كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

في فرمطة العقل الجمعي

فتحي رحماني


دواعي البحث:
تركّز البحوث الأنتروبولوجية على ما تسمّيه “الشخصية القاعدية” باعتبارها التشكّل/ القاسم المشترك بين مختلف الأفراد وهي عبارة عن “عقل جمعي” قد لا نكون واعين بوجوده وتأثيره.
هذا العقل الجمعي قد يكون عامل اشتراك أكثر من أيّ عامل آخر، أكثر من اللغة التي تتوزع إلى لهجات قد يمتنع معها التواصل والفهم والإفهام [ كأنّ الله قد بَلْبَلَ ألسنتنا]، أكثر من الدين الذي تحوّل إلى تديّن ومذاهب وفرق وطوائف متناحرة، أكثر من التاريخ المشترك رغم أنّنا كما يقول هشام جعيّط ” إزاء مجتمع تاريخي معقّد، إنّه مجتمع تاريخي لأنّ وزن الماضي هامّ، يلعب فيه الاستذكار الواعي والإحياء المفتعل دورا كبيرا”، وأكثر من جغرافيا متحوّلة أو قابلة للتحوّل في ظلّ صراع دولي وإقليمي محتدم في منطقتنا…
العقل الجمعي رأينا تجلياته ونراها في مواضع كثيرة: في سلوك الطوائف، في جمعيات أحباء نوادي كرة القدم، في عصبية أولاد الحومة، في اجتماعات الأحزاب الكبرى،في إضرابات النقابات المهنية..
ونتبيّن بكثير من البساطة فاعليته وشدّة تأثيره في الأشخاص حتّى أنّهم قد يفقدون هوياتهم الفردية وتمايزهم وينسون دوائر انتمائهم الأخرى ، وأوضح تجلياته هي الأمثال الشعبية التي يمكن من خلالها الوقوف على خصائص هذا العقل وتاريخية تشكّله وكيفية اشتغاله…
إضافة إلى أنّ محاولات إصلاح هذا العقل الجمعي قد فشلت منذ عصر النهضة الأوّل[مع: الكواكبي،الطهطاوي،خير الدين،الأفغاني، عبده،مالك بن نبيّ….] وحتّى أيّامنا هذه، ولم ينجح هذا العقل في مختلف مناحي حياتنا، ولم يُنتج في الغالب إلاّ أشباه حلول لمشاكلنا، وحوّلنا إلى مجرّد مُسُوخ من البشر [ بلا لون ولا طعم ولا رائحة ولا هويّة واضحة ولا قيم مرجعيّة…].
1/ العقل المُكَوِّن والعقل المُكَوَّن:
يميّز ” لالاند- Lalande” في معجمه بين: العقل المُكَوِّن والعقل المُكَوَّن وهو تمييز ضروري لعرضنا هذا، فالعقل المكوِّن أو الفاعل –la raison constituante هو آليات إنتاج الثقافة والقواعد المتحكمة فيها، أمّا العقل المكَوَّن – la raison constituée فهو المُنْجَز/ المنتوج الثقافي والاجتماعي.
وهو ما شرحه الأستاذ المغربي والمفكر” محمد عابد الجابري” في كتابه [ تكوين العقل العربي] حين فرّق بين العقل كأداة، والعقل كمحتوى، ونحن في عرضنا هذا لن نهتمّ بالأفكار في ذاتها ولكن بالأداة المنتجة لها،أي أنّنا سنهتمّ بما يسمّيه ” جون بياجيه” [ اللاشعور المعرفي] الذي يجعل من العقل في هذه الحالة جهازا – آلة تشتغل وفق نُظم وقواعد محدّدة هي نفسها نتيجة عوامل تاريخية وبيئية وثقافية متنوعة.
ولذا سنحاول- في هذا العرض – البحث في آليات اشتغال هذا العقل وما أصابها من أعطاب والسعي إلى تشخيصها عسى أن يستأنف هذا العقل الجمعي فاعليته و عمله بطريقة ناجعة.
2/ العقل الجمعي: ماهو؟ وكيف يشتغل؟
يُؤكّد عالم الاجتماع الفرنسي ” إيميل دوركهايم” [ 1858- 1917] على ضرورة التمييز بين التصوّرات الفردية والتصوّرات الجماعية التي يشترك فيها شعب معيّن أو جيل أو جماعة من الناس، وهي التي تُؤثّر في سلوكهم دون وعي مباشر بها وبتأثيرها، وينتهي إلى تعريف العقل الجمعي على أنّه “طرق تصرّف وتفكير وشعور خارجة عن نطاق الفرد، تتمتّع بسلطة قسرية، بها تفرض نفسها على الأفراد”.
