نورا خليل
فتح باب بيته ببطء وحذر وأطلّ برأسه يسترق النظر إلى الخارج. كان الشارع خاليًا، ولكنّه يعلم أنّ العيون الرّاصدة في كل مكان. إنّهم يقضون برصاصة واحدة على كل من يجرؤ على الخروج بدون الرداء الواقي من الفايروسات، المزوّد بقارورة أوكسجين تُحمل على الظهر، وخوذة من البلّور. لكنّه، والكثيرون أمثاله لا يمكنه اقتناء رداء مثله! بعد أن أصبح الهواء ملوّثا، وقد اختلط بفايروسات متعددة، وأصبح يصفّى في مخابر مختصّة ويباع لمن استطاع إليه سبيلا. أمّا هو وأمثاله ممّن صمدت أجسادهم أمام الأوبئة ولم تلحقهم المنيّة، فقدأُخضعو تقريبا لإقامة جبريّة. تمرّ حافلة ببيوتهم كل صباح لتقلهم إلى أعمال شاقّة، يفصلهم عن السّائق حاجز بلّوريّ سميك. لا يسمعهم حتّى إن أرادوا قول شيء أو استفسارا عن وجهتهم أو حتّى إن أرادوا تحيّته. حافلة بدون كراسي، يصطفّون فيها كالماشية. يوزّع بعضهم على حضائر بناء من تعبيد طرقات وإقامة قناطر وعمارات وفيلات فخمة، وآخرون يجمعون النفايات ويصلحون المواسير.. وفي المساء تعود بهم الحافلة نفسها إلى بيوتهم وكل ما يعطونهم من أجر شهريّ ليس أكثر من بعض الأكل المعلّب وكيس خبز من فضلات العائلات الراقية، وقطعة صابون واحدة لكلّ نفر. وهو قد أدمن على الصابون أكثر من أيّ شيء آخر من أجل ابنته الصغيرة ذات الخمس سنوات.
فتك الوباء بزوجته، ثمّ بابنه. لم يبق له سوى طفلته، يطعمها كل صباح، ويترك لها قطعة صغيرة من الخبز ويغلي بعض الأعشاب ويسكب المشروب في كأس يتركه على مقربة منها، ثم يتركها وحيدة ويخرج إلى العمل. يفكر بها طوال اليوم.. طفلة وحيدة، دون أخ أو أخت أو أم! كان يقفل عليها الباب من شدة خوفه عليها، ومنذ مدة لاحظ أنها أصبحت تميل إلى الصمت، ورغم محاولاته لم تكن تجيب بأكثر من كلمة أو إيماءة! أصبحت تجلس في ركن الغرفة وتبدأ في تحريك رأسها يمنة ويسرة، وأحيانا تديره إلى الخلف حتى يرتطم بالحائط وتعيد الكرة مرارا وتكرارا غير مكترثة بمحاولاته للّعب معها وغير آبهة لحكاياته عن الأميرات والساحرات.
كانت فيما قبل تهتمّ بما يرويه لها، روى لها كلّ ما تعلّمه من حكايات في صغره، ورسم لها كل ما تعلّمه من حروف وأرقام رغم أنه انقطع عن الدراسة مبكّرا، لكنه كان يريد أن يسلّيها بكل الطرق. كان يريد لها أن تكبر و تُؤخذ للعمل في البيوت الفارهة، بعد أن تُجرى لها كلّ الفحوصات والتحاليل اللازمة. على الأقلّ ، هناك ستأكل أكلا نافعا، وتنام في سرير دافئ، وتتنفّس الهواء النقيّ. لا يمكنه أن يحلم لها بأكثر من ذلك!
لم تكن حكاياته عن الأميرات والأمراء الأبطال مقنعة كثيرا، فهو لم يسمعها في طفولته. فقط عرف عنها القليل في سنوات دراسته الأولى. ولم تكن ابنته تفهم ما معنى أميرة فهى لم تر أحدًا ولم تخرج من البيت أبدًا.
***
كان والده سكيرًا، لا يهتم بأحد من عياله ولا يقترب منهم إلا عندما تمتنع أمه عن مدّه بما حصلت عليه من أجر من خدمتها بالبيوت، عندها، ينزع حزامه ويقترب من أبنائه يجلدهم بكل ما أوتي من حقد ونقمة على الحياة. ولكن حتّى تلك الحياة القاسية صار يشتهيها الآن بعد أن تمكّنت الفايروسات والأوبئة من العالم وصارت الحياة جديرة فقط بمن يستطيع حماية نفسه واقتناء الهواء النقيّ.
كانت ابنته كل دنياه. وحالة التوحد تلك، التي أصبحت عليها، تمزّق قلبه ورغم ذلك لم ييأس.
