د. رائدة العامري
راودتني رغبةٌ عارمةٌ في خوضِ غمارِ المواجهةِ مع ما تشهدهُ الساحةُ من مناهجَ نقديةٍ ، انبثقت نتيجةَ الانفتاحِ على ثقافةِ الآخرِ ، فوجدتُ نفسي أمامَ عالمٍ عميقٍ من عوالمِ النقدِ الأدبي، وأمامَ إضاءةِ الوعي النقدي، التي تسعي بدورها إلى إضاءةِ الوعي الأدبي ، والكشفِ عن طبيعةِ الممارسةِ النقديةِ ، لبيانِ طبيعةِ المناهجِ البارزةِ على الساحةِ النقديةِ ، إضافةً إلى بيانِ الجهودِ النقديةِ فيه ، والتي أثرَتْ المخزونَ النقديَّ على النصِّ الأدبي ، لغايةِ تحقُّقِ الانسجامِ بين التنظيرِ والتطبيقِ ، وذلك ما نلمحهُ من طروحاتٍ للعديدِ من الموضوعاتِ ، والمناهجِ المستمدةِ من الروافدِ المتنوعةِ ، التي تجسَّدت في منهجٍ نقديٍّ عُرفَ بأسماءَ عدةٍ منها : (المنهج الواقعي، المنهج الاجتماعي، المنهج المادي التاريخي، المنهج الإيديولوجي)، والتي تتبع خصوصيةَ ، ورؤى كلِّ ناقدٍ ، في محاولةٍ للكشفِ عن ما خفي من أسرارٍ تُساعدُ في رصدِ دلالةِ النص الأدبي ، والإطلاعِ على نظامِ اللغةِ في النصِّ ، الذي يحكمه قانونٌ داخلي متجانسٌ ، أو البحثِ عن معنى النصِّ ، أو الالتفاتِ إلى المتلقي باعتبارهِ المحركُ لعمليةِ القراءةِ ، فلا تستقيمُ القراءةُ دون حوارٍ ، وخطابٍ فاعلٍ بين المتلقي ، والنصِّ وذلك لتحديدِ رؤى النصِّ .
فالمنــــاهجُ النقديــــةُ تتعلَّــقُ بالنظريــــةِ الآنيــَّة والإبــــداعِ ، والمتلقــــي، والمؤلــــفِ ، فلا يمكــــنُ إتبــــاعَ المــــنهجِ كــــإجراءٍ دون النظــــرةِ الشــــاملةِ للإبــــداعِ الأدبيِّ فـــي أعـــمِّ معانيـــه، كوســـيلةٍ لتحقيـــقِ الأهـــدافِ المحـــددةِ لتنظـــيمِ النشـــاطِ بـــالمعنى الفلســـفيِّ الخـــاصِّ كوســـيلةٍ للمعرفةِ ، فالمنهجُ طريقةٌ للحصولِ على ترديدٍ ذهنيٍّ للموضوعِ قيدَ الدراسةِ ، وقد ارتبطَ بالصراعِ السياسيِّ ، والأيدلوجي ليُمثِّلَ زاويةً عكسيةً في الحركاتِ النقديةِ ، التي تكمنُ لتغييرِ انحرافِ الفكرِ النقدي ، وإعلاءِ شأنِ المتلقي ، والعنايةِ بقيمةِ النصِّ كونِه مناخٌ فكريُّ أدبي ، يتصلُ بطريقةٍ مباشرةٍ ، وغير مباشرةٍ بمؤثراتٍ ، ومناهجَ قديمةٍ ، وحداثويةٍ : كالكلاسيكيةِ ، والبنيويةِ ، فهذا الحوارُ الناشئُ يختلفُ باختلافِ طبيعةِ المنهجِ الذي يَعنى بسلطةِ القارئ ، ويبتعدُ عن المنهجِ الذي تنعدمُ فيه تلك السلطةُ ، أي عن طريقِ العلاقةِ بين النصِّ والقارئِ برؤيةٍ موازيةٍ بين الأفكارِ بما يُناسب المنهجَ الحديثَ .
