كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

بناء الشخصية النسوية (لاعب الظل) أنموذجا

د. رائدة العامري


تمثل الشخصيات الأسلوب العائد للقاصة، وفي المجموعة القصصية (لاعب الظل) لم تكن على مستوى واحد من البعد الدلالي والثقافي. بل في صراع ذات أبعاد من اجل التغيير. والذي يكون مع ذات المرأة أولاً، ثم مع المجتمع للتغيير.
فيتجلى الحديث عن القصص المتنوعة في المفاهيم والمعطيات للمجموعة القصصية الموسومة (لاعب الظل) للكاتبة التونسية عواطف محجوب، والصادرة حديثا عن منشورات مومنت بالمملكة المتحدة، لنقف عند بناء الشخصية النسوية، محاولين الوصول إلى قراءة تحليلية وذلك لبيان رؤى القص، وكيف حاولت البوح به بأسلوب نقدي ثقافي، وما القضايا التي تعالج داخل القصة، والى إي حد استطاع العمل الأدبي إن يجمع بين التجربة الواقعية والإنسانية.
إذ تتجلى ظهور الشخصية في القصص مما يؤمن لها اسم أو وصف أو ضمير، تملاها الأوصاف والخصائص والعلاقات لبنائها فــ ((ليس ثمة قصة واحدة في العالم من غير شخصيات)) ، فالتسمية ابسط أشكال التشخيص بمثابة بعث للذات والإيحاء، وروى للأنساق المضمرة التي تعد جزءا من بنائها، فتعمل على تجهيزها ماديا للكشف عن حقيقة نفسية أو اجتماعية.
إذ تسهم لغة الشخصيات وحواراتها في تحديد مستوى قيادتها وتصنيفها في مجتمع قائم على الحوار واللغة التي تنتمي إليها.
ولاشك إن تقدم الإحداث تبدأ بسيطة واضحة ثم تتعقد وتتشابك على نحو إمكانات كبيرة في بناء الشخصية لما يكتشفه المتلقي من كسر أفق التوقع في السياق، فالإحداث تمثيل للشخصيات، إن كل ذلك يتم في سياق نصي ثقافي في بناء الشخصية وذلك بالاستناد إلى معطيات ما يدور في داخلها من مفاهيم للوصول إلى الدلالة المقصودة في بناء الشخصية. وفق مقاييس لتقديم الشخصيات:
1- المقياس الكمي ينظر إلى كمية المعلومات المتواترة المعطاة حول الشخصية.
2- المقياس النوعي ينظر لمصدر تلك المعلومات حول الشخصية، هل تقدم مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى، أو الكاتب.
إذ برعت الكاتبة في تجسيد وخط الشخصيات النسوية، إذ قدمت وفق رؤى تصف بها الواقع المجتمعي، لتمنحها احد شخصيات القصة، وقد لا يذكر النص اسم البطلة الرئيسية فنتعرف عليه عن طريق معاناتها في النص.
لاشك إن أكثر الشخصيات النسوية في المجموعة القصصية (لاعب الظل) يردن من دون أسماء إذ يأتين بصفاتهن المنهكة والمتعبة التي تتناسب مع واقعهن، فالنص جرد نسوته من العلامة أو العتبة كي نتعرف عليهن، وهذا يتناسب مع طريقة وجودهن وتطورهن داخل القصص بما يتناسب مع انتظارهن وصبرهن الذي لا ينتهي، فهن لم يفقدن الاسم فقط بل فقدن ملامحهن ونسيانهن لملامح حياتهن.
إن الكاتبة تسند إلى شخصياتها برتب محددة حين يجعل منها شخصيات رئيسة وأخرى عابرة, وهذه الضرورة الشكلية أصبحت من القوة بحيث إن المتلقي يبحث بالفطرة عن هذه التراتبية بين الشخصيات، ربما ليقارنها مع معرفتها الخارجية التي تضع الأشخاص ضمن تراتيبه مشابهة تقريبا.