ويتدعّم ذلك حين نقرأ للطبيب وعالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي ” غوستاف لوبون” [ 1841- 1931] واضع ما سُمّي بـ”علم نفس الجماهير”،وهو يُفرّق بين العقل الفردي الذي قد يصل إلى اتّخاذ قرارات منطقية، والعقل الجمعي الذي قد يتصرّف بصورة سالبة وغير منطقية، وفي هذه الحالة تمّحي الفوارق الاجتماعية والعلمية بين الأفراد [ إذ يستوي المثقف العالم والشخص العامّي في السلوك إذا اجتمعا في ملعب كرة قدم لمشاهدة فريقهم المفضّل أو في احتفالات طائفة دينية مثلا]، لأنّ العقل الجمعي- كما يقول [ بيار بورديو] ” يدفن الاختلافات والخصوصيات والتميّز بين الأفراد، فهو يستنسخهم، ونحن في العقل الجمعي لا نُفكّر بل نتوهّم أنّنا نُفكّر”.
إذن في العقل الجمعي يكون الفرد مُنْسَاقًا،ويتحوّل من شخصية واعية مستقلة إلى شخصية متلاشية مضمحلّة تتماهى مع الحشود وتفعل مالا تفعله لو كانت منفصلة عن تلك الجموع، والسبب الذي يجعل سلوك الأفراد مختلفا هو أنّ العقل الجمعي يوفّر لهم نوعا من الانتماء إلى كيان ضخم هلامي ممتدّ [ مثلا عندما يُسأل الطفل إذا تأخر عن السبب يُجيب: كنت مع الجماعة، ماهي هذه الجماعة؟ = دائرة انتماء وهمية نابعة من عقل جمعي ساكن في أعماقنا= الجماعة على حقّ= الجماعة لا تضلّ أبدا]، كما يوفّر هذا العقل الجمعي للأفراد نوعا من الشعور الشكلي بالأمن إذا كانوا وسط تلك الجموع أو إذا التزموا بما تفعله الأغلبية [ مثلنا الشعبي معبّر جدّا في هذه الحالة” الشّنقه مع الجماعه خلاعه”].
3/ العقل الجمعي و ” الماتريكس”:
يمكن القول بأنّ العقل الجمعي هو أشبه بالبرمجة أو نظام التشغيل في الكومبيوتر ، فهو مجموعة من القيم اللاواعية المشتركة التي تحدّد لنا أذواقنا وطرق تفكيرنا وعلاقاتنا ومزاجنا وتجعلنا متشابهين مشتركين في خاصيات تميزنا عن غيرنا من المجموعات البشرية الأخرى، كذا نظام البرمجة والتشغيل في الكومبيوتر من حيث هو مجموع القواعد والضوابط والأوامر التي لا تظهر على الشاشة ولكنّها تتحكّم في طريقة تشغيله وبدونها لا يستطيع الكومبيوتر إنجاز أيّ مهمّة.
فكأنّنا ونحن داخل هذا العقل الجمعي أشبه ما نكون بفيلم ” الماتريكس = المصفوفة= The Matrix ” حيث يتمّ برمجة الأفراد للقيام بمهامّ محدّدة، فتتحكّم تلك البرمجيات في السلوك وفي التفكير، ولا يُمكن التخلّص من ذلك بسهولة.
4/ الفرمطة:
الفرمطة تعني التفريغ والتحميل، مسح نظام التشغيل الأساسي كليّا أو جزئيّا وإعادة تحميله من أجل التخلّص من الفيروسات ومن أجل تحسين آداء عمل الجهاز.
نحتاج إلى الفرمطة كلّما لاحظنا خللاً مّا في عمل حواسيبنا.
عادة ما نتردّد في القيام بالفرمطة لأسباب منها:
• أنّه قد لا يتوفّر لدينا نظام تشغيل جديد/ مناسب، أو قد لا نعثر على مختصّ في البرمجيات يكفينا مؤونة هذا العمل[ هذا الأمر قديم نسبيّا = اليوم نستطيع بأنفسنا أن نبرمج وأنْ نُفَرْمط].
• خوفنا على معلومات مهمّة أو وثائق نادرة أو معطيات حميميّة من الاندثار والضياع والإتلاف [اليوم زال هذا الخوف إذ يمكن أن نخزّن ما نريد من معلومات هامّة والاحتفاظ بها داخل الجهاز أو خارجه].
