لبنى علي مفتاحي
لعل تخيرنا تدارس هذا المشغل الادبي ذي العلاقة بالاستشراف تنهض له جملة من المسوغات التي نشأت في مجملها عن قلق في الشعر والفكر والحياة .
إن اللغة التي نكابدها و تكابدنا “تفلي الشيبة تلوة الشيبة من فرط تردم معين القول فيها ولم يعد من طريق لمعان تلقى على جوانبه”. ومنذ السؤال العنتري “هل غادر الشعراء من متردم، والشعراء يمضهم قلق ولا وجه للقلق: ماذا أبقى السابق للاحق؟ ولا يقتصر الأمر فقط على مجال الشعر بوصفه ديوان العرب وإنّما يتخطاه إلى كل أنماط القول منذ القديم . فالنفري يعلنها صريحة مدويّة ” كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” ويتواصل الأمر إلى ما صار يعرف بالحداثة أو ما بعد الحداثة .
تمثل هذه المداخل التي ارتضيناها مناط عبور إلى مشغلنا الأساس و هو الاستشراف في شعر الومضة رغم علمنا أنّه لا يجوز في عرف المقدمات أن ننطلق من أقوال أو شواهد و أحكام.
ولكن حماسة البحث و ندرة الاهتمام به ممّا دفعنا إلى اقتراح هذه العتبات التي تجلي في زعمنا عتمات حيرتنا . و يحسن بنا أن ننطلق من عتبة الانشاد التي مر بها الشعر في ارتباطه بالغنائية ” .
هذه العتبة تجعلنا نلح على أن الشعر القديم يحتفي بالغناء و الانشاد ولا يستنكف سامع أو راو من طول القصائد التي تخيّرت معلقات اختلف الدارسون في عدها . ومهما يكن من أمر فإنها كانت تروى و تنشد في المناسبات و تتشكل في أغراض متتداخلة قيل أن تتحدد و يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من توجهات الشعراء بداية من صدر الاسلام ” .
ظلت القصيدة العربية في مدارات الذائقة التي أدمنت الاصوات و الايقاع وأنست للجرس الموسيقي المتصل بايقاع الحياة حياة لا يستقر فيها الشاعر على حال. فهو في ترحال دائم بحثا عن الماء والكلأ .
ولعل ارتباط الشعر بالغناء و الموسيقى ممّا دفع الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى تقعيد الشعر
وضبطه في بحور لما رأى فيه من تناسق و انتظام أتاحتهما القريحة الشعرية و أباحتهما الفطرة والسليقة .
ثم إن الشاعر رغم ذلك كله لم يكن مطمئنا كامل الاطمئنان إلى لغته التي يقولها و تقوله، وإنّما كان يرنو إلى تحقيق الاضافة و الابداع . وعلى هذا الأساس بدأ التفكير في التجديد منذ القرن الثاني للهجرة مع شعراء مجديين كأبي نواس و بشار بن برد و أبي العتاهية الذين وقفوا من الشعر مواقف لم تبرح أشكاله في جوهرها و إنّما لامست بعض المواطن التي انزاحوا فيها عن المعهود كإنزياح أبي نواس عن الوقفة الطللية ” .
ولكن هذا الانزياح وإنّ بدا في ظاهره خروجا عن السائد فهو إيغال في تأبيد خطورة البائد لما له من سلطة على النفس .
هكذا بدأ القلق يتنامى ودقات التجديد تتسارع ولم تقف عقارب اللغة عند مقاط مضبوط إلى أن وصلنا إلى زمن التحديث الشعري مع شعراء التفعيلة الذين تمردوا في نمط شعري سميّ كذلك بالشعر الحر على نظام الشطرين ، وحولوا القصيدة من قصيدة أغراض و مناسبات إلى قصيدة معان . وتبدلت أحوال الشكل أو التشكيل الشعري للفضاء الذي يمتح مميزاته من تتطور الفكر و الحضارة و السيرورة الانسانية ، لأن الشعر على صلة بالحياة ، بل هو الحياة ذاتها تنظم في ايقاعات وصور مخصوصة .
ولنا أن نتأنى لدى علاقة الشعر بالفنون التي عرفتها حياة الانسان منذ القديم ، ثم طوّرها الانسان على ضوء الحداثة .
