عواطف محجوب
كثيرا ما أسأل لماذا أكتب؟، سؤال يبدو لوهلة قمة في البساطة، لكنه عميق وصعب. وضعت فرضيات عديدة لهذا السؤال حتى أجد جوابا نهائيا ومقنعا. في النهاية ومع تطور ممارستي لفعل الكتابة وتجاوزي الطابع العفوي، وجدتني أجيب بأنني أكتب من أجل أن أشكل ظلا للأخر، وبمعنى أدق أرسم له ملامح تقريبية. فلطالما مثل الآخر بالنسبة لي لغزا بما يحمله من عوالم، وكنت كثيرا ما أتساءل عن نوع تفكيره، وطرق تعبيره، اهتماماته وميولاته، إذ يجذبني كل أمر غريب يصدر عن هذا الآخر مهما كان بسيطا. وكنت ألتقط التفاصيل الدقيقة تلك التي تدهشني وتجر تفكيري ناحيتها. فأركّب في مخيلتي صورا فوق الصور، وأبتكر أحداثا تكمّل أحداثها، حتى وجدتني في النهاية أرسم ظلالا لهذا الآخر وأرصد تحركاته. هربت من الضوء إلى العتمة حتى أراه. وتوغلت في مناطق خلفية علني أظفر بملامحه، لكنه بدا لي عنيدا لا يفصح عن هويته، ينزع قناعا ليرتدي آخر.هو ليس واحدا بل متعددا.ظللت أركض خلفه كثيرا لأقبض على أثره. ووجدتني ألعب معه لعبة اللون والضوء، صرنا لاعبان في مضمار واحد، أنا بالكتابة وهو بألاعيبه التي لا تنتهي. فأسميت لعبة الظهور والتخفي هذه بلاعب الظل.
في كل مرة كنت أسأله من أنت؟ رجل أم امرأة، شاب أم عجوز، متدين أم علماني.. ورغم محاولاتي الكثيرة استباق خطوات هذا اللاعب إلا أنه كان أسرع مني، إذ كان يظهر كل مرة من مكان ما يجعل توقعاتي خاطئة، لأنه كان يلعب في ملعب شاسع ومعقد اسمه الواقع، وبكلمة أدق اليومي. واكتشفت عبر كمّ الوقائع والأحداث كم أن هذا اللاعب الإنسان مشوها، فاقدا لهويته، يقوده اغترابه ليقترف خطيئة الإرهاب، ويسوقه اضطهاده ليرتمي في عرض البحر مهاجرا غير شرعي.إنه كائن ميت في كل حالاته المادية والمعنوية، فإن لم ينخرط في دوامة العنف، ولم تقلِب الأمواج العالية مركبه الصغير، فإنه يبقى “سجين محبسين”، الأمراض التي تقتات جسده وتشوه نفسه، والتهميش الذي كرس بداخله شعور الإنتماء.
يمكن القول أن الكتابة منحتني فرصة القبض على الدهشة. وعملت على ألاّ أبقيها مجرد تفاعل حسيّ انطباعي بيني وبين القارئ، فحولتها إلى جسر ينفذ إلى الضمير الذاتي والجمعي. إذ كان لا بد من تبني رسالة ما والعمل على تبليغها بأسلوبي الخاص، فلا نفح من كتابة أكتبها لنفسي أو دون هدف واضح وغياب مخطط طويل المدى.لذلك آليت على نفسي أن أكتب بكل جدية وبكل من يرافق الكتابة من ألم وتظي.
إن كل ما يحدث في هذا العالم يحكمه نسق من العنف الملون، فكان من المنطقي أن يتحرك أبطال كتاب لاعب الظل حركة سريعة موقعة وأحيانا مضطربة مرتجة تضاهي حركة العف التي دحرجت الإنسان في هوة مظلمة، وجعلته يرفع عقيرته صياحا من أجل انقاذه. إذا لاعب الظل هو ذاك الصوت الخافت الذي يرتفع فجأة، هو صرخة مدوية أطلقتها في هذه المرحلة لأن مؤشر الخطر صار أحمر اللون، ولأننا نكاد نفقد ما بقي من هذا الإنسان. فيه أطلقت العنان لكل لاعب فيها ليفعل ما يشاء، من منطلق شخصيته كمرجع دلالي على ظاهرة بأكملها من أجل. النزعة الواقعية لم تمنعني من إلباس القصص ثوبا من الميثيولوجيا، إذ كنت أبحث عن نقطة مشتركة بين الحادثة والأسطورة ومنه أجد زاوية لطرح جديد. صحيح لم أقدم أفكارا وتصورات لحلول لكن اقترابي لرصد الظواهر والمظاهر وكشف الملامح المغطاة يعد اجتهادا، لأن الكتابة ليست ذاك الفعل العفوي، بل هو ناجم عن رؤية لمشروع كامل، اضافة إلى صعوبة طريقة التناول إذ لا تروقني فكرة الإعادة والتكرار. فرصد ملامح لاعب الظل في مطلقها هو بحث واختلاف ومنه تحسس لأسلوبي الخاص في الكتابة.
أضف تعليق