كناية/ مساحة للحلم وأفق للحقيقة- مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة، تعنى بالخيال والحرية والحداثة والتجريب- رئيس التحرير: حكمت الحاج

أحمد بن زايد


قراءة في “ظمأ شديد وجنون” للكاتب التونسي فتحي رَحْماني


تقديم
منذ أن كتب درويش نصّه (الجميلات هنّ الجميلات) خرج “الغزل” في الشعر العربي من ثوب وصف المرأة إلى وصف الجمال وتحوّل من النّظر إلى الرؤيا. لقد أخْرجَنا الشّعر هنا من أزمة الغرض كما أخرجنا الإبداع (شعرا ورواية ومسرحا) هناك من المأزق الأجناسيّ في الكتابة.
فنحن نعايش منذ عقود مشكلة أدبيّة، فنيّة تمثلت في التصنيف الأجناسي للخطاب الأدبي وفي تعريف حقيقة الأديب في مقارنة بالعالم أو بالفيلسوف مثلا. فكان ملاذُ النّصّ ممّا احتمى به النقاد والمفكّرون وإن كانت ماهيّته غامضة وحدوده رجراجة. وتحول اهتمامنا من وضع النّصّ في إطاره الأجناسيّ إلى تلمس جماليته.
ونحن نقترب من كتاب الرحماني تنصرف أذهاننا الى النّصّ باعتباره كيانا لغويّا، فنسأل عن ماهيته ونتلمّس ما يمكن أن يكون فيه من الخصائص حتى يجعل منه الكاتب هويّة لمكْتُوبه. وبصدد هذا نقف أمام تشعّب التعامل مع النّصّ مفهوما قبل أن ندْركَه فعلاً بالكتابة أو القول. يلْتبس النّصّ في مساراته الاصطلاحية والمفهومية بالخطاب فنجد كثيرا من الباحثين يجعل النّصّ والخطاب واحدا وإن كان “بول ريكور” قد جعل النّصّ مخصوصا بالكتابة والخطاب متعلقا بالمشافهة. ولكننا نسأل مرة أخرى هل أنّ النّصّ الشفويّ المنطوق إذا تحوّل كتابة يبقى خطابا أم أنّه يفقد هذه الهويّة الخطابيّة ليمْتلك أخرى هي النّصّ أو النّصّيّة. وهل أنّ خطابا مكتوبا يمكن أن يكون كذلك دون أن يكون منطوقا وإنْ كان النطق في الذهن أو النفس.
1_ عن النّصّ
النصّ في حقيقته كائن موجود بالقوة وبالفعل دون أنْ نجد له صورة متحققة تدل على كيانه المكتمل والنهائي.فيكون كما وصفه رولان بارط: قوّة متحولة تتجاوز ظاهرة الإخبار والمراتب المتعارف عليها لتصبح واقعا نقيضا يقاوم الحدود، وقواعد المعقول والمفهوم” أويكون كما يقول ميشال ادام: إنّ النّصّ موضوع نظريّة عامّة لتنظيم الوحدات في خضم مسار لساني معقد إلى حدّ ما. هذا الموضوع المجرد كان موضوع نحو النّصّ ويبقى في مظهر ابستيمولوجي آخر موضوع اللسانيات النّصّية.
كفّ النّصّ مع الحداثة وما بعدها عن أنْ يكون مجموعة من الجمل التي تترابط نحويا ومنطقيا ليتحول إلى ظاهرة لسانية تنتمي إلى ما سماه سوسير ثنائية اللغة/ الكلام .فاعتبر بذلك نسجا أو نسيجا (او بناء / بنية أو جهازا ونظاما) وأخذ من اللسانيات مفهومي المحور التركيبي والمحور الاستبدالي (باختلاف التسميات). وهذان مفهومان لسانيان متعلقان أساسا بنحو الجملة ،وقد وقع سحبهما على النّصّ في حركة استرسال بين مكونات لغوية قد تتشابه وقد تختلف. فالجملة قد تكون نصا إذا خرجت من حيّز التجريد النحْوي إلى عالم التعجيم اللغوي الدلالي بل إنّ جملة ما قد تحتوي نصا فيكون أحد عناصرها ( نص مقول القول ). وفي هذا يقول تودوروف:” إنّ النّصّ لايستقر في نفس مستوى الجملة، فدلالته قد تحيل على جملة أو مؤَلَّف كامِل. إنّه يتحدّد باستقلاليته وانْغِلاقه.”
إنّ اعتبار النّصّ نسيجا أو نسجا بالكلمات أو الجمل أو ما فوقها، يجعله لُحْمة وسَدًى. فالمحور التركيبي لُحْمته والمحور الاستبدالي سَدَاه. ويمكننا أن نتعمق الاستعارة (وهي معجمية عند الغربيين ونقدية عند العرب القدامى) فنجعل اللّحْمة في التركيب للكاتب والسّدى في الاستبدال للقارئ فهو الذي يعطي النّصّ صورة غير التي وضعها المؤلّف سواء باستكشاف بنياته أو باستخراج معانيه. هذا التعريف للنصّ يجعله بين قوّتين متصارعتيْن: قوة المنشئ الأوّل (الكاتب) وقوة نافخ الروح (القارئ). فكانت نظريّة موت المؤلّف حدّا من طغيان انغلاق النّصّ على معنى أوحد “أراده” المؤلّف وما على القارئ إلاّ أن يتلمّسه في كل ما يكون للنصّ ويعطيه هويته.
كانت نظريّة التّلقي/ القراءة التي جعلت النّصّ أكبر وأوسع من مجرد إنجاز المؤلّف فقرنته بكفايات القارئ نموذجيّا كان أو عاديا. فليس النّصّ حقيقة ثابتة عند نقاده والمنظرين له بل هو إنتاج مشترك بين كاتبه وقارئه بل إنّ كاتبه يكتفي بفعل الكتابة ويغيب عن المشهد كالإله الذي خلق الإنسان وأناط به مصيره وأفعاله وحياته ثُمّ اختفى. أمّا النّصّ بين يدي القارئ فإنّه حرّ من كلّ قيْد، وليس للقارئ إلاّ أنْ يعيد إنتاج النّصّوص المُمْكنة الثّاويَة خلف المظهر النّصّيّ الأوّل. وهذه الممكنات في النّصّ تتلخّص (حسب جينات وقد وسع رؤية كريستيفا) في خمسة مفاتيح هي كَوْن النّصّ:
_ ممارسة دالة، تتداخل فيها الذات واللآخر والفردي والاجتماعي والثقافي.
_إنتاجية، يلتقي على مسرحها الكاتب والقارئ للتلاعب بالكلمات والبُنى والمكوّنات
_ تدليلا، تتعدّد معانيه فيؤسّسه الكاتب ويقتحمه القارئ ،ولكلّ منهما، أدواته لبناء الدلالة.
_ ظاهرا ومُوَلِّدا، هو سطح لفظي مادي محسوس يتم استكشافه بوصفه صوتيا وتركيبيا ودلاليا وهو مولّد وفق عمليات منطقية خاصة تكون موضوع التلفظ وتكشف خبايا النّصّ ومولّداته اللغويّة.
_ تَنَاصًّا، يحاور غيره من النّصّوص وبذلك يحقق انفتاحه على عوالم دلالية مختلفة.
