كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

عبر التجريب مع اللغة أحاول أن أكتب نصا جامعا للنصوص

شهادة الكاتب التونسي فتحي رحماني التي قدمها لندوة فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات حول كتابه ظمأ شديد وجنون بتاريخ 13 نوفمبر 2021

فتحي رحماني

"إنّ الكلام على الكلام صعب.."              • التوحيدي

قد تُقَيِّض الأقدار لكاتب مّا نُقّادا يحتفلون بنصوصه فيرفعونها إلى علّيين كما فعل الأستاذ توفيق بكّار مع أقاصيص علي الدوعاجي، أو كما هو حال رولان بارت مع “سرّازين” بلزاك، أو ما فعله باختين مع أعمال ديسكوفسكي.
ويبدو أنّ الأقدار شاءت أن ترمي في طريقي نقّادا من أمثالكم تشرّفت بصحبتهم وابتهجتُ بتشريحهم لنصوصي، إذ أنّكم لم “تغتالوا” نصّي بل نفثتم فيه من أرواحكم الجميلة مما زاده ألقا، فلستم –صديقاتي وأصدقائي– من زُمرة النقّاد الذين قال عنهم الشاعر محمود درويش إنّهم “يُحرّكون المعنى بملعقة الحساء” وما ينبغي لكم. فطُوبى لنصّ كنتم نقّاده.
أمّا بعد،
أودّ في شهادتي هذه وهذا “الكلام على الكلام” أن أستنير ببعض ما تفضّلتم لأعود إلى نصوصي في مجموعة “ظمأ شديد وجنون” قارئا معلّقا مثلكم تماما أو أقلّ قليلا.
لقد اخترتم مداخل شتّى لمقاربة المجموعة منها السيميائية ومنها العتبات والتناصّ وجمالية التلقّي، وأبحرتم في مرجعيات الكتابة وعرّجتم على سؤال “الجنس الأدبي” واستدعيتم إشكاليات الحداثة وما بعدها، وسأحاول في هذه الشهادة التركيز على عناصر بعينها قد تساهم في إنارة جوانب من الكتاب ومن سيرة صاحبه وهي ليست سيرة بعدية كسيرة طه حسين ولكنّها فيما أزعم تصلح أن تكون معالم في طريق الكتابة.
1/ الكتابة حلم طفولة:
لم تكن الكتابة عندي مجرّد هواية أو تمرين لغوي إبداعي انتهيت إليه في هذا الهزيع الأخير من العمر ، ولكنّها كانت حلما لازمني منذ الطفولة، فعندما كنّا في سنوات المدرسة وفي حصص القراءة كانت تستوقفني العبارات آخر النصّ التي تُشير إلى اسم الكاتب أو الكتاب مصدر النصّ، فأستغرق في بناء أحلام أرى فيها اسمي يحلّ محلّ اسم الكاتب، وأقرّ العزم لحظتها على الكتابة، وكبر هذا الحلم ونضج ومع تقدّم السنين لم يبرح هذا الحلم مخيّلتي ولم يغادرني ، فكانت محاولات الكتابة المتعاقبة حتّى استوت وكان “الظمأ والجنون” وكانت “الخربشات المتفحّمة على جُدران سَدُوم”.
2/ محنة كاتب مبتدئ:
ما يُلاحظ في نصوص المجموعة أنّها “لاةتسير على منهج” أجناسي بعينه، فهي منفلتة من عِقال التصنيف والتجنيس بتدبير مسبق من الكاتب، والعِلَل وراء ذلك كثيرة منها أنّني ككلّ كاتب مبتدئ أبحث عن أسلوبي الخاصّ في الكتابة، فطرقت أبواب أجناس مختلفة منها القصّة القصيرة والسيرة الذاتية أو الغيرية والخاطرة والتأمّلات والجامع بينها “ثيمات” بعينها ولغة شعرية مشحونة بالإيحاء وتسعى أن تكون متينة.
في كلمة يُمكنني الإقرار بأنّ نصوص المجموعة هي في التجريب وأعمقه عندي التجريب على اللّغة.
3/ النصّ القصير والقصير جدّا:
