كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

عدوى سيكولوجية الجماهير والحشد

الغرياني بالسّعيدي

عدوى سيكولوجية الجماهير والحشد ودوافعها وتأثيراتها في تصرفات وانفعالات الأفراد والجماعات على حدّ السواء



كل ما ينجزه الإنسان من الأشياء وما يتبناه من الأفكار ليس سوى نتاج التقليد والتكرار لفكرة ابتدعها قديما عقل متفرّد وراقٍ ، وكل ما هو عادي اليوم كان في الماضي فريدا وأصيلا وطريفا. وكل شيء طريف وأصيل لا يمكن له الاستمرار إلاّ بالتقليد.

يقول سيبيو سيغل  (1868-1913) عالم اجتماع إيطالي إختص في علوم الإجرام وكان يُدرّس في جامعات بروكسال وروما وليزا . ” يمكن أن نشبّه المجتمع ببحيرة كبيرة هادئة ، نلقي فيها من حين إلى آخر حجرا فتتفرّع الموجات في المكان الذي سقط فيه الحجر حتى تبلغ الضفاف. هكذا هو الشأن بالنسبة للعبقري في العالم : يُلقي فكرة وسط المياه النائمة للعقول التافهة ، وهذه الفكرة التي لم تحظ في البداية بالقبول ولم يتبعها أحد تصبح فيما بعد مثل تجعدات البحيرة .. “.
وغابرييل تارد  (1843-1904) كان عالم الاجتماع وعلم الجريمة وعلم النفس الاجتماعي ولد في فرنسا. “الناس مثل قطيع الشياه، توجد من بينها شاة مجنونة (العبقري) تجبر الأخريات بحكم قوة المثال على إتّباعها ”

«في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده». يبرز ابن خلدون العلاقة الارتباطية بين ظاهرتين تنتميان إلى مجالين مختلفين، وإن كانتا متداخلتين أشد التداخل، ألا وهما ظاهرة الغلب في مجال السياسة والتي سيقابلها ظاهرة التقليد في المجال الثقافي – الاجتماعي.

هنالك اعتقاد سائد بأن العدوى الفكرية تشبه العدوى الجسدية ، ويذهب الكثيرون إلى اعتماد هذا المفهوم في تفسير ظواهر مثل الإنتحار أو الجرائم المتشابهة باعتبارها نوعا من ” الحالات الوبائية ” ، فالكثير من الأشخاص المنتحرين ينسجون على منوال حالة انتحار سابقة ، وكذلك الشأن بالنسبة للجرائم التي تجد صدى في الصحافة فتصبح مثالا يُحتذى به فكأنها نوع من ” الحالات الوبائية ” وبذلك تكون العدوى الفكرية لتصرفات غير متوقعة وغير مفهومة تقوم بها الحشود .يكمن السؤال المعقَد متعلّقا بالمشاعر التي تدفع الحشد إلى القيام بالفعل الإجرامي وأنواع العنف الجماعي من إضرابات العمّال إلى الإنتفاضلت الجماعيَة إلى عنف العامّة . وماهي تفسيرات هذه النفسية الغريبة ؟ للإجابة ينطلق ” سيغل ” الذي استنبط مصطلح جرائم الحشود وفي تعريفه للحشد من تعريف ” موباسان ” حين يقول ” أشخاص مختلفون من حيث الفكر والذكاء والتربية والمعتقدات والأحكام المسبقة التي يحملونها ، يوضعن جنبا إلى جنب . يكفي تجمّعهم ليتشكل فجأة كائن خاص يتمتع بروح خاصة به وبنمط تفكير جديد ومشترك هو محصلة غير قابلة للتحليل لمعدل الأفكار الفردية … إنه الحشد ، وهذا الحشد هو شخص ما : فرد واسع وجماعي ، وهو حشد متميز عن حشد آخر بقدر ما يتميز إنسان عن إنسان آخر …”

من أهم سمات الحشد إذن تشكله الفجائي وعدم وجود هدف مشترك ومسبق يجمع بين أعضائه ، وذاك ما يؤدّي إلى اندماج الشخصيات الفردية في شخصية جماعية يسميها ” سيغل ” روح الحشد ..

«حشد العقلاء أمر معقد للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راعٍ وكلب»، هذه العبارة منسوبة إلى وليم شكسبير، والمعنى نراه ونعيشه بشكل يومي وفي كل مكان، بدءاً بالسياسة وانتهاء بلعبة كرة القدم، القطيع يستنفر ويتجمع في لمح البصر، لأنه يتحرك بمثيرات الشهوة والغريزة، فعلى رائحة الدم تتجمع قطعان الذئاب مثلاً وأسراب النسور والعقبان وكل الحيوانات المتوحشة، وبمنطق ذهنية الجماعة التي تجرح سريعاً حين يخص الأمر وجودها وحقوقها أو نرجسيتها القومية، يندفع الناس للدخول في المظاهرات ومعارك الشوارع، لكن لن يكون هناك شخص عاقل أبداً، فالعقلاء ينفرون من كل ما يلغي الإرادة ويقود للغوغائية!

