كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أرجوك اعتنِ بأمي: رواية الأمهات والأحلام

آمنة اليحياوي

لقد قطعت هذه الرواية المسافات واللغات، الليالي والعذابات لتصل إلينا محملة بريح حقول الأرز وطعم البطاطا الحلوة لكنها أيضا بمذاق الملح، ملح البحر حينا وملح الدمع أحيانا. كتبتها كيونغ سوك شين بلغتها الأم – الكورية – ثم نقلها إلى الأنجليزية تشاي يونغ كيم، لتتولى المترجمة أفنان محمد سعد الدين نقلها إلى العربية، تماما كرحلة صاحبتها القروية التي غادرت قريتها سنة 1978 رفقة أمها لتقيم مع أخوتها بسيول. رحلة الكاتبة الممسكة بحلم تدسه بشغاف القلب، حلم تؤثثه الكتابة ويرسمه الأدب. كانت تقضي يومها عاملة بمصنع. لتركض مساء نحو عالم مختلف، طالبة ثانوية مرسمة بدروس مسائية ، إنه عالمها الذي سيمسك بأناملها الصغيرة ويحلق بها عاليا . كيف لا وقد جعلت منها رحلة الليل والنهار أشهر كاتبة بكوريا الجنوبية ولرواية “أرجوك إعتنِ بأمي”، التي صدرت سنة 2009، أشهر وأنجح ما كتبت كيونغ سوك شين، تُرجمت الرواية إلى أربعة وعشرون لغة وحازت على جائزة “مان” الآسيوية الأدبية لتكون بذلك سوك شين أول أديب كوري يفوز بها إلى جانب جوائز أخرى .
رواية تذرع يوميات أبطالها جيئة ورواحا الصباحات الباردة، روائح المطبخ الكوري محطات سيول المكتظة ، أعشاب البحر وأسماكه التي عجزت البطلة “بارك سو نيو” أن تدعوه بأسمائه لكنها كانت تميز بين أنواع البقول”. رحلة الأرز والشعير والمساءات الخاوية بعد أن أكل رصيف محطة سيول لقطار الأنفاق الأم ذات يوم حزين وهي تحاول أن تلحق بزوجها لصعود القطار لكنه لم يتنبه لغيابها ، إلا بعد زمن من صعوده. وحينها فقط أدرك طلبها الذي لم تتوقف عن طلبه طوال الخمسين سنة المقضاة معه ، أرجوك إمشِ ببطء… أتمنى أن تخفف من سرعتك قليلا… وهي تمشي خلفه تتصبب عرقا محرجة من بُطئها ” كيف استطعت أن تمشي بسرعة مع أن زوجتك طلبت منك طوال حياتك أن تمشي ببطء؟ لقد كنت تتوقف وتنتظرها، ولكنك لم تمش الى جانبها قط أو تتجاذب معها أطراف الحديث كما كانت ترغب وتتمنى ولو لمرة واحدة … جعلك اختفاء زوجتك تشعر أن قلبك سينفجر كلما فكرت في مشيتك السريعة …” . إنها اللحظة الأخيرة التي إنتهى معها كل شيئ وانحرف معها مسار حياة الجميع .