كلّما عاد من العمل آخر النهار ، كان يفرك كامل جسده بالصابون ويلبس ثيابه البالية النظيفة ثم يحملها بين ذراعيه ويعانقها ويقبّلها ويعيد عليها كل الحكايات التي بليت هي الأخرى من كثرة إعادتها، فحتّى خياله لم يعد يسعفه بأي فكرة جديدة.
قبل مرور حافلة العمل في ذلك اليوم تفطن إلى أن الصابون قد نفذ! ومثله ممّن ليس لديهم الرّداء الواقي لا حق لهم في ارتياد المغازات والأسواق، أو حتى المشي في الشوارع. كانوا يُعتبرون خطرا على المجتمع النظيف الذي يتنفس هواء مصفّى ويتنقل في سيارات مزودة بمطهّر أوتوماتيكي ينطلق تلقائيا كل ساعة لتنظيف شامل. لو خطر لأحد العامة من غير المحميّين أن يخرج إلى الشارع فلن ينجو من رصاصة في الرأس ما إن تقدّم بضع خطوات.
القناصون في كل مكان وفوق كل سطح، لا يتقاعسون لحظة عن إعدام من يجرؤ على مخالفة القوانين.
مالعمل إذا ؟ وآخر الشهر مازالت تفصله عنه عشرة أيّام كاملة!
كيف سيحصل على صابونة؟
لا يمكنه أن يقترب من الطفلة دون أن يغتسل، فطفلته عليلة، ولا تتغذّى جيدا.
سيحصل على قطعة صابون كلّفه ذلك ما كلّفه!
أطلّ ثانية من الباب. منذ منذ مدّة ، كان يراقب القنّاصين في حيّه! كان يصعد فوق السطح وينبطح ويبقي رأسه فقط يرتفع قليلا وينخفض قليلا، مراقبا كل السطوح المجاورة. لا أحد منهم يحيد عن موقعه قيد أنملة! لكنّه قرّر المجازفة. سيحاول سرقة قطعة صابون أو أكثر إن أمكن له..
خطا خطوة صغيرة نحو الخارج. أغلق الباب بهدوء، والتصق بالحائط. كان الظلام قد أسدل ستائره، وكان ذلك ضمن خطته لتفادي الرصاصة الثاقبة. التصق بالحائط أكثر وبدأ يتحرك كثعبان، يلتوي، ينكمش على نفسه أحيانا، يُسبق ساقا ثم الأخرى دون أن يبتعد جزء منه ولو قليلا عن الحائط… شعر وكأنه جدار متنقل، كان يحبس أنفاسه حتى لا يصدر عنه أي صوت في ذلك الليل الساكن.
مرّ بعض الوقت واقترب من متجر صغير، اختاره لأنه لاحظ كلّما مرّ من أمامه في الحافلة أنه من المتاجر القليلة التي ليست مجهزة بنظام رقابة..واصل التواءاته وبهلوانيّاته لا يحيد ميليمترا واحدا عن الجدران، ولكن ما لم يحسب له حسابا هو الشارع الصغير الذي يجب قطعه ليصل إلى هدفه! تصبّب عرقا حتى ابتلّت كلّ الملابس القليلة التي كان يرتديها، والتصقت بجسمه، فبدأ يفقد توازنه وينزلق عن الحائط وكأنما يتزحلق فوق الجليد.. أو كأنّ الحيطان أصبحت قطعة صابون كبيرة ذات رغوة! ولكن يجب أن يصمد وأن يفكر في طريقة للعبور. لم يكن لديه خيار آخر غير الزحف.. سيلتصق بالرصيف ثم بالطريق. فقط بضعة أمتار.. سيزحف ويلتوي وينزلق ويجعل كل جسده قطعة من هذه الطريق المعبّدة، سيترك نفسه كليا لجاذبية الأرض حتّى ينصهر معها ويصبح جزءا منها.
يعلم أن حركة المرور تتوقف في الليل بسبب الحجر الصحي الذي فُرض منذ زمن بعيد، حتى نسي الكثيرون أنه مفروض عليهم وظنوا أنهم اختاروا عدم الخروج ليلا، ولِمَ يخرجون ولديهم كل وسائل الاتصال بأصدقائهم وعائلاتهم وحتى أناس آخرون غرباء خارج الوطن ، وكل ذلك وَهُم مستمتعون برفاهيتهم وراحتهم في بيوتهم! باستثناء أمثاله ممّن يطول ليلهم وتنتابهم المخاوف والسهاد.
واصل زحفه البطيء، وكان كل خوفه من سيارات الدوريات الأمنية. هي فقط كانت تتجول طوال الليل حتى تضمن بقاء المواطنين في سجونهم المترفة..
