حكمت الحاج
ميموري:
هذا المقال عمره ستة عشر عاما، وقد نشر في صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن، عام 2005، في مثل هذا اليوم المصادف للعشرين من شهر نوفمبر، أعيد نشره هنا كذكرى وتحية لصديقي الروائي د. نور الدين العلوي، وعبره إلى مبدعي الرواية التونسية المميزين.
… منذ روايته الأولى بعنوان (ريح الأيام العادية) الصادرة بتونس عام 1998، يحاول الروائي وعالم الاجتماع التونسي د. نور الدين العلوي جاهدا، أن يتفادى تلك الهوة السحيقة التي سيجد كل كاتب تونسي نفسه مرمياً فيها، وذلك بقوة الإرث الكتابي والتاريخ الثقافي والواقع السياسي الذي يشكل معالم تونس المعاصرة.
كانت بدايات العلوي روائية، وهذا بالتحديد يستلفت النظر مما يعني انه لم يبدأ بالقصة القصيرة ليعرج إلى الرواية شأن الكثيرين من كتابنا. ومن تخوم تلك البدايات حسم العلوي أمره بوضوح، فلا كتابة إلا باللغة العربية، وليكن للفرنكوفونيين التونسيين مجالهم الخصب فهو لن يذهب إليه معهم. لكن هذا الاختيار المنهجي الواعي لن ينجي الكاتب الروائي (العربوفوني) التونسي من فكي الكماشة التي تنتظره في الهوة السحيقة تلك. فهو بـِحَتْمٍ تاريخيٍّ نصوصيٍّ، إما أن يكتب على شاكلة محمود المسعدي وخاصة في عمله الفذ (حدث أبو هريرة قال) وأما أن يجنح إلى خيمة علي الدوعاجي وخاصة في عمله (جولة بين حانات البحر المتوسط) الذي اقتبس منه أحد السينمائيين شريطا سينمائيا كوميديا، ولا مهرب من أحد هذين القطبين اللامعين في سماء النثر التونسي المعاصر، بالنسبة لأي ناثر تونسي، فهو إما أن يعود إلى المرجع الذهني والتاريخ التدويني، وهذا ما يمثله محمود المسعدي، وإما أن ينهل من المرجع الحياتي، والمعيش بكل تفاصيله الحية، وهذا طبعا يمثله علي الدوعاجي خير تمثيل، وربما كان معه البشير خريف، صاحب الرواية القصيرة “حبك درباني” والرواية الملحمة “الدقلة في عراجينها”.
ومما تقدم ذكره من معطيات، تنبع أهمية روايات د. نور الدين العلوي. فهو من بين القلة النادرة، إن لم نقل هو الوحيد الذي استطاع أن ينأى بنفسه عن هذا الالتحاق الإلزامي بقطبي السرد التونسي المعاصر كما فصلنا آنفاً، وأن يختط لنفسه طريقا ثالثاً في المسرودية الروائية، إن صح التعبير. وقد تأتى له ذلك عن سبيلين يتلخصان في أمرين اثنين:
– انتهاجه تكنيكا، بل تكتيكا سرديا ماكرا.
– وفي تبنيه لأبٍ مرجعي من خارج الفضاء التونسي.
كيف ذلك؟
الأمر بسيط مثل صباح تونسي مشرق على شفة البحر.
حيلة بسيطة ومعروفة لكل كاتب، ألا وهي الإخلاص لحياتك وحَكْيها أو تسْريدها كما حدثت وتحدث لك، لا لغيرك.
ذاك هو التكتيك، بلغة أهل السياسة.
أما المنهج الأساس فكان ما يمكن أن نسميه بالتبني والتبني المضاد ما بين نور الدين العلوي والروائي العربي الأشهر عبد الرحمن منيف، صاحب “شرق المتوسط”. نعم، منيف لا غير، هو من استبدل به العلوي آباءه التوانسة في فن القص. وعقد التبني بين الطرفين كان رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) تلك الرائعة البكر التي صدرت عام 1973 التي لا تدانيها باقي أعمال منيف في قوتها وسردها العنيف الحيوي المتحرك مثل تفاصيل عيش نبي مشرقي غريب في قومه.
في رواية (ريح الأيام العادية) كان نور الدين العلوي يرسم مشهدا لحياته المضببة القاتمة، على خلفية اضطرابات الجامعة التونسية والنضال الطلابي اليساري النقابي والمتأثر أيضا بثورة الطلاب في باريس 68 والمترحلة فيما بعد نحو تونس والعالم العربي، لكن أيضا المغلفة بـحَبِّ الشباب، وتلوثات المراهقة، وبدايات اكتشاف مساوئ هذا العالم الذي لا تنتصر فيه العدالة دائما.