إن النّصّ النّسيج والنّص الدّلالات أو البنى يجد مستقره الذهني في صورة النّصّوص التي سبقته والتي يتفاعل معها ليَبْنِيَ هويّته .فهو ليْس مجرّد متتالية من الجمل بينها روابط نحوية ومنطقيّة، وليس مجرد فعاليات دلالية تنسجم وتتناسق بل هو صورة ذهنيّة تتحقّق من خلال ارتباطه بنصوص تشبهه أو تتمايز عنه وتختلف شكلا ًومعنًى وصورةً وقصدًا.لذلك كانالتّناصّ أهم ميزة جعلت النّصّ جهازا مفهوميا من جهة وفاعليّة دلاليةّ من جهة أخرى.فتتمازج فيه قيم اللغة بِبِنْياتها المتنوّعة ،ودلالة النّصّية بمكوّناتها المختلفة (الترابط والتناسق والتتالي و…).
قد يكون التّناصّ مفهوما حديثا أومعاصرا ولكنّه حالة تواجدت مع النّصّ فأقْدم تصنيفٍ للنصوص أَقَرَّ بتفاعل النّصّ مع أشْباهه وتمايزه عن أضداده. فمع أرسطو كان النّصّ (النصّ الأدبيّ) هو ماوقع تحْت عنوان من العناوين الأجناسيّة (الكوميديا التراجيديا والملحمة). ولم يمنع هذا التمييز من حُدُوث تداخل بين الأنواع كحضور الشعريّة في الملحمة وتقاطع المأساة مع الملهاة. وتواصل هذا إلى عهود قريبة فكان لكلّ جنس من النّصّوص معاييره التي تربطه بأشباهه. ونجد عند ابن خلدون في مقدمته إلْماعاتٍ لطيفةً إلى ارتباط النّصّ بمناويل تتشابه وتتقاطع في خصائص تحصلها الَمَلَكة خِلال تعاملها مع النّصّوص قراءةً وحفظا. يقول في فصل ” في علوم اللسان:”حصول مَلَكة اللسان العربي إنّما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرْتَسِم في خَيَاله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم. فينسج عليه هو. ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عبارتهم في كلامهم (فصل 41). ويقول في الفصل (46) : والَمَلَكات اللسانيّة كلّها إنّما تُكْتسب بالصناعة والارتياض” ثم يؤكّد ذلك في نظم الشعر فيقول: “ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصِر رديء ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلاّ كثرة المحفوظ.. ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القَرِيحة للنّسج على المنوال يقبل على النَّظْم بالإكثار منه فتَسْتَحكم مَلَكَته وترسخ. وربما يقال أن من شرطه نسْيان ذلك المحفوظ لتمحي رُسُومُه الحرفية الظاهرةُ إذْ هي صادرة عن استعمالها بعينها فإذا نسِيَها وقد تكيّفت النفس بها انْتَقَش الأُسلوب فيها كأنّه منوال يؤخذ بالنّسْج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورةً”. إنّنا مع ابن خلدون نكاد نقف أمام بارط في النّصّ ّالظّاهر والنص المُولّد، وفي ما ميّز به النّصّ من خاصيّةالتّناصّ تراسلا منظورا أو غيرَ منْظورٍ مع غيره من النّصّوص. فالتّناصّ هو أوّل خاصية تُوَلّد النّصّ وهي التي تعطيه ملامحه الدلالية والأصنافيّة.
إنّ النّصّ بماهو بناء لغوي من جمل ومافوقها، وبما هو جهاز عابر للسان بكلّ مكوناته.وبما هو ممارسة مُرَكّبة، يتطلّب الإمساكُ بخصائصها الجمعَ بين رؤيتين: داخلية (نسقيّة) تهتمّ بالمكوّنات النّصّيّة والأدبيّة (في النّصّ الأدبي) وخارجيّة (سياقيّة) تهتمّ ببيئة النّصّ ومحيطه الثقافيّ والنصيّ. وهذا التعامل مع النّصّ يَعْتمد أوّلاً على ما فيه من الظواهر اللسانيّة والبنيويّة. وثانيا على مضامينه التواصليّة المحْكومة بشروط النّصّيّة كالاتّساق والانسجام والقصديّة والسّياق والتناصّيّة
وسنركز بحثنا في نصوص الرحماني على مظاهر التّناصّ أو بعبارة أكثر دقّة وظيفة الحضور النّصّيّ والتّناصّيّ داخل ظمأ شديد وجنون.
2_ في التّناصّ
يميل النّظر المنطقيّ المتعقّل للأحداث والظواهر إلى ربط كلّ الموجودات بأسبابها وعِلَلِها وذلك لاستحالة عقليّة في أن تكون طَفْرة غير مسبوقة أو معجزة خارقة للقوانين العامّة. لذلك لا نجد من النقاد من يرى أن جنسا من النّصّوص أو نمطا منها قد ظهر دون سابقٍ مُمَهِّد ولاحقٍ مُقلِّدٍ. لذلك يمكن أنْ نقول بنوع من الوثوق أنّ نصّا ما هو إعادةُ كتابةٍ لآخر حاضرٍ أو غائبٍ . فنجد في تعريف النّصّ أنّه:” وحدة كبرى شاملة تتكوّن من أجزاء مختلفة تقع على مستوى أفقيّ من الناحية النحويّة وعلى مستوى عمودي من الناحية الدلاليّة” وهو “وحدة كبرى لا تتضمنها وحدة أكبر منها”، وأنّ “مكوناته السطحية تمثّل علامات لغويّة تربطها علاقات نحويّة لتشكيل المعنى” وأنّ “مكوناته العميقة تمثل تصورات تربطها علاقات دلاليّة وتحتاج معرفة واسعة” وفي هذا اقرار بأنّ النّصّ وحدة لها خصائصها التي تجعلها ضمن غيرها من الوحدات (كالجملة أو الفقرة أو القطعة)، وأنّه ليس شكلا مجرَّدا لعلاقات أفقيّة داخليا بل له علاقاته العميقة التي تربط أجزاءه الدلالية خارجيا، والتي تفتحه على غيره من الوحدات النّصّيّة الشبيهة . فينكشف التّناصّ في مظهرين أساسيين من الكتابة: الأوّل يترجمه مفهوم الأَطْراس أو الطُّرُوس كما حدّدها جيرار جينات والثاني هو مفهوم “جامع النّصّ” أو “النصّ الجامع” الذي منه تتولّد كلّ النّصّوص. فأمّا الأطراس ففي ما يحمله النّصّ من المضامين و المواضيع وأمّا النّصّ الجامِع فهو ما به يكون النّصّ نصًّا مُنْتَمِيا إلى الوحدة اللّغويّة الَمُسَمّاة بإطلاقٍ (النّصّ)، بعيدا عن مقولات التّصْنيف والتّجنيس.
