أو يكون سببه الإدمان في حالة زوج أخت «فتنة».
ويتحوّل الجسد إلى سلعة يتكالب عليه المتبضّعون في سوق الدعارة الذي تديره العجوز «ألمظ». والتاجر لا يهتمّ بشيء آخر عدا المال ولو كان الجسد المبيع من صلبه. إنها العجوز التي باعت جسد حفيدتها وحاولت القيام بالفعل ذاته مع بقية الشخصيات. وقد تخفّ الدعارة من حدّتها فيكون البيع لجزء بسيط من الجسد مثلما فعلت «فتنة» وهي تقول «احضن وبوس وابعد عن…».
إنّ الجسد قد يتحول من سبب للشهوة والرغبة إلى مكمن للخطورة والموت. إنّه القابع على شفا الموت. رغم أنّ الجنس عنوان من عناوين الحياة لكنّه قد يتحول إلى إشارات حمراء تعلن عن موت الجسد. لقد مرض « إسحاق» زوج «سلطانة» بالإيدز بعد ممارسته الجنس مع صديقه ثم عدى زوجته فكانت النهاية. هذا العدم لم يسلم منه «أنور» أحد أزواج «سلمى». لقد مات فوقها. التحما جسدا وفارقها روحا. حاول جسده إشباع جسدها. لكن هيهات. إنّها النشوة القصوى للجسد الرافض لحدوده الجسدية الذي يحوّل فعل التوالج في معتاد ممارسة الشهوة إلى قوة شبقية تلقي به في غياهب الموت.
خاتمة
هكذا تعّرفنا إلى تمظهرين من تمظهرات الجسد في رواية «هبّات ساخنة» ل «سعاد سليمان» من جملة تمظهرات أخرى فاكتشفنا أن الحديث عن الجسد متشعّب إلى حد التشابك في مجالات متعددة. فلا يمكن التطرّق إلى الجسد الفيزيولوجي دون الغوص في آثاره النفسية. هذه الآثار تتعالق مع التمظهر الجنسي للجسد. فيضحى الجسد بذلك كما يقول ميرلوبونتي «موطن ظهور التعبير» مما يجعله مسكونا بالرغبة في الاتصال بالجسد الآخر والتحرر من انغلاقه وعزلته. رغبة قد تخبو شعلتها مع الهبات الساخنة.
أضف تعليق