بحث تداولي ــ حجاجي طريف التأمل والتحليل



د. أصيل الشّابي
صدر منذ أسابيع قليلة كتاب الخطاب القصصي في أيّام العرب في الجاهليّة قراءة تداوليّة حجاجبّة للباحث التونسي الدكتور عبد الستّار الجامعي في طبعته الأولى عن دار كنوز المعرفة الأردنيّة، يعدّ الكتاب 536 صفحة من الحجم الكبير، والمؤلّف باحث في جامعة السربون في باريس وله كتب بالعربيّة والفرنسيّة، وقد انكبّ في جلّ عمله على تعميق البحث في التراث الأدبي العربي بانتهاج المقاربة التداوليّة والحجاجيّة لاستنطاق النصوص القديمة في باب المجالس الأدبيّة والخبر عموما بما في ذلك أخبار أيّام العرب في الجاهليّة. ويعلن الباحث رهانا يتمثّل في دراسة خطاب أيّام العرب دراسة تنهض على أوجه الاستعمال اللّغوي في الخطاب وعلاقة ذلك بوظيفته ومغزاه وبناه الدّاخليّة وتمظهراته الأسلوبيّة والعلائقيّة، كل ذلك في علاقة أكيدة بتاريخيّة الأيّام، وفي الكتاب انتقال منهجي على مدى ثلاثة أبواب من الإحاطة النظريّة بمفهوم الأيّام إلى تطبيق آليات النقد الحديث على نصوص الأيّام نشدانا لفهم أفضل لهذا الخطاب.
ويتسنّى لقارئ الكتاب ملاحظة وعي المؤلّف في الباب الأوّل بإشكالّية هذا الخطاب فيثير مسألة تصنيف الأيّام واختلاف النقّاد المحدثين حولها، من ذلك عدّها أحيانا من القصص وإقصائها في أحيان أخرى من السرد القصصي، هذا عدا عن خلطها عند بعضهم بالملاحم والسير والمغازي والأساطير. ويثير الباحث إشكاليّة هذا الخطاب الذي ينطق في الظاهر عن الجماعة ويدّعي نقل الوقائع بينما هو في حاجة أكيدة إلى التأويل لقيامه على مضمرات كثيرة تستدعي المتابعة والتحليل والتفكيك، وهو ما يدفع إلى الانطلاق من آليات الخطاب أوّلا لبناء سياقات التحليل، إذ أنّ هاته الآليات هي الضامنة لتجاوز مظهر الخطاب إلى ما يخفيه وتجاوز الوصف إلى مقاربة الخصائص القوليّة ودلالاتها وأفقها الاجتماعي والثقافي.
وينصبّ الاهتمام في الباب الثاني على قيمة الاستعمال اللّغوي في توجيه الخطاب وصياغته وإنفاذه مقاميّا في السياق التداولي، فالخطاب ينهض جماليّا على اللغة وما تتيحه من فرضيات إنجازيّة وصولا إلى تحقيق القوانين الخطابيّة المرتبطة بالجنس. وقد دقّق عبد الستّار الجامعي لهذا الغرض مصطلحات عديدة لازمة كالخطاب والتداوليّة والسياق وما يرتبط بها من المصطلحات الفرعيّة، وذلك بالتركيز على منطق الاستراتجيات التي يبنيها السرد لمّا يُفعّل بتخطيبه تداوليّا، أي في سياقات لها حيثياتها وأسبابها وأحوالها وبانتحاء منحى تأصيلي هام يظهر بالرجوع إلى منظّرين أعلام كالهولندي فان دايك في اتّساق الخطاب وترابطه Van Dijk والبريطاني بول غرايس Paul Grice في مبدإ التعاون الخطابي وقواعده المعروفة والفرنسيّة روبن لاكوف Robin Lakoff في مبدإ التأدّب وقواعده الفرعيّة كالتعفّف والتودّد والتشكيك. وقد تقصّى الباحث، ههنا، ما يبني الخطاب وما يهدّده تقصّيا نظريّا مثريا، فتكون استراتجيات التأدّب مرّة إيجابيّة ومرّة سلبيّة ويكون الاستعمال اللّغوي مشروطا بعدّة شروط لا يُقارب إلاّ في ظلّها كشروط الإرسال وشروط التقبّل وشروط السياق وغيرها، كلّ ذلك في علاقة بأيّام العرب في الجاهليّة موضوع الكتاب.