فإذا وقفنا عند النظريةِ النقديةِ ، التي ظلَّتْ تتأرجحُ بين ثنائيتي : ( الخارج / الداخل) من أجلِ تحقيقِ الموضوعيةِ العلميةِ في مقاربةِ النصوصِ الأدبيةِ في إطارِ ما يُعرفُ بمنظومةِ المناهجِ السياقيةِ : التاريخي ، الاجتماعي ، النفسي ، والتي يتربَّعُ عن طريقها المؤلفُ على عرشِ السلطةِ ، والعودةِ إلى مرجعياتهِ الاجتماعيةِ والنفسيةِ ، وهي دعوةٌ ضمنيةٌ إلى الإلمامِ بالمرجعياتِ الخارجيةِ مع تحفُّظٍ على الدخولِ إلى النصِّ عن طريقِ تلك السِّياقاتِ المحيطةِ بالمُبدعِ ، على مستوى المنهجِ والتي تدور حول محورينِ أو اتجاهينِ :
الأولُّ : وهو التعاملُ مع النصِّ الأدبيِّ بوصفه نظاماً مغلقاً ، فظهرت البنيويةُ ، والتفكيكيةُ ، والأسلوبيةُ ، والسيميائية ، وهنا يستندُ الناقدُ إلى اللغةِ ، وكيفية تشكيلها في النصِّ الأدبيِّ ، على مستوى الأسلوبِ أو سيمياءِ التركيبِ النحويِّ ، أو النظام البلاغيِّ ، إذ أنَّ الناقدَ هنا يعزلُ النصَّ عن شروطهِ التاريخيةِ ، والاجتماعيةِ ، والواقعية.
أمَّا المحورُ الثاني : فينظر إلى العملِ الأدبي باعتبارهِ موضوعاً معرفياً خالصاً وفقَ معاييرِ علمِ الاجتماعِ ، وتاريخِ الأفكارِ سواءً على المستوى الفلسفي ، أو على المستوى السيميولوجي ، كما يَفيدُ من مخرجاتِ المذاهبِ الفنيةِ الواقعيةِ مثلاً والرمزيةِ ، والرومانسية.
وهذا الكتابُ الموسومُ بــ (الخـطاب الـروائـي احتياجات الواقع ومتطلبات الفن) للدكتور أحمد يحيى علي، فهو على مستوى الرؤيةِ قد وقع فيه النصُّ الأدبي في إشكاليةٍ كبيرةٍ وهو الخلطُ بين الاتجاهينِ ، لا من منطلقِ التكامليةِ ، وإنَّما من جانبِ عدمِ وضوحِ الرؤيا ، وتحديدِ المفاهيمِ النقديةِ ، والنظريةِ , التي يشتغلُ عليها الكاتبُ ، وقد كشفتْ لي القراءةُ الأولى هذا الخلطَ العجيبَ بين تلك المناهجِ ، فكيف يستقيمُ أن نُوظِّفَ مفاهيمَ الواقعيةِ ، ومفاهيمَ السيميولوجيا في الوقتِ نفسهِ ، إذ كيف يستقيمُ أيضاً أن تتقاطعَ البنيويةُ مع ما هو تاريخيٌّ وثقافي ، فالبنيويةُ والتاريخيةُ تشكلان حالةَ تناقضٍ لا رجعةَ فيها، وما هذا التناقض إلاَّ اختراقٌ لهذا العالمِ الإبداعي ، الذي اتَّخذ البنيويةَ منهجاً في التحليلِ للخطابِ ، والروايةِ ، فرغم صرامةط هذا المنهجِ الشكليةِ ، والتي تهتمُّ بالنصِّ من داخله ، وتُهملُ كلَّ المكوناتِ الخارجيةِ ، فلا بدَّ من فكِّ طلسمِ هذه القراءةِ عن طريقط المنهجِ البنيوي ، وأن نقتربَ من هذا المنهجِ بخطواتٍ تأخذنا إلى إجراءاتٍ أكثر تأثيراً ، وتحديثاً للصيرورةِ الفنيةِ ضمن مسارِها ، وتجلياتها الظاهرة ، والخفية.
