كتبت: عواطف محجوب/ كناية- تونس
حركة دؤوبة تتنامى رويدا رويدا منذ ساعات الصباح الأولى أمام معرض الكرم أين تقام الدورة 36 لمعرض تونس الدولي للكتاب. إذا لا تنقطع السيارات والحافلات عن الوقوف في موقف السيارات القريبة. ينزل منها الناس أفواجا أفواجا. منهم من يلتحق بالصفوف الطويلة أمام باب الزوار من أجل اقتناء تذكرة الدخول التي حدد سعرها بدينار واحد، ومنهم القادمون في رحلات ثقافية مساهمون في المعرض يدلفون من باب الادارة وكل وفد حدد توقيت مساهمته مسبقا. بمجرد الدخول الى المعرض سيقابلك من جهة اليسار فضاء الطفل ومن جهة اليمين مدخلين يفضيان الى أجنحة المعرض التي غصت بالكتب. فحسب الاحصائيات التي قدمتها إدارة المعرض فقد شارك في هذه الدورة مائة وخمسون عارضا من تونس وثلاثمائة عارض لدور نشر عربية وأجنبية من عشرين دولة. المتجول بين الأجنحة سيلاحظ حضور العديد من مؤسسات الدولة التي لها علاقة بالكتاب والثقافة على غرار وزارة التربية، وزارة الثقافة، دار الكتب الوطنية، المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ومعهد تونس للترجمة، إضافة إلى وجود جناح للقوات الأمنية التونسية، وقرية الأطفال بقمرت التي تعرض منتوجات من صنع بعض المقيمين بالقرية تشجيعا لهم على الانتاج من أجل الدخول في سوق الشغل. والعديد من الجمعيات على غرارا جمعية لينا بن مهني التي افتتحت جناحا لتجميع الكتب. وفي هذا الصدد تقول والدة المرحومة لينا بن مهني التي تشارك زوجها ادارة الجمعية: “نحن الآن بصدد إكمال مشروع لينا بن مهني الذي أطلقته في سنة 2016 بالشراكة مع المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب حملة لتجميع الكتب. إذ تم تجميع حوالي خمسة وأربعون ألف كتاب وقع توزيعها على السجون والاصلاحيات بتونس. واصلنا العمل بتأسيس مكتبة في جربة تحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف كتاب. وقررنا الذهاب بعيدا إلى المناطق النائية فأسسنا مكتبة في منطقة الهوايتية بطبرقة فيها أكثر مائة ألف كتاب، والرحلة متواصلة حيث وجهتنا القادمة قرية الأطفال بقمرت وغيرها من المناطق الداخلية فالناس لا يبخلون بالتبرع والمشروع يكبر أكثر من أجل توفير الكتاب لمن يحتاجه والترغيب في المطالعة، أيضا تهدف الجمعية، كما تقول والدة لينا، إلى حفظ ونشر تراث لينا بن مهني كناشطة حقوقية ومدونة وإعلامية تركت بصمة صغيرة وهي تحارب من أجل التغيير إلى الأفضل.”.
جهود عظيمة هدفها تقريب الكتاب إلى من هو محروم منه والرهان هو العودة إلى الكتاب من أجل تكوين أجيال تؤمن بأن المعرفة هي السبيل الوخيد إلى التطور.
وفي جولة سريعة بين أجنحة دور النشر لاحظت حضور جمهورية مصر العربية بعدد كبير من العارضين. تواجد بعض السفارات على غرارة سفارة إيران التي اتخذت جناحا تقام فيه ورشة للخط العربي وحظي بمتابعة كبيرة من الزوار الذين أسرتهم جمالية الخط وحسن تزويقه. أيضا تميز جناح دولة موريتانيا باعتبارها ضيف شرف حل على المعرض في اطار التثاقف والتبادل ويعرض مخطوطات نموذجية نادرة تميزت بجمال خطها ومحتواها، تم اختيارها من ضمن آلاف المخطوطات، والتي تحولت أغلبها إلى مطبوعات قابلة للتداول. إلى جانب معرض للاصدارات الأدبية والفكرية والعلوم الشرعية لمبدعين موريتانيين. وخصصت زاوية من الجناح لمعرض فني جمع الصور والتحف التي تعرف بالحياة اليومية الموريتانية.