وتحلّل أيّام العرب بالاعتماد على المبادئ السّابقة لاستصفاء مميّزاتها الفعليّة النابعة من الشروط المقاميّة الخاصة وما تحدّده من نوايا بين الشخصيات، من ذلك تحليل خطاب همّام بن مرّة للمهلهل وما طرأ عليه من خرق طال الصدق والإفادة، فإنّ هماّما لم يكن قادرا على مصارحة صاحبه بأنّ جسّاسا أخاه قتل كليبا أخ المهلهل، ممّا جعله يلجأ إلى قانون النفع الذي حدّده الفرنسي أزوالد ديكرو Oswald Dicrot. ومن ذلك خطاب قيصر القائم على الكذب لامرئ القيس بعد أن علم بأنّه عاهر وأنّه يخبر بأنّه يراسل ابنته ويواصلها:” إنّي أرسلت إليك بحلّتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فإذا وصلت إليك فألبسها باليمن والبركة، واكتب إليّ بخبرك من منزل إلى منزل” فأسرع إليه السمّ فسقط جلده وأيقن من انتقام قيصر الروم، وقد تحضر السخريّة حضورا لافتا مميّزا ناحتة بذلك خطاب الشخصيّة المتكلّمة أو يخيّم الصمت بوصفه استراتجيّة خطابيّة تداوليّة بديلة. وكلّ هاته الاستراتجيات المفعّلة في هذا اليوم أو ذاك تنجي من الموت، فالإخفاق في القول يُنتج القتل في الغالب الأعمّ، ذلك أنّ طبيعة التواجه في أيّام العرب ذو طبيعة شفاهيّة انفعاليّة أهوائيّة في أصلها وإن صيغت، بعد ذلك، صياغة كتابية حوّلتها إلى خطاب متوارث يمكن العودة إليه بالقراءة والتأمّل والتحليل.
وافتتح الباب الثالث بتوضيح المصطلحات المتعلّقة بالحجاج كالروابط والعوامل والسلالم الحجاجيّة، ثم دُقّق المبحث الحجاجي بالنظر في دور الرّاوي والمخاطب في إنتاج الخطاب إنتاجا حجاجيّا، فإنّ الرّاوي هو الذي يصوغ من منظوره كلّ ما يقال، ليتلبّس المروي بذاتيته، فهو المخبر أحيانا وهو المحاجج أحيانا أخرى، وهو في هذا وذاك راسم بنية الأيّام و والمؤثّر الأكبر في أساليبها، فتزمينها خاضع لسطوته ترتيبا أو باعتماد الصدف وتسريعا أو إبطاء ، هذا عدا عن تواتر السرد الذي يحدّده هو في أحيان كثيرة إجمالا أو تفصيلا أو إعادة بحسب نواياه. وعلينا أن نتذكّر دائما أنّ مصير الشخصيّات متعلّق به، فهو الذي يسمح بظهور هاته الشخصيّة أو تلك، وهو الذي يقدّمها بهاته الكيفيّة أو تلك، وهو الذي ينوبها ويغيّب صوتها في مرّات أخرى، وذلك طبقا لمماهاته للأحداث أو انفصاله عنها. ولعلّ من أظهر وظائفه، إضافة إلى حفظه للنصّ من التشتّت، تمجيد الأبطال، فلا أبطال دون تمجيد حدا ببعضهم إلى قرن الأيّام بالملاحم مع ما بينهما من اختلاف، ألا تظهر الأيّام بحسب هذا صناعة حجاجيّة يضطلع بها الروّاة.
ويبسط المؤلّف مسألة التخييل في الأيّام باعتبار غياب الأسانيد وتدوين ما دار في الجاهليّة في القرن الهجري الثاني، ممّا يفصل أقوال الروّاة عن جليّة الأمر في الواقع وينأى بها عن الواقع والتاريخ ويرسّخها في الصيغة القصصيّة المصنوعة صناعة حجاجيّة متينة تظهر خاصة في مجالين كبيرين، أماّ الأوّل فتنجلي فيه صور مركزيّة كصورة المرأة المحاربة وصورة الموت وصورة الحرب وصورة الأخوّة، وقد فكّكت هاته الصور في الكتاب تقصّيا لتكوينها الخطابي بين الشخصيّة والشخصيّة داخل الخطاب وبين الروّاة والمتلقّي على مدى العصور على محور الخطاب الخارجي، وأمّا الثاني فتنجلي فيه انضواء الأيّام إلى ثراء أجناسيّ من خلال الأمثال والوصايا والرسائل وغيرها، فبنية الأيّام، حينئذ مركبّة، تقف وراءها ذوات خطابيّة تاريخيّة فوّضت روّاة متكلّمين سردوا ما سردوا من أيّام العرب في الجاهليّة آخذين المتلقّي من الواقع والتاريخ إلى الأسطورة ومن الجدّ إلى اللهو ومن الصريح إلى الضمني مؤثّرين باستعمالاتهم الفنيّة المتنوّعة واستراتجياتهم المناورة في تحويل ما كان من المعقول إلى الوهم ومن المحسوس إلى المجرّد ومن مجرّد الإخبار إلى الإيغال في الإمتاع.
لقد فتح الدكتور عبد الستّار الجامعي الباب واسعا لإعادة النظر في السرد العربي القديم من خلال أدوات النقد الحديث، وقد فككّ الكثير من الظواهر النصيّة بتأنّ وصبر وحلّل تكوينها الخطابي الدّاخلي والخارجي في إطار منهجي مجدّد وعلى قدر كبير من الطرافة.وإنّ هذا الكتاب القيّم إثراء للمكتبة النقديّة العربيّة وتذكير بأنّ العلوم الإنسانيّة مدعوّة إلى تحمّل مسؤوليتها حيال تراثنا السردي القديم واستعادته استعادة واعية ورصينة.
أضف تعليق