وقد لفت انتباهي تلك الفجوةُ الهائلةُ في التطبيقِ ، فقد ظهر لي أنَّ الناقدَ يستخدمُ مفاهيمَ نظريةِ التلقي ، ليُمارسَ فعلَ التأويلِ ، وفي الوقتِ نفسه يشيرُ إلى أنَّه سيأخذُ من منجزاتِ السيميائيةِ أدواتٌ للتعاملِ مع النصوصِ .
كما لفتني أيضاً تلك المفارقةُ بين عنوانِ الكتابِ ، ومضامينه النصيةِ ، التي تتصدَّرُ النصَّ ، وتتعالقُ بالمساراتِ الدلاليةِ التي يحملها ، فثمَّةَ تضادٌّ واضحٌ بين مفهومِ الخطابِ ، وبين ما جاءَ به من نشاطٍ تأويلي على مخرجاتِ نظريةِ التلقي ، ولعلَّ الناقدَ يخلطُ بين منهجِ جيرار جنيت بالعتباتِ ، وبين منهجِ ياوس وايزر في مراعاةِ الفروقِ النقديةِ .
وللإجابةِ عن هذه التساؤلاتِ حاولتُ تتبُّعَ الحركةِ النقديةِ عن طريقِ قراءةِ الكتابِ ، وفكِّ الالتباسِ الحاصلِ بينهُ وبين الحقولِ المعرفيةِ الأخرى لا سيما النقد الأدبي ، الذي توسَّعت مساحةُ التأويلِ فيه ليكونَ محطَّ اهتمامِ نقدِ النقدِ ، بوصفهِ كلامًا مكتوباً في النقدِ ، وفق إستراتيجيةٍ نقديةٍ ، ومنهجيةٍ محددةٍ ، بغرضِ التعمقِ في موضوعها.
ولكن أكثر ما يلفتُ الانتباهَ في هذا الكتاب ، هو تركيزه في كلِّ مرةٍ على جانبٍ من جوانبِ النصِّ ، وهي هنا إشكالية المنهج النقدي والتي يُقصدُ بها الكيفيةُ التي يتعاملُ بها القارئُ – عن طريقِ توظيفهِ للمنهجِ النقديِّ – مع النصِّ الأدبي ، حيث ركَّز الكاتبُ في أغلبِ تطبيقاتهِ على إعطاءِ السلطةِ للمنهجِ النقدي ، الذي يعملُ على تأكيدِ فرضياتِه ، وتبريرِها في النص ، ممَّا أدَّى إلى قتلِ النصِّ الأدبي ، بمعنى تغييبِ روحهِ وخصوصيتـه ، فهو كغيرهِ من النصوصِ له طابعه الخاص ، ومفاتيحـه الخاصة ، ممَّا يجعلُ اختيارَ المنهجِ ، أو المناهجَ النقديةَ المناسبةَ لقراءتها تحدُّ من الجمالياتِ ، والمكنوناتِ التي يزخر بها هذا النصٌُ ، وعليه فليس للقارئِ الحقَّ في فرضِ سلطتِه على النصِّ ، وافتراضِ طريقته بأنه يمكن تحليله وفق المنهج ( السسيو- نقدي) ، عبر الواقعِ ، والمُتخيلِ لا باستخدامِ قانونِ النصِّ ، وهنا قد يقترب من نظريةِ التلقي من حيث : الاهتمام ، والثقافة ، والاستعداد للنص الأدبي ، وتركيزه على الطبقةِ الاجتماعيةِ ليُقدِّمَ رسالةً اجتماعيةً ، تمتدُ لوصفِ الكيفية التي يمكنُ بها مواجهة الأدبِ ، والمجتمعِ ، فضلاً عن دراسةِ سيكولوجيةِ الفنِّ دون دراسةِ المثيراتِ اللاشعوريةِ المُتضمنةِ في المثلثِ السيكولوجي ، الذي يتكوَّنُ من المؤلفِ ، والأدبِ ، والمتلقي لخلقِ جماليةٍ شعريةٍ .