هذا النّصّ الذي تتشكّل عناصره من مادّة اللغة بوجهيْها، الألفاظ والأفكار، تعرّفه جوليا كريستفا بالقول :”النص جهاز عبْر- لساني يعيد توزيع نظام اللسان بواسطة الربط بين كلام تواصليّ يهدف إلى الإخبار المباشر وبين أنماط عديدة من الملفوظات السابقة عليه أو المتزامنة معه. فالنص إذن إنتاجيّة، وهو ما يعني:
أ‌) أنّ علاقته باللّسان تتمَوْقع داخلَه وهي علاقةُ إعادة إنتاج (صادمة وبنّاءة). لذلك فهو قابلٌ للتناول عبر المقولات المنطقيّة لا عبر المقولات اللسانيّة الخالصة.
ب‌) أنّه ترحال نصوصٍ وتداخلٌ نصيّ. ففي فضاء نصّ معيّن تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى”.
استمدت كريستفا هذا المصطلح من حواريّة باختين التي تجعل النّصّ في تعالُقٍ مع نصوص أخرى يحاورها ويأخذ عنها / منها ويختلف عنها . وقد طَوّرت مفهومالتّناصّ حتى غدا أداة نقديّة وقرائيّة تميّز النّصّ الأدبيّ وتعطيه هُويّته وبُعْده التواصلي وإشعاعه الدلاليّ. كان مفهوم الحواريّة عند باختين الأصل الذي تناسل منهالتّناصّ عند كريستفا كما كان التّناصّ سبيلا لكي يطور جينات المصطلح إلى مرقى جديد هو الأطراس. فكان الأطراسُ أو الطّروسُ الكتابَ الذي وضعه جينات ليجعل من التّناصّ عنصرا ضمن عناصر تشتغل في النّصّ سمّاها المتعاليات النّصّيّة. فإنّ هذا العنوان الاستعاري يَقْصد به الكاتب “النص المتفرع Hypértexte” أو كما ورد في العنوان الفرعيّ للكتاب توضيحا لذلك: “الأدب في الدرجة الثانية”. وقد قسم جينات ما كان يعرف بالتناص إلى خمْسة أقْسام هي:
1_التّناصّ: حضور نصّ داخل نصّ عبر الاستشهاد أو السرقة أو التلميح
2_ المناص: عتبات النّصّ من العنوان وصورة الغلاف وصولا إلى مسْودّات النّصّ وتصاميمه
3_ الميتا نصّ: التفسير والتعليق في نصّ دون أنْ يكون استشهادا
4_ معماريّة النّصّ: نوع النّصّ ونسبته إلى جنس
5_ التعلق النّصّيّ (دَرَسه في أطراس)وهو علاقة بين نصين سابق hypotexte وماثل hyprertexte.
وقد عرف التعلّق النّصّيّ في القاموس الموسوعيّ “Hachette : Grand Dictionnaire Encyclopédique” مادة “hypertexte” بما يلي: مجموع نصوص تظهر دفعة واحدة على الشاشة ولكنها صادرة عن فضاءات مختلفة للذاكرة) . فالتناصّ بهذا -واعيا او غير واع- هو من نشاط الكاتب والقارئ ومن إنتاجيّة النّصّ في تفاعل الطرفين وهما يمارسانه ويقرآنه. لقد جعل جينات منالتّناصّ كما وضعته كريستفا تطويرا لحوارية باختين مفهوما عابرا للنص وجددا لقراءته وكتابته.
ويقول بارت في هسهسة اللغة: “إنّ للنصوص قدرة كبيرة على امتصاص نصوص اخرى وتحويلها وتفعيلها مما يجعلها مفتوحة تتزاوج فيها كتابات مختلفة وتتنازع دون أن تكون منها أصْليا. فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألْف بؤرة من بؤر الثقافة” . أمّا محمد مفتاح فيرى “أن التّناصّ هو تعالق نصوص مع نصّ، حدث بكيفيات مختلفة” فالنص في كل هذه التعريفات هو لقاء نصوص وهو إنتاجية كما أنّه جسد مفتوح على العالم وخاصة على عوالم النّصّوص المشابهة و القريبة .وهو مع ذلك بنية تحتوي العالَم بشِقَّيْه الواقعيّ والمُمْكن أو بوجهَيْه الحدثيّ والنصيّ.
قد يكون ما يسمّى تناصا قريبا من كثير من المفاهيم النقديةّ والبلاغيّة القديمة ك”التّضْمين والاقتباس والسّرقة والمعارضة” إلّا أنّ مفهوم النّصّ يختلف اختلافا كُلّيا بين الرُّؤْيتيْن. ففي حين تكون المفاهيم البلاغيّة والنقديّة ظاهرة استعماليّة تَزين النّصّ أو تَشينه، فإنّالتّناصّ مع السيميائيّة جزء من هويّة النّصّ في كلّ أحواله بل لعلهّ منها يستمدّ هويّته الأجناسيّة أو الخطابيّة فيكون من الأدب أوغيره.
ويحدّد ّمعجم المصطلحات الأساسيّة في لسانيّات النّصّ”التّناصّ بكونه:”عملُ تحويلٍ وتَشَرُّبٍ (استيعاب وتمثّل) لعدّة نصوصٍ يقوم به نصّ مركزيّ يحتفظ بمركز الصّدارة في المعنى. فالتناصّ يتضمّن العلاقات بين نصّ ما ونصوص أخرى مرتبطة به وقعت في حدود تجربة سابقة”. النّصّ بكل ما فيه من التعقيد والخداع كينونة موجودة وجودا شبه بديهي دون أن تخضع لمعايير محدّدة كمية أونوعيّة. والنصّ مفهوم مُخْترِق لكلّ للتصنيفات متجاوزٌ لها ومتحدٍّ للمقولات الأجناسيّة. يكون النّصّ نصّا ويبقى كذلك مهما اختلفت حوله التصنيفات. فمقامات الهمذاني نصّ أونصوص رغم الاختلاف في تصنيفها،قصة قصيرة أومقامة أونادرة.وحدث أبو هريرة قال نصّ للمسعدي رغم اضطراب الهوية الأجناسيّة بين الرواية والأخبار والقصص. كما أنّ رسالة الغفران نصّ للمعري رغم أنّ اسم الرسالة غالب عليه ورغم أن البعض يراها محاولة نقدية أو قصة دينية أو نصّا مسرحيا أوردّا كلاميّا في العقائد.ولكنّ هذه النّصّوص رغم اضطراب هويتها الأجناسية تتعالق مع نصوص أخرى فنص المسعدي على صلة بالخبر في الأدب ونصوص الهمذاني حضرت بعده في مقامات الحرير وفي كتاب المويلحي اأّما رسالة الغفران فهي نصّ تخييلي نشأ من نص رسالة ابن القارح الإخوانيّة ويتعلّق بصورة الجنّة مدمجةً في مواقف النقاد العرب القدامى من الظاهرة الشعريّة.
3_ ظمأ شديد وجنون: بين النّصّ الماثل والنصّ الغائب
في نفس هذا الإطار تتنزل نصوص فتحي الرّحمانيّ “ظمأ شديد وجنون” ليست النّصّوص من جنس القصة ولا هي من مراتب المقال ولا الخاطرة. إنّها نصّ أو نصوصٌ وحسْب. نصوصٌ لا تَحُدّها معايير ولا تضبطها أُطرٌ. فيها من كلّ جنْس ومن كلّ نوع، ولكنها تبقى نصوصا موسومة بالقصر.