فالشخصيات في المجموعة القصصية(لاعب الظل)، تندرج تحت ثلاث، لا تخرج عنها فهي إما شخصية رئيسة أو أساسية أو ثانوية، ولكل من هذه الأنواع أساليب وطرق بناء وتشخيص، ولكل منها أيضا ميزة تختص بها دون غيرها، وتتم معرفة ادوار الشخصيات عن طريق متابعة حضور الشخصية بمقدار تغلغلها في المسافة السردية، إي إن تنظم إلى عدد من الحالات أو الأدوار الفاعلية، التي يتم التعرف عليها عبر وضعية الفاعل في المسافة السردية. ومدى بقائها واستمرار ظهورها في النص السردي، لمَ لها من حضور مؤثر طويل يؤهلها للقيام بدور مهم ليس مرحليا.
لذلك نلحظ أكثر النساء في المجموعة القصصية يصنفن ضمن الشخصيات الرئيسة. فالكاتبة فهمت بعمق واقع المرأة ونفذت إلى صلب همومها وهواجسها، إذ لم تتناول الموضوع من وجهته الاجتماعية فحسب، بل من الوجهة السيكولوجية الجنسية القبلية ذات القواسم الطبقية المحددة والعوازل الدينية والتاريخية، التي جعلت المرأة لا مجرد شيء سلبي يتغرب وينتظر ويمحي ويموت غير مهتم به، وإنما تمتص رغبات الآخر ووعاء امتلأ بكل الممنوعات المهيمنة التقليدية.
إذ يمثل خطاب المرأة لذاتها وهي تلعن في سرها كل الأعراف الاجتماعية، التي جعلت المرأة مجرد نكرة بل عورة لخطيئة لا تغتفر في مجتمع، لا تطلب فيه حقها ولا تجد من يدافع عنها لتمثل رمز لواقع جوهر إشكالات المجتمع، كونها خلاصة الاضطهاد بكل إشكاله.
لنأخذ قصة (قضبان للصّدفة) أنموذجا، إذ تتحدث الكاتبة عن فتاة خرجت في زيارة لصديقتها ببيتها وبينما كانت تتجاذبان أطراف الحديث، سمعتا دقا عنيفا على باب الدار الذي فتح عنوة بركلة قوية وجدت نفسها وصديقتها محاصرين بمجموعة من القوات الأمنية.
(….)
حاولت إفهامهم أّنا كانت ضيفة وليست فردا من العائلة اقتيدت على وجه الخطأ صرخت بعنف، فأسكتها بلطمة أردتها مغمى عليها.
قد لا تعلمنا الكاتبة باسمها سوى أنها فتاة ترمز لوضع اجتماعي مزري، فالنص يكشف عن رؤيا ذلك الرمز يبدأ المحور الواقعي بالاشتغال في رسم الحركات بدقة، مسلطة الضوء على مفاصل واقعية مهمة، أرادت الكاتبة إن تظهر ضمن الفضاء الوظيفي للسرد.
فالفضاء الوظيفي للقصة يوحي بما يعلن عنه الخطاب من نتاج لحالات استثنائية من القمع الجنسي، الذي مارس ضدهن على مر الأزمنة تاركا بصماته السيكولوجية على السلوك والتصرفات وردود الأفعال ضد المحيط الذكوري المرسوم في الأذهان، على صورة لرجل مهيمن متسلط يحمل العقل الجمعي مهددا الهوية للخطر، يسير على نمط نظام له قوانينه الوضعية يجيز له أن يمتلكهن دون مقابل ويلغي إنسانيتهن.
إذ إن يشير ذلك إلى وجود مغامرات ترد في الغالب متتالية متسلسلة تسلسلا دقيقا تسعى إلى استعادة الهوية الغائبة والهامشية، وهو ما يعني إن واقعية القصة هي نتاج للتناسق القائم في القصة، وهذا التناسق والتوالي في الإحداث ضمن نسق متسلسل نجده واضحا بشكل مميز تلقي بإيحاءات للشخصية الرئيسة للقصة.