فمنذ أزمنة خلت وقرون ، حافظ الشعر على فرادته وتمايزه ، وقد كتب أرسطو كتابا عن المسرح وسمه بفن الشعر .
أما الحداثة فتلغي مجال الفصل بين الفنون ولا تعترف بحدود بينها إلاّ على نحو اجرائي ونأخذ مثال الفضاء الشعري الذي أقحم لعبة البياض و السواد في شكل كتابة القصيدة على الورقة ، وقد استعاض الشاعر عن نظام الأبيات بنظام الأسطر الشعرية مع المحافظة على التفعيلات التي عادة ما تكون من البحور الصافية ويذر الشاعر البحور مزدوجة التفعيلة ، بيد أن الذي يهمنا ليس استعراض المراحل الشعرية التي مر بها الشعر بقدر ما يهمنا أن نصل ذلك بموضوع بحثنا ، ولولا أنّنا رأينا علاقة اللاحق بالسابق ضرورية ، وأنّ الشاعر لا يبدع من فراغ ولا يتمرد عن عدم ، ما كنا إنسقنا وراء هذه المداخل على ضروريتها .
إنّنا نرى أن الابداع لا يعني الاتيان بالجديد الخارق بقدر ما يعني النسج على منوال” . لذلك كله وضعنا هذه المداخل التي ركزنا فيها خاصة على عتبة الانشاد لنصل إلى مرحلة الحداثة الشعرية مدار إشتغالنا وفيها انبثقت الومضة أو “التوقيعة” سليلة جملة من التغيرات .
والقصيدة كما بيّنا لم تقف عند حدود الانشاد ولا التجديد العارض بل تجاوزته إلى التمرد في منتهاه على نظام الشطرين و الأسطر الشعرية ضمن ما صار يعرف بقصيدة النثر ، المتأثرة بالأدب الغربي .
ولا يعنينا هنا سبر أغوار قصيدة النثر ، ولا استقصاء علاقتها بالشعر بما تباينت فيه أراء النقاد وإنّما يعنينا فقط تنزيل قصيدة الومضة أو التوقيعة في هذا الحيّز من الشعر ، فقط لأنها لا تنطوي في تقديرنا على خصوصيات الشعر في نوعيّه العمودي والحر ، لكأنها كتابة عابرة للأجناس على حد عبارة بارط .
إنّها قصيدة تكابر ضد كل مسعى لترويضها أو تحديدها فلا هي بالسرد و لا الشعر في انتظامهما الصارم . ولكنها مع ذلك تنخرط في سياق القول الشعري المنزاح المنعتق بما تتميز به من خصوصيات تنأى بها عن معهود الخطاب .
فأي المداخل أنسب لطرقي عوالم الومضة الشعرية وما علاقتها بالاستشراف الشعري وهل من سبيل بالفعل إلى الاقرار بأنّها مستقبل الشعر؟
يبدو أن الاجابة عن مثل هذه الأسئلة تقتضي منا أولا أنّ نتأنى لدى المصطلحين ، ونبيّن علاقة ذلك بالأسئلة التي طرحناها ، نقصد بالومضة أو التوقيعة كما يعرفها البعض نمطا من القول الشعري يعود به الدارسون إلى موفى السبعينات عبر ما يسمى بقصيد الهايكو الياباني ، لعلها وجدت ما وجدته قصيدة النثر بموجة التحديث الشعري الغربي أجواءها ومشروعية تحققها ” .
إن الومضة كما يحيل إليه الإسم من ومض البرق أي أنار و أضاء في سرعة مذهلة ، ومنها الوميض والومض .”
وعلى هذا الأساس فهي قصيدة الاختزال و التكثيف بامتياز رغم أن الشعر في أبنيته السابقة يدعي كل ذلك و يزعم الايحاء و يهجر التصريح إلى التلميح .
إلاّ أن الومضة تذهب شأوا في الاختصار و الايجاز ، ترديدا لصدى القول البلاغي القديم “و إنّما أصل البلاغة الإيجاز ” على هذا النحو نفهم الومضة أو التوقيعة ، ولكن السؤال الذي ينشأ ، لماذا وصلنا الأمر بالاستشراف ؟
نعني بالاستشراف ما له علاقة بالرؤيا التي لا تقف فيها القصيدة في حدود القول وما تبوح به الألفاظ والدلالات المنبثقة من الأبنية و السياقات . وإنّما تجاوز ذلك إلى الاطلالة على مدارات حلم الشاعر ومنشوده أو نبوءته الغريبة لكأنها إطلالة على مدارات رعب جديدة ” .