نصوص قصيرة هكذا نعَت/ وصَف الرّحمانيّ مؤلَّفه.وليس لنا أن نرفض الاسم والصفة وإن كان النقاش حولهما ممْكِنا متاحا. ولكنّ ما قاله المؤلّف وما قد يُقال بَعْده يقف أمام تصنيف النّصّ/ النّصّوص صامتا فهو الحقيقة الجامعة.
نصوص الرّحمانيّ تنوعت فجمعت القصصي والنقديّ والتأمليّ والفلسفيّ. ولكنّها نصوصٌ تكشف وَلَعًا بالنصّ وارتواءً من شبكة متداخلة الخيوط، عيونها نصوص العربيّة. فهو يمْتَح من النّصّ القرآني بعذوبته وإعجازه البيانيّ، كما يسِتمدّ بعض لغته وأسْلوبه من أمّهات النّصّوص وأئمة الكُتّاب ،من الجاحظ والتوحيدي وأبي نواس إلى بكّار والمسعدي والسّياب ودرويش وغيرهم. كما يتّكِئ في أحيان كثيرة على أعْلام الأدب العالمي مثل :كويلهو الذي صدّر به القسم الأوّل من المؤلّف أوماركيز الذي اسْتَعار منه عنوان نصّه “دمنة في متاهته” .أو أخيل بطل الملْحَمَة إذ جعله محور دلالة في نصّه (كعب أخيل- ص52).
ليس أخيل مجرّد اسم يحضر.بل هو نص يستحضره الكاتب وقصّة يلمّح إليها ويسْتَعيدها فيفْهمَ من خلالها ذاته والعالم. إنّه النّصّ الذي ترَكَّز في مخيّلة العالَم فأصبح العَلَم دالاّ عليه وصارت أحداثه غير ذات قيمة واقعيّة ولكنّها تحوّلت اإلى نصّ نحيا به ويحيا فينا أو من خِلالنا . نصّ يستعيده الرحماني فيكون تحدّيا للأقدار في ملحمة تتجاوز مأساةَ البطل القديم وتجُدّد صراع الإنسان مع الزمن والموت بغاية الخلود. لا تحضر أحداث الأسطورة في النّصّ بذاتها وتفاصيلها ولكنّها تتحوّل إلى روح يتشرّبها النّصّ فيكون بوجهيْن: وجه مكْشوف هو أنا الكاتب السّارد ووجه خفيّ غائب متوارٍ خلْف الاسم العَلَم “أخيل” ،وهو بوجهيْه يُخاتِل القارئ والكاتب معًا.فلا الكاتب كَتَب قصّة “أخيل” من جديد، ولا القارئ يقرؤها. بل هما بين الوجهيّن في نَوَسانٍ لا تحدثه إلا الخمرة وبهجتها والنص ولذّته فهي فيه كَدَبِيب البُرْء في السَّقم.
3_أ) العنوان والفهرس وما بينهما
• العنوان يسمّي المؤلّف بكل تفاصيله فليس بين دفّتي الورق غيرُ ظمأ يدفع الكاتب إلى الكتابة وإلى جنون في تفاصيل الكتابة. ظمأُ أن تَكتب وأن يتحرّش القلم بالورقة. وجنون في تفاصيل التحرش.نصوصٌ تتصارع وتتلاءم فتتوافق أوتَتَنابَذ. هكذا يرى الرّحمانيّ الكتابة والنصّ.أن تَكْتب قصّة أو خاطرة أو فكرة فلسفية أو تأملاتٍ روحيّةً أو ذكرياتٍ مؤلمةً فأنت تمارس ظمأً إلى أنْ تقول شيئا مَهْما بدا بسيطا أو حتى تافها.
الظّمأ الشّديد إلى الكتابة وممارسَة طقوس الجنون فيها يُترْجِم بأمانة ما يمكن أنْ نقرأه .الظمأُ ليس المآل إنّه المصدر والمنْهَل الدافع والسبب. يشعر الكاتب بالظّمأ فيكتب ليرويَ عطشا ويظْمأ القارئ فيُقْبل على النّصّ يروي رغبة في المعرفة. كتب الدكتور رضا الأبيض في تقديمه المركّز ( القصير) للنّصوص ” ككلّ مسيرة يكون الظمأ أوّل المشوار” ويكون الجنون “أوّل الارتواء”
أن تكتب يعني تقريبا أن تَنْهل من النّصّوص ومن اللغة وألعابها الباهرة .أيْ أنْ تقتل عطشا يستبد بك وشبيهه فعل القراءة يطفئ ظمأ القارئ الى المعرفة.
فعند العودة إلى المعجم نجد الظّمأ يحيل إلى معنيين معنى العطش ومعنى الوِرْد. فالظِّمْي موعد وُرُود الماء بعد ظمأ. والظمْي أيضا ترقّب لإنهاء العطش. كما أنّنا إن جعلنا النّصّوص سردا لتجربة ورواية لمغامرة وقصّا لبعض أحداث الحياة، واجدون في ما كتب الرّحمانيّ شيئا من روايةِ عطشٍ إلى “سقيا وريا” (على غير الدعاء). الرواية بحث عن ارتواء على ماء مفقود. والقصّ تتبع لأثرِ ما في النفس بوْحا عند الكاتب ومشاركة عند القارئ. ففي تعطّش الكاتب للبوح ارتواء عند الكتابة وفي بحث القارئ عن منهل يشابهه ارتواء عند القراءة.
وأنْ يستهلّ الرحماني نصوصه في الظمأ والجنون بالحبّ وما جاوره فليس إلاّ استعادة للحبّ في الألفة والتّعلق عند العرب. فهو في النهاية نوع من الموت أو سبيل إليها ألم يَمُت كثير من العشّاق بسبب الحبّ ظمأً إلى اللقاء وسعيا إلى وصل الحبيبة القمر التي يريد مجاورتها فلا تسعفه اللغة ولا الأيّام. إنّ الظما والجنون وجهان للحب وللموت للموت. أليْس في غزلنا قول الأقرع بن معاذ (شاعر إسلامي) :


وما حائمات حمن يوما وليلة على الماء يغشين العِصيّ حواني
رين حباب الماء والموت دونه وهن بابصار اليه رَوَانِ
لوائب لا يَصْدُرْن عنه لوِجْهة ولا هنّ من بَرْد الحياض دَوان
بأكثر مني غُلَّة وصَبابة إليكِ ولكنّ العَدُوّ عَدَاني
وهي عند جميل بن معمر:
وما صاديات حُمْهنَ يوما وليلة على الماء يَغْشين العِصيّ حَوَان
لَواغِبُ لايَصْدُرْن عنه لوِجْهَة ولا هنّ من بَرْد الحِياض دَوان
يَرَيْن حَباب الماء والموت دونَه فهنّ لأصوات السّقاة رَوان
باكثر منّي غُلّة وصَبابة إليك ولكنّ العَدُوّ عَدَاني


… تتحول الصورة الحسية في الغزل إلى نوع من التّسَامي الروحي عندما يربط الرحماني الحبّ بالتصوّف لا بالتجربة العاطفية “الاجتماعية”. فيصبح الحب رغبة في السمو نحو الروح الكُليّة عُروجا إلى الجوهر الأوّل حيث يفنى الجسد فتتحرّر الروح لتذوب في روح الكوْن أو الإله ويكون الوصول والحلول. وليس له أسهل من الموت سبيلا ووسيلة .وهذا التسامي تعليق للنص بعالمه القَصِيّ، أثَر طِرْس قديم تكاد كتابته تمحي ولكنّه في الروح ظاهر كالطّلل في عيني عاشق قديم.