ولمعرفة أجواء إقامة هذا المعرض ومدى الاقبال على شراء الكتاب انخرطت في حوارات قصيرة مع بعض الناشرين المتواجدين في المعرض. تقول الناشرة والكاتبة التونسية نجيبة بوغندة: “ما يميز دار ياسين للنشر أن لها خط في النشر يختص بكتب الطفل. شاركنا بثمانين عنوانا للطفل، ومن باب التثاقف وفرنا بعض كتب للكبار كمجموعة قصصية لصبا حسم، والكاتب حمدي هاشم حسنين. في دار ياسين للنشر نعمل على جودة الكتاب ورقا وصورة وحتى حقيبة الكتاب. حاولنا أن يكون كل ما يتعلق بالكتاب مميزا بمراقبة المحتوى الذي يجب أن يكون متماشيا مع حاجيات الطفل النفسية والوجدانية وبعيدا عن العنف اللفظي وعنف المعاني، وبعيدا عن الوعظ والارشاد، من المهم أن يكون في الكتاب جانب قيمي تربوي بطريقة ذكية بما يجعله ينفر من الشخصيات الشريرة ويستخلص العبرة. وعند سؤالي لها ان كان لديها انتقادات للمعرض أجابت قائلة: “أنا كناشرة أشير إلى بعض النقاط التي تؤرقني، اولا نلحظ في هذا المعرض الكميات المهولة من الكتب المدرسية الموازية، لماذا تحتل المعرض في حين هي متوفرة على الدوام في المكتبات؟ فمعرض الكتاب يخص الكتاب الابداعي الذي يحب دعمه ودعم الكاتب والناشر،. لكن للأسف يساهم في تركيز بعض العارضين على هذه النوعية فقط من الكتب. ثانيا لدي ملاحظة حول تقسيم الأجنحة. فمن أجل تكريس مبدأ المنافسة المنصفة يجب تخصيص جناح لكل نوع من الكتب. مثلا كتب الأطفال في جناح والكتب الدينية في جناح آخر وكتب الأدب والفكر في جناح ثالث وهكذا. وبهذه المناسبة أوجه نداء إلى وزير التربية بخصوص إعادة مادة الترغيب في المطالعة كمادة أساسية في البرنامج المدرسي حتى لا يبقى الكتاب مغمورا، ومن أجل تحسين مستوى تلامذتنا وتجديد علاقته بالكتاب”.
وبخصوص مشاركة شركة جانا للنشر والتوزيع المصرية يقول حسن نبي حسن: “نحن نشارك في معرض تونس الدولي للكتاب من ثلاث عشرة سنة، وهذه المرة أتينا بالكثير من الإصدارات الموجهة للطفل منها سلسلة حول الأنبياء مترجمة وروايات من الأدب العالمي. وأسعدنا الاقبال على شراء الكتاب رغم الظروف الصعبة التي تسبب فيها فيروس كورونا”.
وكان لمكتبة الأسرة العربية التركية نصيب في المعرض في أول مشاركة لها، فهي على حد قول مديرها مكتبة متخصصة في الأسرة بكتب الأطفال، كتب لليافعين، كتب للمقبلين على سوق الشغل، كتب لغات وتاريخ وغيرها من المجالات، وكل القائمين على المكتبة حريصون على تشكيل وعي حديث ومعاصر للقارئ العربي. ويضيف قائلا: “كتبنا مركزة ومختصرة وبسيطة تلبي كل الأذواق والاحتياجات وتساعد القارئ على التموضع في عالم متغير. ولاحظنا اقبالا جيدا من القارئ التونسي. فالناس متعطشة إلى معرفة جديدة وآمنة وواعية تساعد على فهم الواقع وتجاوز التحديات”.
بعد تأجيلها ثلاث مرات، أسدل الستار على الدورة 36 لمعرض تونس الدولي للكتاب، التي شهدت نشاطا فكريا وثقافيا نجح في استقطاب الرواد زوارا وأدباء وكتابا. إذ عادت الأماسي الشعرية إلى سالف عهدها إلى جانب القراءات القصصية. وتواترت الندوات الفكرية التي تهتم بالكتاب محتوى وصناعة.
أضف تعليق