لم يبق له سوى ثلاثة أمتار تقريبا حتى يصل إلى المتجر. وهاهي سيارة الشرطة الرباعية الدفع، تسبقها عربدة محرّكها وكأنه وحش مارد يتوعد بالقضاء على الأخضر واليابس دون رحمة!
شعر بأنها نهايته.. كاد قلبه أن يتوقف وأحسّ بعينيه تخضعان هما أيضا لجاذبية الأرض وكأنهما ستقفزان من محجريهما.. سالت منهما دموع ظنّها هي الأخرى تستجيب لقانون نيوتن. فكّر في ابنته الوحيدة وفي قطعة الصابون التي سيغتسل بها قبل أن يضمها إلى صدره ويلاعبها ويطعمها… لولا صغيرته، لتقبّل الرصاصة بصدر رحب. ما فائدة حياته وهو مجبر على كل شيء؟ لا حق له في الأجرة، ولا في الخروج ولا في التفكير! لم يعد يفكر منذ مدة!
لم يعد يعرف كيف يفكر، وهل مازال الناس يفكرون، ويستعملون عقولهم. أُلغيَ التفكير! هناك أوامر، أوامر وتنفيذ ودون ذلك، الموت. إذا أصبح بلا عقل، فمن يكون إذًا؟ لا يظن أنه جسد فهو لا يستمتع بشيء! لا بأكل لذيذ أو شرب أو جنس، فمن يكون إذا؟ مجرّد أداة؟ أداة عمل، فأسًا ربما أو معولاً أو خرطوماً للري!
كاد أن يقهقه عاليا عندما تخيّل أنّه خرطوم ريّ لولا أن مرقت سيارة الشرطة بسرعة شديدة ، حتى أنها نفضته بضعة أمتار ليسقط على الرصيف مباشرة أمام المتجر! لم تلمسه ولكن من شدة سرعتها أحدثت ضغطا على الهواء جعله ينتفض ثم يسقط. انتظر اختفاء السيارة تماما، ثم نهض بحذر وعالج باب المتجر بسكين صغير حاد، كان قد أحضره معه.
عندما دخل فتش في كل مكان ، قلّب المتجر رأسا على عقب.. لم يجد صابونة واحدة! أسقط كل الرفوف دون أن يعبأ بما أحدثه من ضجيج، لا بدّ أن تكون هناك قطعة صابون! بقي رفّ عالٍ لم يطله، جمع أنفاسه وقفز ليُطيح به فقفزت قطعة صابون إلى الخارج ! خرج من المتجر دون أن يزحف أو يلتصق بجدار ما! بحث عنها ولكنّ الظلام كان حالكا. شعر باليأس. كان مستعدا للموت.. رفع رأسه عاليا ومشى بثبات، ينتظر اختراق الرصاصة لجمجمته. لن يعيش دون أن يضمّ ابنته، أو يستنشق رائحتها الطفولية ، أو يقبّلها.. سار متحديا، متقبّلا الموت، مستعدّا للاندثار الأبدي بين ثنايا الكون..
منذ عدّة ثوان وهو يمشي وسط الطريق ولم يحدث شيء ، لم يتفطن إليه أحد!
رفع رأسه نحو الأسطح وصاح:
أنا هنا! هيا نفّذوا إعدامكم!
لم يسمع سوى صدى كلماته في ذلك الليل الغارق في السكون. صاح ثانية، وثالثة .. لا صدى ، ،، لا أحد ياالله!
ليس هناك شيء! إنها دمى! دمى معلّقة فوق السطوح. إنها فزّاعات،
مجرد فزاعات لتبعدنا عن الحياة، وأصحاب اللباس الواقي ليسوا سوى آلات، وسائقو الحافلات، والمراقبون في العمل ليسوا سوى دمى!
صاح بأعلى صوته:
أخرجوا، تعالوا وانظروا ما أجمل النجوم ، تعالوا وعُبُّوا هواء الليل البارد
أطلّت بعض الرؤوس من خلف الأبواب تعتريها الدهشة والتوجّس.. بينما واصل الصوت نداءاته : إنه الخوف، تخلّصوا من فزّاعة الخوف..
***
خرج البعض والتفّوا حوله وارتسمت ابتسامات على بعض الوجوه وتساقطت قطرات من المطر فأخرج لسانه ليتذوّقها فوجدها حلوة المذاق، فابتسم ورفع يديه إلى السماء متضرّعا يطالبها بأن تهطل الأمطار بغزارة وتغسل جسده وروحه المتعبة، واصطدمت رجله بقطعة الصابون فتناولها وبدأ ينزع عنه ثيابه قطعة قطعة واستجابت السماء فأرسلت مطرا مدرارا ففرك جسمه العاري بالصابونة وفعل من حوله مثله، وانتقلت قطعة الصابون من يد إلى يد تمنح رغوتها للأجساد العارية.
أضف تعليق