• الفهرسُ عتبةً تناصيةً
الفهرس أو الفهرست جسم داخل جسم إنّه خريطة النّصّ الأكبر، النّصّ المبدَع.فهو الذي يجدد مساراته وخُطاطة وضعه وقراءته كما أرادها الكاتب، ويُظْهر ترتيب النّصّوص /الأفكار كما ارتآها.والفهرس يقسم الكتاب إلى قسمين متناظرين لكلّ عنوانه ومداليله.
الحبّ وما جاوره أو القسم الأوّل من النّصّ الأكبر ،مستقل بذاته، فيه التصدير والفاتحة ومداخله العتبات واضحة . أمّا محتواه فألْبسه الكاتب من الأسماء ما يَلْتبس على القارئ. فكلّها عن الغائب أو البعيد أو المحال كالحب تماما. إلاّ ما كان من نص وحيد تتجلى فيه الأنا بكلّ نرجسيتها ولكنها متوحدة بعيدة عن ذلك الآخر الغريب. تظهر الأنا متضخمة رغم انكسارها وقد ارتبط بها التّوحّد حتى صارت تتحدث عن ذاتها مخاطَبَةً (كم كنت وحدك) يا أنا. هذه الأنا المتوحِّدة تعيدنا إلى “تدبير المتوحّد” في ذلك الإهداء الشّفيف حيث يكون التّوحد فلسفة وتأمّلا في الوجود وفي المصير.
ليس بين العناوين إلاّ انها متجاورة في النّصّ الأكبر /الكتاب ( العمل بالمفهوم البارتي) أومتنافذة مع الظمأ والجنون وهو إطار خارجيّ ومع الإطار الداخلي الذي هو الحب وما جاوره من اللواعج والعواطف والاهواء.
القسم الثاني عنوانه مستمد من النّصّ الأوّل فيه. فهو الأوّل رتبة أو هو أم الباب (كما يقول النحاة). تصديره فتْح لقولٍ عن كلاب الحراسة بصورة ذلك الكلب الأسطوري.الكلب سليل الذئب الذي يستعيد قصة أنسنته ثم تاريخ توحشه القديم ليكون ذئبا لأخيه الإنسان. بقية العناوين إشارات إلى النّصّوص وفيها معنى الكلبية. فالنمرود كلب مصاب بسعار الحرب. والنقد نهش لجسد النّصّ والمبدع ودمنة ابن آوى الخرافي يفقد خصوصياته في السجن ليقتحم عليه الكاتب خلوة تناساها نصّ قديم. البلاتوات نباح وعواء وزئيرُ هرٍّ يُحاكي صولات أسُود في واقع كِلابيّ (بالتونسي عيشة كلاب). حتى النعوشة الخرافية تحولت الى صورة ماثلة لتكالب على الضعفاء فلا يحميهم إلاّ غربال لا نعرف إنْ كان نقديّا كغربال نعيمة أو أنّه سخرية لاذعة من حامٍ لا يحمي شيئا (مخبي عين الشمس بالغربال). السين والجيم والنسيان والظلام كلها صورة من تكالب الإنسان على أخيه الانسان، وصورة من الكلبية في تمام فتْكِها وقتلها. كلاب الحراسة في كلّ هذا نُقّاد وأنصار ومخبِرون و”قوّادة” وظَلَمة وعملاء. كلهم يعمل في ظلام يلفّه نسيانٌ بعيد ويَضَعهم الكاتب تحت ضوء نصّه. والنصوص التي يمتح منها شعرا وأسطورة وخرافة وواقعا مُرّا مرارة حياة كلب فَقَد ذئبيّته فلا يسترجِعها إلاّ مع اكتمال القمر نصا .

4_ ملامح الأطْراس القديمة /الجديدة
4_1 _ التّناصّ محْوًا وتحْويلا
النصوص في مؤلَّف الرحماني جرعات من كلّ فنّ فمنها التّخْيٍيليّ ومنها التّحْليلي ومنها المباشر شبيه المقال الصحفي (في لغة تنأى عن لغة الجرائد السّيّارة) منها الأدبيّ بشِعريتّه وشاعريّته.
فمن التحليلي نجد نصّ “نعوشة” وهو متعلق بحدث مأْسأوِيّ عاشته البلد. ولكنّ الكاتب حوّل وجهة الخبر من عالم الإخبار والإعلام الصحفيين إلى عالم الأسطورة والخرافة لينشئ بدل المقال الصحفيّ نصّا أدبيّا ساحرا بمعانية ورموزه ساخرا بأسلوبه ومنهجه. نص يتقاطع مع خرافة بعيدة سكنت وجْدان الأمهات عقيدة وأذهان اطفالهن تمثيلا، والكاتب يستعيدها ليصوّر بسخرية لاذعة حالا عشناه في حاضرنا الآسِن حيث تعود النعوشة في صورة أخرى فتنقلب العوالم رأسا على عَقِب. فبعد أن كان النّصّ (خرافة النعوشة) يفسّر أحداث الكون والحياة تحوّلت الحياة إلى صورة من تلك الأسطورة البعيدة. فلا واقع إلاّ النّصّ يستعيد حياته في واقع قد لا يقبله ولكنه يبرهن عليه. ف”النعوشة” خرافةُ حدْسٍ لما قد يَطالنا من الأذى وهي بيننا في صورها المختلفة مهْما حاولنا أنْ نزيّف الواقع أنْ نغطيَه . نصّ “نعوشة” سخرية مُرّة ونقد جارح للإنسان يعود إلى وحشيته القديمة حيوانيّته الأول ليحقّق فينا أساطير الأوّلين.
ومن التحليليّ الناقد أيضا ذلك النّصّ “الطّويل” في المجموعة “كلاب الحراسة” (ص64_ص 79) نصّ نقدي بامتياز. نصّ يبحث في قضية كونية هي قضية الموت التي رافقت طغيان العقل البشري فمن موت الإله عند نيتشه، إلى موت الشاعر عند أعداء الرومنطيقية من الكلاسيكيين والواقعيين، إلى موت المؤلّف عند بارط والبنيويين. الكاتب ميّت لا محالة في نصه. موته رمزي, ولكنّه موت. وهو إن عاش بعد ذلك فعلى ضفافه غريبا يتحدث عنه ويدور حوله دون أن يكون قادرا على اقتحامه كما يفعل كلاب الحراسة من سدنة معبد النّصّوص نقادا وناشرين وقارئين وغيرهم. ونفس الإحساس يترجم في نصّ آخر بشكل سردي رمزي بسيط تحت عنوان “نقد” (ص91). نفس النّصّ نجد له صدى مع نص اخر في الكتاب غواية السرد (ص15) . المؤلّف السارد والكاتب نهْشٌ لكلاب الحراسة من النقاد ومن العسس ومن الطامعين وخدم السلطان . في النّصّ يحوّل الرحماني عنوان كتاب لبول نيزان قصة او خاطرة ليتناول بمشرط السارد لا الناقد أحوال الكاتب ونصّه وأحوال السارد وحكْيِه وتنتهي المسالة في الحالين بالسارد بين غوايات السرد وأنياب الحراس. فهو يفكر في نصه. وفي نصوص تحكم العالم رغم موت أصحابها ويفكّر في خلوده الذاتيّ إذْ يتجَنّب أنياب الكلاب حُرّاسا ونقّادا وسُلْطة، ينهشون النّصّ لتوريط سارده وحرّاس معبد النّصّ يعملون نماذجهم وقوالبهم لوأْد كل ّمن يتجرّأ على كسْر الأنساق وتحطيم القوالب. وسلطة تتحكم برقاب المبدعين.