إنّها ضرب من ضروب المكاشفة الشعرية التي تجعل من الشاعر ذلك الطائر المحكي الذي لا يخضع لأي سلطان نقدي لحظة الخلود إلى كونه الشعري وعوالمه الايحائية .
الإستشراف حينئذ هو إطلالة الحاضر على المستقبل أو هو زمن آفل يتعرى ليكشف القناع عن زمن راهن وزمن سيكون .
ومن شأن الإطلالة أن تتوسل بمختصر كلام حرصا على عدم تشتت أحوال الرؤيا ، ف “المسهب كمحتطب الليل” .
وللايجاز أن يحقق إعجاز القول في إختزاله المفيد وإكتفائه من قيلادة المعاني بما أحاط بأعناق المدلولات والمقاصد .
وتلعب الومضة في هذا المستوى دور المحقق لفعل الاستشراف لكون الشاعر حمّال ثقافة ورؤية مبشّرا بإنجاز و ثورة في اللغة تنطلق من رؤيا بها .
ترتب عما سبق تخيرنا للومضة التي رأينا فيها القدرة أكثر من غيرها على تجشم أعباء المشروع الشعري بأسئلته المرة وتحمل ما ناءت به أحمال اللغة التي تآكلت و تردمت وأرغمت على قول ما لم تتعود على قوله حتى شاخت وهرمت .
إنّ الشاعر الوامض لم يكن بمعزل عن عوالمه وأحوال لغته ، لذلك نراه يسير إلى جهة في رؤاه مختصرا مكثفا مختزلا . لا لأنه يرى أن عليه أن يثور على معهود الشعري و متردم القول فحسب ، وإنّما لوعيه الحداثي – بوصفه حمّال فكر و ثقافة وابن مجتمعه الراهن- بأن العصر لم يعد يحتمل رتابة الايقاع المكرور ولا يأنس لطول نفس النصوص القديمة .
إنّه زمن السرعة الذي بشّر به نزار قباني في أحد نصوصه حين قال “تصبح فيه ممارسة الجنس ضربا على الآلة الكاتبة” لقد شيأت الثورات العلمية الانسان ، فلم يعد كائنا استثنائيا أو سيدا مالكا على الطبيعة ولا هو الانسان الشمولي بالتعبير الماركسي وإنّما الانسان المخصوص كما أدرك ذلك “ميشال فوكو” .
ليس الشعر الحديث – وما الومضة عن ذلك ببعيدة في حل من مناخات الفكر الحديث و تبدل المجتمعات الانسانية فالومضة مسؤولة عن إحتضانه و الافادة منه ، لذلك لا غرو أن ينساق الشاعر الوامض إلى هذا الضرب من الشعر علّه يستنفذ حقيقة السائد ويستشرف الآتي المنشود ، فهل الومضة الشعرية نص شعري مستقل بذاته أم هو مبثوث في ثنايا النصوص ؟ وهل يمكن التفريق بين شاعر وامض وشاعر مسهب مطيل ؟ وإلى أي مدى يكون الاستشراف مطلبا ومهمة قبل أن يصير فعلا منجزا ؟
يستدعي تدبر مثل هذه المسائل أن ننظر إلى الومضة بوصفها شكلا شعريا جديدا من الصعب أن نضبط قائمة إسمية لشعراء وامضين ولا أن نخصص شاعرا عن غيره كونه وامض او مسهب . ولكن أغلب الشعراء فيما توفر لدينا تسربت إلى نصوصهم الومضات ولم ينفردوا بها كل الانفراد .