القصر والتكثيف والإيجاز والاختزال والومضة خيار فنّي اعتمدته في هذه المجموعة، ولا أخفيكم سرّا أنّي أتهيّب من كتابة النصوص الطويلة وخاصّة الرواية، فكلّما قرأت عيون الروايات العربية والعالمية تحضرني العبارة القديمة “ماذا ترك الأوّل للآخر؟” وأتمثّل بقول عنترة بعد أن أُحرّفه “هل غادر الكُتّاب من مُتردَّم؟”.
ثمّ إنّنا في زمن عربي عزف فيه الناس عن القراءة خاصّة بعد إدمانهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أضف إلى ذلك نسق الحياة السريع، فكان الهاجس عندي أن أُعيد مصالحة القرّاء مع القراءة والكتاب، فتخيّرتُ كتابة نصوص قصيرة مكثّفة عساها تكون “بليغة في إيجازها”، وقد فعلها من قبل عبد الله بن المقفّع في حكاياته الأمثالية في “كليلة ودمنة”.
4/ الكتابة موقف ورؤية:
أنا من الذين يعتقدون أنّ فعل الكتابة وفعل القراءة من الأفعال القادرة على مقاومة التفاهة التي تهدّد عالمنا اليوم لذلك عليّ أن أُنبّه ههنا إلى أنّ التناصّ الذي ذكرتم بعض تجلياته لا يقف عند حدود تداخل النصوص ولكنّه يستدعي المواقف أيضا ولذلك لازمني “إيتيان جيرمينال” و”علي قرماش” في “يوم من أيام زمرا” بصمودهما ومواقفهما ورفضهما، ولعلّكم لا تعدمون مواقف الرّفض والتمرّد التي تسري في أكثر من نصّ من نصوص المجموعة.
أمّا الرؤية فتنطلق من سيرة آدم الذي تعلّم الأسماء كلّها وكان له شرف تسمية الأشياء، فكانت اللغة معجزته التي تفوّق بها على الملائكة في التكوين الأوّل لتعود تلك اللغة لتكون المعجزة في ختم النبوّة مع النبيّ محمد عليه السلام، فكيف لا نحتفي باللغة ولا شيء يبدو خارجها؟
5/ النصّ الجامع والسيرة الجماعية:
عندما أكتب فإنّي أستدعي ثقافتي التي اكتسبتها من مجالستي لنصوص فذّة مثل القرآن والشعر القديم والجاحظ ومحمود درويش والمسعدي و التصوّف.
كذلك لا أزعم أنّي أكتب تجربتي الخاصّة حتّى وإن أوهمت بذلك، ولكنّي حاولت التعبير عن جيل انتميت إليه بكلّ آلامه وأحلامه وانكساراته وخيباته، فالسجن في الوطن العربي تجربة مشتركة، والحبّ قديم قدم الشعر، والمدرسة في تونس ذاكرة جيل..
فالكتابة بهذا المعنى – وإن كانت كالبصمات التي لا تتشابه من ناحية الأسلوب – فإنّها قد تتحوّل في مواضيعها وروافدها إلى نصّ جامع.
ختاما أجدّد امتناني لكم جميعا، وأرفع قبّعتي احتراما لأستاذنا حكمت الحاج ولموقع كناية على هذه اللفتة الكريمة، وعسى أن نقطع معا هذا الطريق الطويل، طريق الإبداع والنّقد إلى آخره…
محبّتي بلا ضفاف.

شارك في الندوة المشار اليها أعلاه كل من الناقدات والنقاد: ربيعة مارس، عواطف محجوب، أحمد بنزايد، عبد الجليل حمودي، حكمت الحاج، علما وانه قد تعذر حضور المؤلف فتحي رحماني لأسباب تقنية. ويمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر رابط فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات، كالتالي:

http://www.facebook.com/kinayaforum

One response to “عبر التجريب مع اللغة أحاول أن أكتب نصا جامعا للنصوص”

  1. صورة أفاتار abdeljelil11
    abdeljelil11

    نص نقدي لم يتحرر من الإبداعية أوضح مغالق قد يتفطن القارئ بعضها بنفسه لكنه لن يكتشف أخرى إلا بعد قراءة هذا النص.
    نص يمكن أن ندرجه في ما يسمى بالعتبات المابعدية للنص

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.