في هذا النّصّ تَسِيبُ فكرة الفيلسوف فتتحوّل روحا للنص ّوتضُوع مقولات النقد لتشدّ الجسم إلى روحه. والسارد في شرفته يبني نصّا لا يُدركه هو ولا تعرفه كلاب الحراسة. كلاب الحراسة باعتباره نصّا تضيع تفاصيله الفلسفية ويحضر سردا وغواية. وليست الفلسفة في النهاية إلاّ سردا لوقائع التفكير ونبْشا في عقل الإنسان نشأة وتكْوينا. إنّ استعاريةّ النّصّ في الفلسفة تقف عند حدود “السرد” حيث تجد عالَمَها الأثيرَ. فألْطف ما عند أفلاطون امثولة (امثولة الكهف) واجمل ما كتبه الفلاسفة المتأمِّلون قصص تمنح الخير أو تدُلّ عليه أو تمجد أهله.
لا يتوقّف التحليل في نصوص الرّحماني عند النقد بل كثيرا ما يتجه إلى التأمل الفلسفي ببساطة عميقة لاتشبهها إلاّ حِكم الأوّلين. فمن النّصّوص ما يقف فيه الكاتب أمام المرآة متأمّلا فيقلبها على أوجه من الأشكال والوظائف تكشف الإنسان ظاهرا وباطنا وتتعمّق حقيقته عَرَضا وجوْهرا. وينتهي من الأمر كلّه إلى أنّ الشخصية “ظل الماء منها يقطر فوق ماء” فهي شفافة، تَكشف وتَحجب، تُظهر وتُخفي، تُسِرّ وتُعْلن، دون أنْ تتوقّف عند حال. فليست المرآة إلاّ نرسيس وقد بقيَ أسْطورة تُروى. وليس الحطيئة وقد تأمّل وجهه في مرآة ذاته إلاّ ذلك النّصّ الذي لا يَنِي يذكرّنا بالذات تسْخر من ذاتها وقد بلغت حدود كمال إدراك الحقيقة في ذاتها والعالم. ولكنها حقيقة واهمة مخادعة ومضللّة اإنْ لم تتحوّل إلى نصّ وإلى قوْل يتناقله الناس ويعمّر حياة الانسان.
في نص “مرايا” ينتصر الرحماني للكتابة وللرواية. ويتعشّق النّصّ منتجا عابرا للأزمان راسخا في الأرواح وفي العقول ،ليجد نفسه في النهاية أمام النّصّ وجها لوجه فيجعله مراآه الكاشفة عن انفعالاته ورؤاه وأفكاره. نص يستلهم قصّة طفوليّة عن تلك المرأة المخدوعة بمرآتها ويمارسه الكاتب نصا عن الجميلة التي نظرت في مرآتها فلم تتبيّن إلاّ قبْحا لا يني يتكرر مرّة بعد مرّة حتى احتفظت به ذاكرة المرايا التي لاتموت. تغريها المرآة وتخدعها إذْ لا تكشف إلاّ جمال الجسد الظاهر وقد غطى نرسيسا مفتونا بذاته مغرقا في واحديّته فكأنّ العالم كُوّر من أجْله وكأنّما المرايا صورته لوحده. يحوّل الرحماني قصة الجميلة إلى نصّ ينهل من منابع التصوّف والرومنسية حيث الروح الشفّافة في جسد من الطين الـمَهين. فما بقي من نرسيس (نرجس) غير نصّ يروى ما الجمال الفاتن فقد غمرته المياه وانبت زهرة هي عنوان شموخ كاذب. وما بقي من قبح الحطيئة (عند الرحماني) إلاّ جميلُ قوله ولطيف عبارته وخالدُ نصه متعة والتذاذا لا ينتهيان؟ انه النّصّ الباقي والمتلون باحوال وجوده كينونة مفردة مرة ووروح متناسخة في نصوص اخرى مرات كثيرة. إنّ الحقيقة الباقية هي النّصّ بالكلمات أمّا ما سواه فمَنْذور للزمن يُبْليه.
أمّا نصه “سين” فسين السؤال موشومة في كل الجسد لتتحول من مجرد علامة لغوية بسيطة (صوت واحد لا مقطعي) إلى هوية كاملة والمفرد الذي خلق الكون المتعدد ومنه كانت الواحدية في المتعدد وكانت الجماعة في واحد علقته سين سؤال لا ينقطع. فالسين تتطلب نقيضها أو صنوها “الجيم” وبينهما رحلة عذاب.عذاب يمارسه المحقق في محاكم التفتيش عن الفكرة وتمارسه الروح الحيرى وقد استغلق عليها فهم العالم وحقائقه. السين رديفة النون في الإهداء، رحمٌ يحتوي الكون والإنسان .النون نون البدايات خلقًا حسّيا في “كن”. إنّها تمام الخلق ومنتهى التصوير. أمّا “السين” فشقيقتها في تخلّق الإنسان عاقلا مفكرا وسائلا عن الكون والذات والوجود.
سين السؤال هي السين التي سوف تاتي. وجيم الجواب هي النهاية اتية لا ريب فيها . في نص سين قصة الخلق وقصة الوجود الانساني كائنا عاقلا مفكرا،وكينونة محطمة تجد جواب سؤالها في الفلسفات النماذج والأديان العقائد والأفكار المعلقة بين أسْنانها والزمن يلتهم الكيان .ليست السين مجرد الحرف بل فيها يرى الكاتب قصّة الإنسان والكون تماما كذلك الراهب الهندي الذي يرى الكون في زهرة برية وحيدة.