بل الاغرب من هذا أن تتخلل الومضة نصا شعريا طويلا أو تذيله أو تكون له مفتتحا ممّا يجعل من أمر ضبطها وتحسس خصوصياتها النهائية من الخطورة بمكان . ولكننا سنسعى إلى الاشتغال على بعض العينات التي ضبطناها لهذا النمط من القول الشعري في مدونة بعض شعراء الحداثة غير مستأنسين بزمن واحد أو مناخ قول مخصوص أو تعداد لشعراء كتبوا في هذا الغرض لأن الذي يعنينا ليس التعداد بقدر ما هو أن نصل مشغل الومضة بالاستشراف الشعري . وسنقتصر على شاعرتين هما “نفيسة التريكي” في “عصارة العبارة ” و”سلوى الرابحي” في “ضمائر الطوفان” لما رأينا فيهما من طرافة تشفي غليل ما نحن بصدده . رغم أن بعض الشعراء المغمورين تسربت إلى كتاباتهم الومضة وكانت مبشرة بالاستشراف و الرؤيا البعيدة ” أي طير يسلبني الغطاء و يحف لعرائي من ذا يقاسمني الخلاء ” .
وبالعودة إلى تتبع ما كنا أشرنا إليه من حرص على الاكتفاء بعينتين ، نولي أنظارنا إلى شاعرة هي”نفيسة التريكي” التي عدت من أبرز الشاعرات التونسيات اللاتي تميزن في صياغة نصوص شعرية تداعب الذائقة الفنية للمتلقي” .
وقد استقينا بعض النماذج الشعرية من ديوانها “عصارة العبارة ” مستأنسين بأراء الناقد “محمد المحسن” الذي يرى أن التوقيعة تثير في نصوص نفيسة التريكي الدهشة وتنجم الشعرية عن موقف انفعالي يأتي في خاتمة المقطع أو القصيدة ، وقد تكون القصيدة قصيدة توقعية ” .
” تحتشد المشاعر كي تكون …
عساه …
تتمكن من كينونة ترومها و تهواها “
وقد يصل بالشاعرة التمرد إلى درجة تحميله هم رؤياها:
” حين ترتوي الأرض … ننتعلها عازمين
إزرع فؤادك في البلاد
لعلها … تنبض
بقادمك السعيد “
وقد تكون الومضة حمّالة ألم فاصلة بين ذات فاعلة وموضوع مطلوب لا يدرك و بينهما المدى تعتيم لا يجليه غير بياض الرؤيا التي يستشرفها الشاعر أفق إنتظارا دونه الحقيقة في تكلسها البليد "أراني قريبا أودع ليل الحياة العتيم في لحاف وجود مع سرب طير مهاجر أراني أطير على مقربة من بياض شفيف حذو الحقيقة"
أما الومضة التي رصدنا تجلياتها في مدونة ضمائر الطوفان للشاعرة سلوى الرابحي فلنا أن نصلها بالاستشراف الشعري بيد أننا لا يمكن أن نحشر هذه التجربة في حيز نصوص الوامضين ذلك أنّها لم تكن في ذات السياق من شعراء قصيدة النثر بل كانت تحافظ على التفعيلة في نظام الأسطر الشعرية .
ولا يتسنى لقراءة عجلى أن تستنفذ المتن الشعري لأي شاعر ، وحسب هذا النبش أن يتخذ من المساءلة المتعجلة سبيله إلى استقصاء بعض الملامح الشعرية التي قد تجلي عوالم الشاعر و تبين عن كونه الشعري المكنون .
وقد ارتضينا لهذا البحث أن يكون مجرد مساءلة لبعض المقتطفات لديوان الشاعرة سلوى الرابحي الموسوم بضمائر الطوفان .
ومن هذا المنطلق نلج عوالم سلوى الرابحي شاعرة المساءلات و البحث في الممكن المرتقب والاستشراف للآتي البعيد ، هذا الممكن اللغوي الذي لا تجليه اللغة إلاّ لتخفيه ولا تبينه إلاّ لتضمر منه ما يحمل على مزيد البحث و العودة إلى التراث الأدبي و الديني على حد سواء . إنّها نصوص تستقرأ المقدس لتوظفه في مناخات شعرية لا تتأتى إلاّ لمن وطن نفسه على مزيد الامتلاء من النصوص و ليس للشاعر إلاّ أن يصدر عن ذاكرة مكتظة بالنصوص الشعرية ، والكتابة كما بيّنا لا تستقيم من فراغ . وإنّما هي عناء مضاعف ، عناء الذاكرة ومشقة التوظيف لما حوته هذه الذاكرة لتصهره في منطوق شعري شأنه أن يلمح ولايصرح وذلك ما يحمل إلى الاستشراف ، ولعل أولى الملاحظات التي تهيأت لنا ونحن نباشر عوالم سلوى الرابحي أنها اتخذت من شعر التفعيلة و سيلتها الأبرز في التعبير وما تخير تفعيلة الكامل في أغلب ما صادفنا من نصوصها إلاّ دليلا على أنها تدرك أن هذا البحر الصافي الرصين يمكن أن يحمله الشاعر هموم اللحظة الشعرية وعناء اللغة وهي تحاول العروج إلى أعالي أضواء الايحاء ، تفعيلة الكامل تشي بالسعي إلى إدراك الكمال الدلالي الذي لا يدرك و إنّما يبقى منوطا بعهدة الاستشراف .