في روايته التالية (مخلاة السراب) التي صدرت ببيروت والدار البيضاء عام 2005 يؤكد نور الدين العلوي التمشي نفسه في كتابته، وسيعطي تأثيرا أكبر لسطوة اللغة وجمالها، مما يجعلنا نكتشف شجرة أنسابه التي ستلحقه بمدرسة عبد الرحمن منيف الروائية، حيث التاريخ والواقع العربيان يتصارعان في معترك حياة ومصير البطل العادي.
حاول المؤلف في روايته هذه أن يحكي نفسه عبر استحضار مأساة جده، الرجل الذي خرج من الصحراء بعد صمت جنائزي دام لأيام طوال، والذين فطنوا إلى جثته وصلوا بعد النمل والذباب الأزرق والكلاب السائبة. وفي لقطة دالة من هذه الرواية نقرأ ما يلي:
” أهلي ثم أنا، شهود على هذا الرجل في بزته العسكرية وفي تُبـّانهِ السياحي الشفاف، شهود على رحلته الخائبة إلى أرض السراب حيث لا ماء ولا حياة. وأنا بعد ذلك شاهد على أن أهلي لم يفعلوا شيئاً ليفهموا البزتين، وكيفما حضر الرجل الأبيض فهم له حاضنون. أما أنا فأمضغ بطالتي وأقرأ الكتب لأرى عيوب أهلي وأشهد أنهم لا يتقدمون ولا أرى نفسي أراوح في مكاني فقد رأيت العالم يتقدم في دماغي حتى صدّقت أنه يتقدم في واقعي”.
في روايته الجديدة التي صدرت عن دار الجنوب بتونس تحت عنوان (تفاصيل صغيرة)، يذهب الكاتب بعيدا في تشريح المعيش اليومي وعلاقة ذلك بانعدام الأمل في عالم عربي ينهض من كبوة ليل مدلهم كي يلج كبوة أخرى فيما الليل البهيم يطول وما من صباح.
أما في روايـــة (المستلبس) للدكتور نـور الديـن العلـوي الصادرة عن دار الجنوب للنشر بتونس سنة 2005 بعنوان فرعي هو (اللهم الطف بنا فيما جرت بـه التقــارير)، فإن كلمة المستلبس تعني بالعامية التونسية (الممسوس) أو الذي مسه رجس من عمل الشيطان أو الذي سكنه قرين من الجن فهو مقسوم ومفصوم بين عالمي الباطن والظاهر. هذا الاستلباس ليس منظورا سيكولوجيا فجّاً كما في بعض الروايات الهزيلة التي يكتبها بعض العرب زاعمين أنها روايات نفسية أو فلسفية، بل هو استلباس واقعي تماماً يلعب فيه الأب والمعلم والشرطي والفقيه والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، الدور المهيمن في إلقاء القبض على الروح الشفافة للإنسان العادي، وزجّها في المتاهة وفقدان المصير.
إذن، ففي كل أعماله، حتى تلك الرواية المخطوطة التي عنوانها الأولي هو (الوحام) أو ربما (الوحم) يحفر نور الدين العلوي أسلوبه الروائي في تناول العالم عبر قالب أدبي صنعه لنفسه من بعض مخلفات قصيدة النثر والشعر العامي والقصص الشعبي والفن الشفاهي لتشكل ما يمكن أن نطلق عليه وبلا أدنى تردد، الرواية الشعرية، بامتياز.
ولد نور الدين العلوي في مدينة قابس بالجنوب التونسي في 3 شباط عام 1964. حاز شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من الجامعة التونسية سنة 2004 تحت إشراف الدكتور محمود الذوادي، ويعمل الآن أستاذا في كلية الآداب في الجامعة نفسها، فاز بجائزة الكومار الذهبي للرواية المكتوبة بالعربية مرتين، عن رواية «مخلاة السراب» (النص البكر) لعام 2001، وعن رواية «تفاصيل صغيرة» لعام 2010.
وقد صدر له من الكتب لحد الآن (القائمة محينة راهنا):
ريح الأيام العادية، دار سيراس للنشر، 1998. طبعة ثانية: دار مومنت، لندن، 2013.
مخلاة السراب، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2001.
المستلبس، دار الجنوب للنشر (سلسلة عيون المعاصرة)، 2005.
تفاصيل صغيرة، دار الجنوب للنشر (سلسلة عيون المعاصرة)، 2010.
في بلاد الحد الادنى، دار سحر للنشر، 2010.
الفقرة الحرام، دار المتوسطية للنشر، 2015.
مسافات قصيرة (مجموعة قصصية)، المتوسطية للنشر، 2015.
جحر الضب، دار الجنوب، 2017.
- ترجمة كتاب جان جاك روسو أصل التفاوت بين الناس سنة 2005 عن دار المعرفة للنشر بتونس.
أضف تعليق