ومع النّصّوص التي تتوجه إلى التّحليل مدى أبعد من القصّ الظاهر، نجد نصوصا أخرى تتوقّف عند القصّ باعتباره لذةَ سردٍ للأحداث وكشفٍ للشخصيات وبيانٍ للأحوال. ونموذجها الأوفى في ما كتبه الرّحمانيّ “سيرة وجع مدرسي” (ص44). نصّ الطفولة يكتبه الكهل ونص التلميذ يكتبه المعلم. والرّحمانيّ تتلبّسه شخصيّة المعلّم في كلّ نصوصه فهو يعرِّف المواطنة تعريفا جديدا ويعود إلى كليلة ودمنة ليعيد اكتشاف النّصّ بعيدا عن أعدائه من كلاب الحراسة، ليجعل من القصّ نوعًا من ممارسة القراءة الجديدة لنصوص قديمة يُقْحِمها السردَ ليتحول إلى حدث/ فكرة بعد أن كان حدثا / فعلا.ونصه البديع “زهايمر” لا يقصّ إلاّ حدثا بسيطا ثم يتحوّل إلى خطاب السارد موجَّها إلى جمهوره عن الإنسان والحب والذاكرة. وقَرِينُه نصّ “هم وهؤلاء وأولئك” يبدأ درسا في فقه اللغة (عِلْمها وسجنها) وينتهي عند قصة ذلك المجنون يرى العالم حوله سجنا يطلب منه الخلاص (سيبني سيّب).مع نص زهايمر يفقد النّصّ الأوّل ذاكرته ويحملنا إلى عالم النسيان.تنسى اللّغة أسماءها وتتبرّأ العبارات من معانيها. فهؤلاء واولئك وغيرهم هم جحيمنا كما قال سارتر.وهذه الأسماء المُشيرة والمحيلةيلة لا تُحيل إلاّ إلى أوهام نراها ولا نلمسها.كائنات تتحرك بيننا ولكنّها فاقدة لكلّ هويّة فمنْ (يُسَيّب) منْ ومنْ هو المجنون المُلاحق ومن الملاحِقون؟ إنّها أوهامنا تستبد بنا إذْ تخوننا الذاكرة او نَخُونها فنمحو منها ماكان يمكن أنْ يَنتَقِش فيها اسما محدّدا عَلَما لا ينفلت من دائرة الواقع. اسم العَلَم يجد حقيقته في الإشارة فتعوض اشارة اليد في اللغة نطق الفم بكلماته أعْلامه.
في نص دمنة في متاهته عودة إلى قص طفوليّ خرافيّ متخيَّل مُتلبّس بعقل راشد مفكّر. أوّل عقله استجلاب لنص رواية “الجنرال في متاهته” لِمَاركيز وآخر طفولته قصة على لسان الحيوان ترسخ في عقلٍ ناشيءٍ. الرحماني يستعيد النّصّيْن ليبني نصه الفكرة، وليجادل صاحب نصّ “كليلة ودمنةّ العربي اللسان الفارسي الأصول عن تدخّله في القصّة وعن بحثه الغريب عن جزاء دمنة وهو الذي كان عند الهند منتصرا بقوة عقله (وإنْ كان عقلا لا أخلاقيا). الكاتب يجادل الكاتب ويجادل خديعة النّصّ إذْ يترك دمنة وما طاف بعقله في متاهة السجن ويُوكل أقْداره الى نمر الصدفة. أيْن العقل من هذا وأيْن منه واقعنا وأيْن منه جنرالاتنا في متاهاتهم الأثيرة؟
يتدخّل الكاتب العربي في الرواية الفارسية ذات الأصول الهندية ليفحص في أمر دمنة ولا يكلّف نفسه عَناء الحديث عن دمنة وقد مَكَث في السجن زمنا. وهنا يجد الرحماني فراغا في النّصّ يتحول به القص من مجرّد الحدث الخيالّي إلى الواقع التخييليّ الذي يَبْنِيه تاريخ الإنسان. فدمنة عند ابن المقفع في متاهته وسجنه غير الجنرال عند ماركيز. والنصّان يتشابهان. ولكنّهما يسيران في طريقين متعارضين. والرحماني في نصّه الثالث (ترتيبا تاريخيا لا دخل للتفاضل فيه) يقدّ الجسر بينهما ليصل هذا بذلك وذا بهذا حتى يكون دمنة في متاهة القصّ لعبة بين يدي سارد لا يعنيه من الشخوص إلاّ حضورها الحدثي ويكون الجنرال في متاهته حالة نموذجا للسّياسة والقصّ.
4_ 2 _ السّرد تمثّلا و تمثيلا
• السّرد تمثّلا
السّرد عند الرحماني جبّة ترتديها النّصّوص وهيأة تظهر بها أمّا ما تلفّه الجبّة وما يظهر من الهيأة فليس إلاّ الخداع المغامر للقارئ وللكاتب.القصُّ والحكاية عمْق تدْركه الفهوم وعِبْرة تستخلصها نظرة المتأمِّل. فالشخصيات والأعلام مُفْعَمة بالدّلالة والأحداث.رموز تتعالق لتبنيَ عالـَما جديدا من التّاريخ أو الأسطورة أو الخرافة دون أن تهجر واقعها.
فما توزوروس وقد جعلها الكاتب جنة آدم فجاءت فضاء للخلق الأوّل ولخطيئة البدايات.توزوروس علم للمكان لكنه عاجّ بالشخصيات ضاجّ بقصصها في توزوروس يعيش السارد غواية النّصّ الغائب فتحيطه شخوص الحكايات “في واحة توزوروس حيث ألتقيتها رأيت في عينيها السّياب يرثي نخل العراق “، وخلف السّياب ونصّه تختفي مريم العذراء وقصّتها ومعها قصّة الخلق والتّكْوين مع سرديّات الخطيئة الأولى .
في قسم قصير من القصة تَحْتَشد نصوص تشرّبتها روح الكاتب فيرى من خلالها ذاته وحبيبته “زهرة توزوروس”. تراءى له شعر السياب وأنشودة حزنه ومطره و قصّة آدم وخطيئته وسفر التكوين وآياته . جميعها يتمثلّها النّصّ ويتمثّل (يستشهد) بها الكاتب فإذا هي نسْغُ النّصّ منها يستمد حياته وحضوره وجماله. فليست هذه النّصّوص من التضمين ولا الاقتباس بحسب شروط البلاغة ولا هي مبالَغة فيه تصل بالنص حدّ الإشباع فتثقله وتفقده رونقه .بل هي آثار نصوص تلَوح من وراء النّصّ الماثل. إنّها النّصّوص الغائبة يستحضرها السارد وهو يتغزّل بجنته توزوروس وبحبيبته زهرتها التي يقطفها ذلك الغريب. النّصّوص الغائبة بمختلف تلويناتها لا تحضر إلاّ مندمجة في جسد النّصّ ملتحمة بأجزائه ذائبة فيه كجملة منه. ومعها يخرج النّصّ عن إطاره الماديّ وعن صورته الحسية نطقا وكتابة ويتحول إلى عالم من النّصّوص تصطرع وتتداخل في شبكة من المعاني .قصةُ حبٍّ وأحداثُ تاريخٍ قديمٍ، معاناة شخصية والتذاذ سارد بما في جعبته من الحكايات. امرأة تصنع النّصّ وتلوّن بحضورها المكان فإذا هي جحيم السارد إذْ يتْبعها وغواية الخلق وإذ يسردها. امرأة من غوايةٍ تُطْمِع ولا تنُيِل.فاذا بالنص من خلالها يمْتحَ من القصص الديني ومن أساطير العشاق ومن أحداث التاريخ.