ومما يطالعنا ظاهرة تشكيل الفضاء الشعري ، حيث يحل التنقيط محل العنوان فيترك المجال للقارىء يتمثل العنوان بحسب ما تتيحه أجواء قراءته للنص .
فالعنوان لديها لغز و سؤال ، إمكان لا يتحقق شأن النص الذي لا يكتمل و يبقى مفتوحا على القراءة وإعادة التدبر .
ثم يكون الحوار نمط خطاب تخيرته الشاعرة لنص المقتطف الأول مضفيا لطقس مسرحي على الشعري فيتحقق الاقتناع المشار إليه سابقا بأن لا مجال للفصل بين الفنون:
” هو( باكيا )
– من قاتلك ؟
– هو أنت “
فالضمير الغائب هنا لا يفتتح ملفوظه بكلام وإنّما بحالة هي البكاء ، والشاعرة تسائله من قاتلك وكأننا بها تستبطن الحالات التي هو عليها ، فتدرك أن البكاء بفعل قتال إيغالا فالتذكير بأولى لحظات إستقبال الكائن الإنسي للحياة ، إذ يستقبلها باكيا ويودعها باكيا . فإذا بنا إزاء حالتين ؛ يقع في المدى بينهما ما يمكن أن نسميه الحياة أو الميلاد و التشكل .
فالقصيدة كما أسلفنا على تفعيلة الكامل ولا وجه للكمال الذي هو مطلب ومهمة لا تني تتشكل ولا تنتهي تستشرف ولا تدرك ، ويواصل الضمير الغائب كلامه ليؤكد أن الشاعرة هي المذنبة ومقترفة فعل القتال:
” حين رأيت من جرح التراب بكيت
لن تنزع أظافر قاتلي
ولمحت كيف بكيت “
نلمح من خلال هذا الملفوظ كيف أن هذا المعجم اللغوي المستخدم يوحي بدلالات التراب على بداية الخلق من تراب أو من طين بحسب المنطوق المقدس لأولى لحظات التشكل التي تأتي في طقس من البكاء .
إنه مشهد احتفالي يخيم عليه الحزن و أجواء المآتم ، فإذا بالشرفات ” تطل على دمي وإذا بالزهور على النزيف و يعاد السؤال الانكاري وقلت يا صاحبي من قاتلك.
أما المقتطف الثاني فهو حواري أيضا ممسرح هم (ينظرون إلى الجبال) تعود تفعيلة الكامل ويعود الطقس المسرحي في هذه الايماءة إنه جبل في صيغة الجمع لا الافراد يحيل على الجودي الذي استوت عليه سفينة الطوفان ، هذا فهمنا للجدل الحاضر في هذه الومضة حضور غياب ، حضور إيحاء و تلميح و تكثيف و استشراف .
أما الفلك فيذكي الاحالة على السفينة التي سلك فيها بانيها من كل زوجين اثنين "ولقد صنعنا الفلك من قصب الجبال ومن خيال الشعري يعلو كالطيور ويبعث الأنفاس في البيت الجميل يحلق المعنى كثيفا في القصص"
نتبين أن الفلك التي صنعت ” بأعيننا ووحينا في النص القرآني ، يعاد صنعها بوحي الشعر الذي يعلو كالطيور ليبعث الأنفاس ، إن الشاعرة تحمل الشعر ما لا يحتمل فتنوء به الأعباء لتجعله فلكا ينجي من الطوفان ويكون الحوار بين الضمائر الغائبة الحاضرة (هو هم ) مجذافا آمن يشد مقلاع ضمائر الطوفان وإعادة تشييد لأركان البيت الجديد .