وهنا قد يدخلُ القارئ في سسيولوجيا النصِّ بطريقةٍ انسيابيةٍ ، في محاولةٍ للوصولِ إلى التوازنِ النفسي ، والاجتماعي للمنهج النقدي الذي يراه مناسبًا . وقد ركَّز هذا الكتابُ على تطبيقِ مفاهيمَ ونظرياتٍ متنوعةٍ ، ومتعددة ؛ تهدفُ للكشفِ عن الأثرِ الذي يتركه النص عند المتلقي ، أي أنه يركزُ على القارئِ ، وعلاقته بالنص ، وأثره في عمليةِ إنتاجِ المعنى ، وذلك بالاستعانةِ بآلياتٍ نظريةٍ متنوعةٍ تعينه على ذلك.
والجدير بالذكر هنا أنَّ الثقافاتِ على اختلافها وتنوعها مترابطةٌ ، إذ تشترك في العمومياتِ ، وإن اختلفت في التفاصيلِ والخصوصياتِ ، فهي تُمثل أقطاباً للنظرية الأدبية ، والتي تُعدُّ امتداداً طبيعياً للأدبِ الأرسطي (المنبع والمورد) ، الذي استقى منه الكثير ثقافته ومعرفته الأدبية ، فهو يكشفُ عن منهجيةٍ لدراسةِ ثقافيةٍ سسيو- نصية ، يستعرض فيها الكاتب مناهجَ نقديةً متعددةً ، فضلاً عن إظهارِ المرجعياتِ الفلسفيةِ ، الارسطوية َ وتلك المسافةِ الجماليةِ لدى ياوس ، وملءِ الفجواتِ عند ايزر، وهنا لن نُغفل كيف أبرزَ رومان انجاردن آليةَ التعاملِ مع العمل الفني ، والتفاعلِ معه من قبلِ القارئ القصدي ، وكيف وظَّف آلياتِ الخطابِ الشعري لإبرازِ الوجهةِ الشخصيةِ ، أو القراءةِ الجماليةِ من رؤية معينةِ ، وفق قراءةٍ إيديولوجيةٍ ، وتناصية ، وتاريخية ، وجمالية.
وفي هذا الكتاب يتجلَّى المحورُ الأولُ فيه حول رؤية الذاتِ عن طريق رؤيةِ الإبداعِ ، فيعطي للتجربة منحىً أخر للتواصلِ ، والتلاحق مع الفضاءاتِ الأخرى ، التي تنطلقُ من قراءاتٍ متنوعةٍ ، يتحــولُ الـــنصُ في إطار التصـــورالبنيــوي إلى جملـةٍ كبيــرةٍ ، ثـــم يُمعــنُ فـــي تجزئتهـــا ليتناولَ الثنائيةَ : المثقف ، الشاعر/ السلطة ، الحاكم . فتتحول أسسُ الرؤيةِ إلى مفاهيمَ ومحاورَ إجرائيةٍ لإدراكِ الموضوعِ خارج نطاق الذات المدركةِ ، إذ لا وجودَ لها خارجَ الذاتِ المُدركةِ ، إذ تأخذُ الفكرةُ طريقها إلى المتلقي ، فالرؤيةُ الجماليةُ للنصِ ، وقراءةُ المتلقي ، وتأويل الأفكارِ ينطلقُ من خبراتٍ ذاتيةٍ ، ورؤيةٍ جماليةٍ ليبقى النصُّ مفتوحاً على آفاقٍ مغايرةٍ ، يكون للقراءِ الآخرين حظٌّ من التأويلِ والقراءةِ المتباينةِ ، ليعبرَ النصُ بذلك إلى الرؤيةِ التفسيريةِ التي أوجدها المتلقي بإبعادها الفنيةِ المُعبرة عن أساليبَ حديثةٍ ، وكثافةٍ صوريةٍ شعريةٍ .
والحقيقةُ أنَّنا يمكن أن نتاملَ مع النصِّ الأدبي على أنَّه نصٌّ متعددٌ الوجوه ، وليست له حقيقةٌ جوهرية واحدة ، كما أنَّ معاني الأعمالِ الأدبيةِ باختلافها ، وتنوعها ما هو إلا تجسيدٌ يؤدي إلى تغيُّرٍ منظمٍ في الذوقِ الجمالي تبعًا لتفسيراتٍ وتأويلاتٍ مستخلَصَةٍ من النص .