• مشقّة هذه المهمّة والخوف على الجهاز من التلف [ تكرار الفرمطة].
هذا عن الحاسوب ونحن خارجه فما بالكم بعقلنا الجمعي الذي نحن بداخله [ مصفوفة] أو هو في داخلنا [برمجية]
إضافة إلى أنّ الأمر يبدو أكثر تعقيدا لأنّنا عادة ما نتجنّب مواجهة أنفسنا، والمساس بأشياء تعوّدنا عليها حتّى وإن كانت خاطئة [ خطأ مشهور خير من صواب مهجور]..
ولكن الفرمطة تصبح ضرورية و غير قابلة للتأجيل عندما يُصبح عمل الجهاز بنجاعة وفاعلية مستحيلاً، وعندما تفشل كلّ محاولات الترقيع والترميم والإصلاح..
وهذا ما يحدث مع عقلنا الجمعي الذي تعتريه اليوم أعطاب كثيرة وفيروسات متنوّعة، لذلك علينا أن نُخْضع هذا العقل لعملية مسح شامل بواسطة “مضادّ للفيروسات”، لتصبح الفرمطة بهذا المعنى مطابقة لما رواه الصحابة عن الرسول محمد عليه السلام من أنّه كان ” يُفرغهم ثمّ يملؤُهم “، وعملية الإفراغ والملء ليست عملية ميكانيكية جافة، لأنها متعلقة بالإنسان، وبناء الإنسان، وعواطفه ومواقفه ووعيه وعقله. إنّها ببساطة ذلك المنهج الإبراهيمي في تحطيم الأصنام قبل التأسيس لفكرة جديدة وعقل جديد..
5/ أعطاب العقل الجمعي:
• آلية الإنكار والجحود:
آلية دفاع عن النفس ينتهجها العقل الجمعي في مواجهة المشاكل[غياب الوعي بالمسؤولية، ومهمّ هنا أن نذكّر بالتفريق الدقيق الذي ذهب إليه الجاحظ بين الشاكّ والجاحد ” والشاكّ أقربُ إليك من الجاحِد، ولم يكنْ يقينٌ قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحدٌ عن اعتقادٍ إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حالُ شكّ.. والعوامُّ أقلُّ شكوكاً من الخواص، لأنَّهم لا يتوقَّفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلاّ الإقدامُ على التَّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشَّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك على قدر سُوء الظنِّ وحُسن الظّن بأسباب ذلك، وعلى مقادير الأغلب” / الحيوان ج6. ..]


• المانوية:
موقف مَنَوي من العالم [ لا يرى الأشياء إلا بلونين: أسود أو أبيض، يشتغل وفق نظام شبيه بنظام لغة تشغيل الحاسوب: صفر/واحد، تقسيم الآخرين والعالم إلى فُسطاطين/ معسكرين،إلى أخيار/أشرار= الآخرون المختلفون هم الجحيم…]
• العقل التبريري ورُهاب المؤامرة:
تفسيرات تبسيطية سحرية، المشكل دائما في الآخرين، تضخيم المؤامرة [ عبد الله بن سبأ في الفتنة الكبرى..]، غياب النقد الذاتي [ قُلْ: هو من عند أنفسكم/ قرآن] عدم تحمّل المسؤولية [غياب الوعي بالقابلية= قابلية الضعف=قابلية الخضوع= قابلية الاستبداد=قابلية الاستعمار=قابلية التخلف/ مالك بن نبي…]
• السّلبيّة والنزعة النُّكُوصيّة:
من دونية الذات واحتقارها حدّ التفسّخ إلى تمجيد السلف في نوع من الطوطمية البدائية التي تُضفي على السّلف هالة سحرية خرافية[حنين مَرَضي إلى زمن من الماضي غير متحيّز وأسطوري]، النظر إلى التاريخ باعتباره تاريخ تدهور وانحدار باستمرار[ التحسّر على الماضي وعلاقة متوتّرة بالحاضر= ياحسرة! ،عاكسه، سبّ الوقت وشتمه باستمرار، النُكُوص= الالتفات إلى الوراء= ليس بالإمكان أفضل ممّا كان…]
• الجبر والإرجاء والانتظارية:
سلوك قائم على التسليم [ المثل الشعبي: إلّي تعرفه خير ملّي ما تعرفاش]، عقل محكوم بالحتميات الطبيعية والاجتماعية وغير قادر على المبادرة والفعل والتغيير[ مكتوب…]، ضرب من الدهرية غير الواعية بذاتها= إنما نموت ونحيا وما يُهلكنا غير الدهر،الذات مُسَيّرة والإنسان ليس تلك الإرادة الحرّة [تسوقنا الأيّام ولا نسوقها]….