نقرأ جزء من القصة:
بقي المشهد يتكرر كل يوم ضرب فاغتصاب على نفس الوتيرة ساءت صحتها وتدهورت…
فالنص يلعبُ دورا إذ يربط الأسباب بالمسببات، ويطرح الأفكار ليكشف للمتلقي إن الجسد مسلوب ومقصي ومصادر الحقوق، فليس له الحق بالعيش والتمتع بأبسط الحقوق مادام يشكل إرباكا وقلقا للآخر المتسلط .
فتأخذنا الكاتبة في رحلة خروج الفتاة الشابة من قبضان السجن إلى الشارع، إذ تتجلى بين الحضور والغياب لتكشف إقصاء ذاتي للجسد عن طريق قرار يتخذ بأن تذهب وبلا رجعة، لتخلف وراءها الذكرى المؤلمة لبدء رحيلها وماس تخلفه الإقدام من طرق سيعتاد عليه الآخر.
تقول:
أرغموها على مشاهدة نفسها ينهشها جلادها بلا رحمة …. رموا إليها ثيابها التي جاءت بها أول مرة وفتح لها البوابة الحديدية توقفت لبرهة من الزمن واستنشقت هواء الحرية المغبر تأملت الشارع الخالي ثم مشت مرتبكة وانخرطت في التيار البشري.
النص يحمل رمزية عالية عن طريق استلاب السلطة، إذ تمثل الجسد المضطهد الذي يعاني من جور العقل الجمعي المهيمن، فتكون حياتها رهن إشارة الآخر/ المهيمن، لذا نجد الجسد يعاني أشكالا عديدة من العنف يكشف عن غياب الجسد ماديا، الذي استدعى أن تمثله الكاتبة حضورا بشكل مغاير عن طريق سياق القصة.
تخبرنا الساردة عن نتاج لقسر الممارسة الجسدية فتترك أثارا واضحة كرها لما يفرض عليها، وترجع أخر الأمر إلى ذاتها وحيدة معزولة مقهورة وضعيفة، وأحيانا يأخذ القمع الجنسي طابعا أخر مرتبطا بالأشياء المحيطة بالمرأة المنعكس على وضع البطلة. قد ذكرا اسمها في أخر القصة (نادية).
بين الرمز ومرموزه وبين السلطة وانسلاخ هوية الذات تمنح القاصة فرصة للمتلقي من التعبير عما تريد قوله من جذور الاضطهاد الجنسي، الذي هو في جوهره اضطهاد سلطوي في ذلك الكون المخيف.
إذ إن دلالتها كشخصية مزدوجة نموذجية تمثل جيل كامل يتعرض للهيمنة المتسلطة بسبب موروثات متراكمة، ولها مكان في المساحة السردية لكنها تظهر عن طريق حديث الشخصيات الأخرى عنها.
فبناء الشخصية النسوية يبدأ من شخصيات رئيسة إلى شخصيات ثانوية ذات مساحة سردية كبيرة، ومن ثم مساحة اقل إلى شخصيات ثانوية تقدم من قبل شخصيات أخرى من وصف وحوار وحديث نفس، وإحداث للدلالة على ما في الجوانب الذهنية للشخصية في القصص، بحيث يتحول السرد من رصد الخارج إلى الذات الداخل الخاص بالشخصية.
وذلك باستخدام الوعي ليس عن طريق الإحداث بل لوصف إيماءات المجتمع، الذي تمر به الفتاة وما يدور حولها، فتقودنا الكاتبة إلى مساحة نصية غير معلنة برسم معالم تلك الصورة لندخل المتلقي إلى العوالم الذاتية للشخصية وما بدا على تصرفاتها. فيساق القصة يبين الشخصية في النص التي توضحت صورتها عند اكتمالها .

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.