كما أنَّ الكاتبَ هنا اتبعَ سلسلةَ الجمالِ والتي جاءت بعنوانِ : عتبة الصدق الفني إلى السحرية ِ ، وهو ما سعى ياوس إليه في الدمجِ بين التاريخِ الأدبي ، والخبرةِ الجمالية في التعامل مع النصوصِ ، إذ لا يفترقُ مفهومُ المسافةِ الجماليةِ عن مفهومِ التوقعِ ، والذي عبر عنه في بناءِ أفقٍ جديدٍ ، فالمسافةُ الجماليةُ تُعدُّ أداةً إجرائية لتمثيلِ البعدِ القائمِ بين ظهورِ الأثرِ الأدبي ، وأُفقِ الانتظار ، وهنا يمكنُ الحصولُ على تلك المسافةِ من خلال استقراءِ ردَّةِ فعلِ القارئِ على الأحكامِ النقديةِ المطلقةِ ، حيث أنَّ العملَ الإبداعيَ ينبغي أن يسيرَ إلى الممانعةِ ، والاستجابةَ للقراءةِ فيخترقُ المعاييرُ الفنيةُ ويعارضها ، فكلَّما تقلَّصت المسافةُ الجماليةُ كان الإبداعُ أقربُ .
ثم ينتقلُ الكتابُ إلى دورِ الأيدولوجيا في الشَّكلِ ، والبنيةِ المفتوحةِ ، وأيدولوجيا الخطابِ ، تناولَ المنهجُ التاريخيُّ الذي يُعدُّ من المناهجِ التقليديةِ ، التي تُوصفُ بتقاربِ النصِّ الأدبيِّ من الخارجِ ، أي يعنى بأصلِ النصِّ أكثرَ من العنايةِ بالنصِّ ذاتِه ، فالمنهجُ التاريخي هو منهجٌ يتَّخذُ من الحوادثِ الاجتماعيةِ في هذا الحقلِ الأدبي ، ويتعاملُ مع العمليةِ الإبداعيةِ : (نصٍّ ، ومبدعٍ ، ومتلقٍ) ، إذ يعتمدُ على واقعٍ تأريخي ، وفقَ إطارٍ زماني ، ومكاني ، كوثيقةٍ تُخزِّنُ كلَّ الظواهرِ ، التي تُعدُّ رؤيتهُ النقديةَ كوسيلةٍ لتفسيرِ العملِ الأدبيِّ باستحضارِ البيئةِ ، لكنَّ الحقيقةَ التي تكشفها هذه الرؤيةُ النقديةُ ، ولاسيما الحديثةُ منها أنَّ الأدبَ لا يُعدُّ دائماً تسجيلاً للواقعِ الماضي ، ولكنَّه أيضاً تسجيلٌ للآمالِ ، والأشواقِ المستقبليةِ ، والرغباتِ المكبوتةِ في النفسِ .
لا يمكن النظر إلى الظاهرة في النصِّ بعيداً عن الحركةِ الثقافيةِ ، التي تتسمُ بولعٍ شديدٍ بوصفها خطاباً مضاداً للفعلِ . إذ أنَّ صورةَ الناقدِ يتخذُ من الأبعاد الاجتماعية ، والتاريخية رؤىً ، قد يبتعد فيها أحياناً عن الحدودِ الأيدلوجيةِ من زاويةِ تجلياتِ الحضورِ والغياب .
ونمضي إلى طبقاتِ المعنى في الروايةِ الواقعيةِ ، وهنا يتجلى عالمُ القراءةِ ، وجمالياتُ التلقي ، الذي يدورُ حوله هذا المحورُ من الكتابِ ، وما تضمنَّه من صياغةِ في رسمِ أبعادِ التلقي ، والتواصلِ متمثلاً بملتقى النص، فضلاً عن الاهتمامِ بأبعاد التخاطبِ لتحقيقِ بنيةِ منسجمةٍ ، متفاعلةٍ تقوم بفكِّ شيفراتِ النصِّ ، وملءِ الفراغاتِ ، والتفاعلِ في البناءِ لإنتاجِ الدلالةِ وتجسيدِ المعنى ببعده الجمالي .