أما نص الومضة الذي استوقفنا نهاية هو مناداة لمانح الطيران:
“يا مانح الطيران للجسد العليل
هنا عصافير الخلاء على الشجر
أعشاشها في القلب رابضة
وخفقة نارها في سقسقات الغصن
يطفؤه المطر “
هذا النداء للبعيد توسلت به الشاعرة في علة الجسم لإبراز قلق الغياب وما تنوء به العلل وما يلفح الحالة الشعرية للهيب الحركة والتوهج في غياهب السكون ما يحسه الشاعر وهو ينسلخ عالم الموجود مستشرفا عالمه المنشود .
مانح اللغة الكثيفة هذه اللغة هي لغة الشعر ولا ريب ، تلك التي تتكثف دلالاتها البعيدة من فرط ما اعترى الذات الشاعرة من ألم الاحساس بالقهر وبالخلاء اللذين مثلتهما بالعصافير على الشجر ، هذه العصافير هي الحروف المتعطشة إلى السقيا من استشراف الآتي المرتقب الذي لا يكتمل مهما ادعت تفعيلة الكامل هذا الكمال .
هذه الحالة الشعرية جلّاها المعجم بمفرادات من قبيل النار التي يطفؤها المطر .
وتواصل الشاعرة متنها الحكائي بأسلوب الانشاء متمثلا في النهي بعد النداء "لا تنتظر حبا عظيما متطمئنا في البيوت".
وكأنها حالة يأس رغم مناخات الأمل المتمثلة في حضور العصافير التائقة إلى الحرية والأمل والانعتاق . ويعود النداء لمانح اللغة الكثيفة فتكون قصائد روحها قد سكنت حروفا من حجر، حجر يشي بالصعوبة والاستحالة في آن .
وتختم الشاعرة ملفوظها متوجهة بالنداء هذه المرة إلى القارىء:
“يا قارئي قد كنت ثرثرة
وكنت هنالك جمرا في السكوت”
إنها خيبة التوقع بتعبير أهل النقد السردي تفضحها الشاعرة لتصرح أنها مجرد ثرثرة وأن القارىء جمر في السكوت ، فتورطه أيّما توريط في عوالمها الشعرية الممزوجة نارا ودموعا ومياها . تناقض مربك مثل تناقض الحياة حرقة و لظى وتبقى الشاعرة مترددة قابعة في المسافة الفاصلة الواصلة بين الغناء و الموت:
“وإذا أنا أنشدت شعرا
قد أغني أو أموت “
فعل الانشاد تحقيق لشروط إمكان الحياة ، أما السكوت فالموت المحقق الذي تحمل إليه ضمائر الطوفان ، فتقذف بالمضرب عن النشيد فيه ، حيث لا تنفعه الأفلاك ولا تنجيه جبال القصب اللغوي .
هكذا هي عوالم الشاعرة سلوى الرابحي في الومضات التي تخيرنها مراوحة بين اليأس و الأمل ، بين النار و الماء ، بين العتمة والضياء ، بين الانشاد أو النشيد المحيلين على الحياة و بين الموت الذي تقدّه بواسطة ضمائر الطوفان على شاكلة خاتمة.
إن صفوة ما ينبغي التأني لديه أن علاقة شعر الومضة بالاستشراف هو علاقة الشاعري بالشعري في تبدلاته وتحولاته المرتبطة بالسيرورة الزمنية التي تفرض عليه أن يجاريّ الأنساق الفكرية والاجتماعية المتغيرة على أكثر من صعيد ، إنه “المفرد بصيغة الجمع” بتعبير أدونيس الذي أصبح لزاما عليه أن يتحمل أعباء المسؤلية الشعرية بوصفه كما بيّنا حمّال ثقافة وصاحب رؤيا بعيدة .
ولكن يبدو أنّ هذا الاستشراف على خطورته يبقى محل مساءلات يفضي فيه السؤال إلى السؤال، وتقود المتاهة إلى المتاهة ويبقى الاستشراف حلم الشاعر الذي لا يتحقق، وإنّما هو مطلب ومهمة ومشروع شعري مفتوح بإنفتاح الفن على الحياة.
أضف تعليق