• العقل الغريزي:
متسرّع في أحكامه، محكوم بعواطفه المُلتهبة، يميل إلى التسطيح والتبسيط، يطمئنّ إلى الإشاعة، مزاجي مندفع في ردود أفعاله حدّ الهستيريا [ لا يمكن بناء رأي عام في هذه الحالة]، يكتفي بالانطباعات الأولى في بناء مواقفه، مستسلم إلى أوهامه، يتجنّب التحرّي والتدقيق،إطلاقي في أحكامه، ثبوتي رسوخي في آرائه، مجاري العادات أقوى تأثيرا فيه من أيّ عامل آخر …
• الزبونية و البراغماتية والنفاق:
عقل براغماتي – انتهازي يقدّم المصلحة الفردية على مصلحة الجماعة [ قصة الأعرابي الذي قيل له: أَلَكَ أنْ تُصْلَب من أجل الأمّة؟ فقال: لا، ولكن أنْ تُصلب الأمّة من أجلي]، يميل إلى إنشاء علاقات زبونية من أجل تحصيل مراده، مستعدّ لإظهار غير ما يُبطن[ الله يُنصر من أصبح، العلاقة بالمسؤول، ظاهرة ما يسمّى في ثقافتنا العامية بـ”الأكتاف”، الورع الكاذب…].
• التناقض والاغتراب:
اغتراب في موقف جمعي حتّى وإنْ تبيّن قُصُورُه أو خطؤه، الحلول في الجماعة التي ينتمي إليها الفرد حدّ الاستلاب والتلاشي، النزوع إلى قبول المتناقضات في سلوك الجماعة والسّعي إلى تبريرها [يُمكن أنْ يخطّئ الفرد نفسه في هذه الحالة حتّى وإنْ كان على صواب في سبيل التناغم مع الجماعة ].
• النزعة الحسيّة – الإحيائية:
يميل العقل الجمعي إلى نوع من الإحيائية البدائية المشوّهة التي يتماهى فيها الذاتي والموضوعي، فهو لا يُصدّق إلاّ ما هو محسوس بل وما يقدر على استيعابه ،قاصر عن التجريد، والحقيقة عنده هي فقط ما يحصل عنده من فهم ووعي، فينتهي إلى تبسيط الأمور وتسطيحها حتّى وإن كانت معقّدة في ذاتها، ويُخضعها لقوالب جاهزة …
• النزعة المُحافظة:
هي نزعة لا ترتبط بالدّين فقط كما هو شائع، إذ نجد نزعات محافظة كثيرة: سياسية واجتماعيّة وثقافية،وعقلنا الجمعي يشتغل وفق نزعة محافظة ترفض التغيير، بل تخشاه وتتجنّبه وتتصدّى لكلّ جديد أحيانا، وتسعى حتّى إلى مُصادرة المستقبل[ ادّعاء الجيل القديم أنّه أعرف وأفضل من الجيل الجديد، تربية أبنائنا ليكونوا على صورتنا رغم أنّهم “وُلدوا لزمان غير زماننا” كما يقول الإمام عليّ رضي الله عنه]، بل نحن نميل إلى الإبقاء على التقاليد والخضوع لها [ النظر إليها باعتبارها تقاليد راسخة حتّى وإن كانت تتعارض مع نمط عيشنا وخصائص عصرنا= تقاليد الأعراس مثالاً]، كما نميل إلى المحافظة على نمطنا المجتمعي القائم [ نزعة محافظة غير واعية بذاتها على المستوى الاجتماعي # في مقابل نزعة محافظة واعية بذاتها في المستوى السياسي = معركة الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس سنة 2014 مثالاً والصراع الموهوم بين أنصار النمط ودعاة التغيير].
وهي رؤية محكومة بتصوّر للتاريخ لا يتأسّس على فكرة التقدّم والتطوّر بل على اعتبار التاريخ هو تاريخ انحدار وتدهور باستمرار .


• العنوان للباحث العراقي أحمد خيري العُمري
• الفَرْمَطَة أو الفرمتة من العبارة الفرنسية formatage , formater

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.