إنَّ محاولةِ التعمقِ في هذه الرحلةِ ، والغوصَ في متونِ تجربتها ، ولاسيما في التأملِ لجمالياتِ التلقي من الناحية النظرية ، إما في الممارسةِ التطبيقيةِ حيث يظهر انعكاسُ ، وصعوبةُ التعاملِ مع تلك الآراءِ التطبيقيةِ وفق محاولةِ إتباعِ أسلوبِ السهلِ الممتنعِ .
وفي وقفةٍ تأمليةٍ مع الروايةِ ، والرؤية التنبؤية للواقع مع أفق التوقعِ ، والزمان ، والمكانِ ، فقد فرضت الطبيعةُ أن يكونَ منهجُ المعالجةِ قائماً على تمثيلٍ وظيفيٍّ ، تشتركُ في صناعتهِ مجموعةُ أدواتٍ إجرائيةٍ للمساعدةِ في هدمِ البناءِ الجمالي للخطابِ ، وعلى الرغمِ من أنَّ لكلِّ منهجٍ أدواته التي تجعله مستقلاً بذاته ، فكلُّ نظريةٍ هي امتدادٌ لنظرياتٍ سابقةٍ بحيث تجمعُ بين المنهجِ التاريخي ، والمنهج الاستقرائي التحليلي ، ونظرية التلقي ، والاعتماد على البنيةِ النصيةِ الكُليةِ ، والجزئية مع وجودٍ مفارقةٍ بين العنوانِ والمحتوى ، بحيث قُسِّمَ الجانبُ التطبيق إلى مستويين من التلقي : الأول بنية شمولية ، والثاني بنية جزئية.
إنَّ الحركةَ النقدية متأثرةٌ بفلسفاتٍ عميقةٍ نتجَ عنها مناهجَ نقديةٍ بُنيت على تلك الرؤى, والمقولات الفلسفية، وفهم المناهج النقدية يتطلب فهم تلك الرؤى أو النظريات بوصفها هي التي أسست وأنتجت تلك المناهج النقدية ، فنحن حين نقول لا بدَّ للمنهجِ من رؤيةٍ ، ولا بد للرؤيةِ من منهجٍ ، فهذا القولُ يكشفُ عن مدى التداخلِ بين الرؤيةِ والمنهجِ ، لا تداخلَ الخلطِ بينهما بوصفِهما مترادفين ، بل هو تداخلَ السببِ مع النتيجةِ، والذي يستوجبُ فهمَ وإدراكَ كلٍّ منهما ، لأنَّ أيَّ جهدٍ نقدي يفتقدُ لأَحدهما ، لا يمكن أن يؤسِسَ تقاليد نقدية ، كما أنَّ كلَّ اختلافٍ في الرؤيةِ يستدعي تغييراً في الوسائلِ ، والأَدوات المنهجية ، لأَنَّ الرؤيةَ هي التي تؤطرُ المنهجَ ، والمنهجُ مستخلصٌ من آفاقِ تلك الرؤيةِ ، إذ لا بدَّ مع كلِّ منهجٍ أَن يكونَ هناك تناسقٍ ، وانسجامٍ بين ثلاثةِ عناصرٍ هي :
- الأدوات الإجرائية
- والأَسس النظرية للمنهج
- وموضوع الدراسة .
وهنا لا بدَّ من طرحِ عدةِ تساؤلاتٍ تُعدُّ ذاتِ أهميةٍ حول هذا الكتاب :
- هل النصُ الأدبي ملائم لتطبيق نظرية ما ؟
- ما الثابت والمتغير في المتن وفق الدائرة التأويلية لإنتاج المعنى ؟
- ما الآليات الإجرائية للخطاب، وكيف يمكن للمتلقي الإفادة منها في إنتاج المعنى ؟
- هل وظف الكاتب المتن من اجل كسب المتلقي واستقطابه ؟
- وهنا يأتي السؤال عن منهج نقد النقد, وهل هو منهجُ ناقد الإبداع نفسه؟ بعبارةٍ أخرى هل يحق لناقد النقد الاعتماد على المناهج المتعددة والمستعملة في النقد كالمنهج النفسي ، والاجتماعي ، والسيميائي وغيرها ؟ أم أنَّ له منهجاً آخر ينبغي إتباعه وقت ممارسته ؟
أضف تعليق