امرأة أخرى تستبد بالسارد ونصه “أولغا” امرأة النار والدم.وامرأة الثارات التي لا تهدأ. “أولغا” لا يبقى منها الاّ خيط من العطر نارا تلفح العاشق ثم تتسرب من بين كفيه كالرمل. “أولغا” التي أحرقت شعبا بخيط في ساقِ حمامةٍ تَحَوّل خيْطها إلى عطْر يَكْوي العاشق .نصُّ غزلٍ ولكنّه مليء بالدّم والثارات.دمُ عاشقٍ يختلط بعطر امرأة مخادعة لا تُروي ظمأ ولا تهَبُ العاشق إلاّ أوهامه.قصّة “أولغا” التاريخية (نصها أو سرديتها) تتوقف عند الرحماني في صورة سرابا جميل قاتل كماهي في الوقائع المحكيّة . “أولغا” العَلَم والتاريخ تذوب في نصّ الكاتب وهو يعبّر عن هواه. فلا حبيبته “أولغا” ولا هو عاشقها القديم. وليس ما بينهما من ثارات التاريخ،بل من قِصص العشْق وأخبار مجانينه. نفس العشق الأسطوريّ الذي يصوّره راعي النجوم في نصّ تتداخل فيه أسطورة الراعي بتجربة السارد ولمَ لا بتجربة الكاتب.فبين النّصّين والحكايتين عشق، وبينهما وبين نصّ الرحماني حلول صوفي لنصّ داخل نصوص تشبهه توافقه أو تعبّر عنه. فلسنا نقول إلاّ مُعادا من قولنا مكرورا.قصّة العاشق التي لا تنتهي إلاّ بجنونه أو موته عطشا وهو يتبع آثار الحبيبة أولغا أويبحث السلطة أو يلاحق المعنى والنص والحقيقة.
• التّناصّ استشهادا
يرتبط الاستشهاد والشاهد بالحجاج والبرهنة خاصّة ولكنّه قد يأتي في نصٍّ برائحةِ السّرد مُثَمِّنا الحالة أو الفكرة أو الحدث. ففي نص زهايمر ينسى السارد سرده ليتوقف عند الشاعر درويش . وقوف يقطع النّصّ بنص مع ذكر صاحبه. ففي الصفحة ( 32) يأتي نص/سطر لدرويش ليفتح نافذة على الآخر الشبيه إذ ترهقه الذكريات والذاكرة ويتعبه نسيان ما فات :” أنا ههنا أستعيد ما تركتْه الريح على أعتاب العمر”.
هذا هو الزهايمر. ريحٌ تعْصف بنا ،بماضينا وحاضرنا بكل ما قد نراه وما لا نراه. إنّه محوٌ لا تَظْهر منه الحروف ولا الكلمات، ولكنّ الكاتب أبانها جَلِيّة على غير عادته. نصّ مع اسم صاحبه واستقلال عن بقية الكلمات.ولكن الشاهد هنا يترك له أثرا في النّصّ غير ما يتقاطع فيه نص الشاعر ونص الكاتب. إنه أثر الفراشة /الروح تتناسخ بين النّصّوص فيَتَناصّ نصّ منْ نصّ كأنّهما استدارة الأفلاك ومسارها في مَجَرّات الكوْن النّصّيّ. فسريعا ما نجد الكاتب يداني نثره الشعر فيكْتُب إثْر نصّ درويش ما يلي:
… وقتها يمكن ان ينسى الإنسان أنّه
كلّ أسْلافه وما ترَكَوا
وكلّ أبْنائه ومافَعَلوا
وأنّه الطين والحَجَر
وأنّه نَبْت السماء والحَمَأُ
وأنّه الجنّة والنار
وأنّه الكهْف والجبل العظيم
وأنّه المنبر والسريرُ
ويَنسى أنّه الاإنسان بأحْرُف أفُقّية
ولا يكون إلاّ بأصْغريْه: قَلْبُه ولسانه
وأنّه عالَمٌ صغير في عالَم أكْبر
فلا يبْقى لأُنْسِه من أثَر.
(ص 39)
ما يدَوِّنه السارد السارد الناثر هنا هو شعرٌ أويكاد.أَلَا يكون هذا الشعر المنثور في النّصّ من أثر نصّ درويش وشاهدا على أنّ النّصّ عابر للحدود مفارق لمقولة الأجناس. تتأكّد الفكرة عندما نجد في نص كلاب الحراسة قائمتين عجيبتين تقطع معالتّناصّ الخفيّ فيخترق نصّ غريب النّصّ الماثل. قائمة لعناوين كتب تناولت الكلاب وأخرى لنِسَبٍ وأرقام حول تلك الكائنات الغريبة.فالنصّ، نصوص في بنائه الظاهر مع ما يكون فيه من نصوص تتوالد وتتناسل فتفتح أفقه على عوالم الكتابة الرحب وعالم النّصّ المتحرر من قيود التّصنيف والتّجنيس.
الخاتمة
أخيل والنمرود والنعوشة والمسيح ودمنة، كلّها “خراريف” جدّة تبتهج لميلاد شاعرها وكلّها وجع من الواقع وظمأ إلى القول تنفيسا وتحريرا لألم مقيم. كلها أساطير الأولين يرسمها نبيّ جديد.فهو يسمي الأشياء بغير أسمائها وذلك ما لايدركه إلاّ رجل حكيم قال لأمّه” دعيه يلهو بهذا العالم ويعيد ترتيبه وتسمية أشيائه فغدا قد نحتاج نبيا أو شاعرا” ودرويش وكويلهو وماركيز خرافات يصنعها الشاعر الذي تنبأت به الجَدّة والذي أرهقته أولغا وفَتَنَتْه زهرة توزوريوس وانتهى مصابا بزهايمر ينسيه ذاته ونصّه ويذكره بملاحم كتاّب يحكمون العالم بما اجترحته أياديهم وأنضجته عقولهم يقول السارد في غوايته (ص16): “واستعرض أسلافا له من الرُّواة ما زالوا يحكمون العالم من قبورهم ويقودون الناس من عدمهم. فكّر في صحيح البخاري وفي مغامرات السندباد وفي شعراء المعلقات وفي أساطير بابل والإغريق وفي سرديات الكتب السماوية كلّها وأحاديثَ صَنعت حاضرها حكايات وتمتد الآن أمامنا كالأفق .
لمن عرف نص الرحماني الحقُّ في أن يربط نصوصه بحياته ليمارس على النّصّ ظلما وليسقط صاحب النّصّ في جحيم الوقائع مرة أخرى إذ يعيشها ويرويها ثم يقرؤها. ولكن الكاتب وهو يجمع الورقة بالقلم لا يبحث عن ذاته وإنما يبحث عن نصّه حيث تذوب آلام الواقع بين حنين القلم وتمنَّع الورقة وهسهسة اللغة بين الشعر والنثر ونَوَسانِها بين الماثل والغائب وحيث تعربد شياطين اللغة وتلعب بصاحبها وتلهو.
نصوص تترى ومعان تتإلى ويبقى النّصّ نصا كيفما قلّبته أو قلّبت النظر فيه. لغة من صميم الإبداع وأسلوب لا يستقر على نمط وشكل لا يناسب إلاّ ما يبحث الكاتب عن قوله.
لقد خرج الكاتب عن سجن التصنيف الأجناسي. فقتل في مجموعته المقولة ولكنه انتصر لحرية النّصّ كينونة لا تموت ومقولة التي لا تحدّها ضوابط .فليس الوجود وليس الكون في خاتمة المطاف الاّ نصّا يُتْلى وكلمات تتردد لتقلب حقائق الوجود وسُنَنُه. إنّنا ماضون والنصّ باقٍ محفوظ في الكتْب وفي صدور الرّجال.


أضف تعليق