لا يتحرك العقلاء بـ«سيكولوجية الجماهير»، كما يطلق عليها جوستاف لوبون في كتابه المعروف بالاسم نفسه، لأنهم في أكثر الظروف التباساً يظلون محتفظين بشخصياتهم الواعية، بحيث يصعب تزييف وعيهم أو توجيههم، بينما في حالة الجمهور تتلاشى الشخصية الواعية للفرد، وتصبح شخصيته اللاواعية في حالة من الهياج، ويخضع الجميع لقوة التحريض وتصيبهم عدوى انفلات العواطف، بحيث تلغى شخصية الفرد المستقل، ويصبح عبارة عن إنسان آلي يتحرك بقوة الهستيريا الجماعية كما يقول «لوبون».

لقد طور العلماء عدة نظريات اجتماعية لتفسير علم نفس الحشد، وكيف تختلف سيكولوجية الأفراد داخل تلك الحشود كثيرا عن حالتهم الفردية.

فقد صاغ  كارل يونغ Carl Jung   فكرة اللاوعي الجماعي، وكانت الفكرة الرئيسية فى نظرية سلوك الحشد لسيجموند فرويد هي أن الناس المحتشدين يتصرفون بشكل مختلفا تماما عن أولئك الذين يفكرون بشكل فردي. وأن عقول المجموعة تدمج مع بعضها لتشكل طريقة تفكير موحدة . والنتيجة يزداد حماس وتعصب الأفراد لبعضهم البعض، وبالتالي يصبحون أقل وعيا بالطبيعة الحقيقية للأعمال المنفردة.

وركز جوستاف لوبون أحد علماء الاجتماع الفرنسيين في القرن 19 على تأثير الدعاية فى حفز الجماهير على المشاركة في الحشود، وفكرة لوبون تؤكد أن الحشود تدعم تجهيل الفرد بعدم الكشف عن هويته، وتولد في بعض الأحيان انفعالات وعواطف إلى حد ما تعتبر مكررة ونمطية.

ولوبون قد أكد من أتى بعده أن رد الفعل الطبيعي للعقل الجمعي للحشد هو رد فعل عنيف وعدائي لأقصى درجة ! وهو نتاج اندماج عقل جمعي غير محسوس، تصبح فيه سلوكيات أفراد الحشد غير مبررة، فهى تحت تأثير العقل الجمعي. وهو ما يفسر أيضا كيف يغيب الخطاب الديني العقول ويسيطر على الحشد.

بعض النقاد مثل ماكفيل كلارك، يشير إلى أن بعض الدراسات تظهر أن الحشود الشديدة الاهتياج والصخب لا تنشغل الا بأفكار ونوايا أعضائها، حيث لاحظت دراسة فى حالة حشد أصابه الذعر، أنهم انقسموا إلى مجموعات صغيرة يحاولون مساعدة بعضهم البعض.

ومن ناحية أخرى انتقد ثيودور أدورنو الاعتقاد في عفوية الجماهير ، ويعتبر الجماهير masses منتجا صناعيا من دواعي الحياة الحديثة، واعتبر ادوارد بارنيز (1891-1995) ، وهو ابن شقيق المحلل النفسي سيجموند فرويد، ومن أول الذين حاولوا التلاعب بالرأي العام باستخدام سيكولوجية اللاوعي، قال : انه يرى هذا التلاعب كان ضروريا في المجتمع، الذي يشعر أنه غير منطقي وخطير!

ويصف لوبون الجمهور النفسي بقوله: “الظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه وأيا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا, وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاءهم فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية, وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولا, وبعض الأفكار والعواطف لا تنبثق أو لا تتحول إلى فعل إلا لدى الأفراد المنضوين في صفوف الجماهير… وفى حالة الذوبان هذه يحدث تلاشى الشخصية الواعية, وهيمنة الشخصية اللاواعية, وتوجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار, والميل إلى تحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة, وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه, وإنما يصبح عبارة عن إنسان إلى ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده”….

ولذلك يرى لوبون أن “الجمهور دائما أدنى مرتبة من الإنسان الفرد, فيما يخص الناحية العقلية الفكرية, ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ – وكل شيء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها“.

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦عدوى سيكولوجية الجماهير والحشد⁩”

  1. صورة أفاتار HANAN BANY SAKHER

    Pravo الكاتب المبدع الغرياني بالسعيدي. ادهشتني حقا🌹

    إعجاب

  2. صورة أفاتار wwwaled22

    استمر

    إعجاب

اترك رداً على HANAN BANY SAKHER إلغاء الرد

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.