لكن “بارك سو نيو” – الأم – قد غابت قبل ضياعها بزمن طويل ، و لم يتفطن أحد لذلك . لقد بدأت تتلاشى شيئا فشيئا إلى أن تمكنت منها المحطات والتهمتها. بدأت بالغياب حين لم تعد تملك القدرة على توبيخ ” تشي هون ” البنت الصغرى التي صارت صحفية وكاتبة وكانت تكتفي بدلا عن ذلك بكلمات تتكرر في كل محادثة “ليس عليك الحضور إن كنت مشغولة “. لقد بدأت بالغياب حين صارت تشعر بالحرج أمام طاولتها المتسخة وأغراضها غير المرتبة وفوضى حياتها اليومية ، عند قدوم أحد أبنائها للزيارة لقد صاروا غرباء من حيث لا تدري . لقد شرع الغياب في استدراجها إلى مدارات التيه في غفلة منهم جميعا . عندها فقط تنبه البعض إنه لم يكن بوسعهم حقا أن يجزموا بمعرفتهم لأمهم .لم تكن تحب المطبخ كما خالوا لكنها كانت تشعر بالسعادة حين يدخل الطعام الذي تطهوه أفواه أطفالها تماما كما كانت تحس إن قلبها ينقبض خوفا حين يداهمها سؤال مفزع “ماذا سأطعم أولادي غدا صباحا؟”. لقد جعلتنا سوك شين من خلال الإمعان في الوصف والدقة في سرد التفاصيل ، قادرين على تحديد أوان الأم ومواضع ترصيفها والحبل القصير الذي كان يلف كلبها وأن نجزع لصداعها بعد جلطة دماغية صامتة جعلتها شيئا فشيئا تعاني من أجل أن تحدد طريق العودة من الحقل إلى البيت حتى إننا كنا نتمايل معها ونشعر بشيء من الدوار يلف رؤوسنا خشية على بطلتنا من المتاهة.
لقد كتبت الروائية القروية بالكثير من كيانها وهي تتحدث عن بطلتها ككادحة في الحقول وعن برودة الماء وقسوته حين كانت تنظف السمك دون شكوى، عن الخريف وحصاد الأرز وهي تنحني لتقطع النبات بمنجلها .لقد كانت سوك شين مقروءة مرئية بين أسطر ما كتبت حتى إنك تعتقد جازما وأنت تراوح فكرك بين مفاصل الحكاية وحياتها إنها تتجول بين الأسطر في شيئ من الحزن وتبكي صامتة عند نقاط الإستفهام حين يستحيل السؤال بلا فائدة ، وتتأذى من لسعة الماء البارد حين يحط على جسد بطلتها وقسوة الشتاء الذي لم يترفق بها . كما يضيق صدرها ليلا عند وصف السرير كلما همت “تشي هون” بالنوم بجانب أخويها.
كانت الرواية سلسلة من وصف لا متناهي عن ماهو حسي مادي، تصوير دقيق لحركات الجسد وتفاعلاته حتى إنك تعتقد في البدء إن الروائية لا تحفل كثيرا بوصف المشاعر أو ما يختلج الأبطال من أحاسيس وعواطف ولكنها في الحقيقة استطاعت بتمكن شديد أن ترسم الخوف دون أن تصفه وتثير في قلبك حزنا دون أن تشير لمكمنه وأن تعلق بفمك مرارة الخيبة من خلال الحديث عن نظرة عابرة أو حركة يد يائسة . وحده الجسد كان يملك مفاتيح ومغاليق الفرح والكآبة لهذه الحكاية كيف لا وإن كل الدروب إنحرفت عن خط سيرها بسبب مشية الزوج السريعة .
وفي الأثناء لاشيء كان يشغل الأم سوى هاجس اطعام الأبناء و تأمين إلتحاقهم بالمدرسة “ما الفائدة من تكوين أسرة إن لم يستطيع المرء حتى أن يرسل أطفاله إلى المدرسة؟”. هكذا كانت تعتقد بعنف جعلها تقدم روحها قربانا لهذا الإعتقاد ، باعت كل ما تملك في سبيل أن تتحقق أحلام الأبناء ليغادروها ودون إدراك منهم إنها ليست أمًا فحسب . لم يستطع أحد منهم أن يفكر بها “كطفلة وفتاة وامرأة شابة وعروس جديدة وأم أنجبتك لتوها”، نعم لقد كانت طفلة تماما كما كانوا تنشد حنوا ويدا ترتب على كتفيها . لقد كان لها أيضا أحلامها ، لكن لم تتحقق وأمنيات ماتت في سبيل أن تحيا أمنياتهم .
يطل علينا بعد ضياع الأم الإبن البكر “هيونغ تشول” محدثا نفسه، وقد جاوز الخمسين من عمره ، يجوب شوارع المدينة بحثا عنها مثقلا بالذكريات والعهود ، يشاهد العمر الذي انقضى والعذابات بين أكف الأحلام القديمة التي دفنت “في مكان ما بين صفحات الزمان”. إنه إبنها البكر ومرآة أحلامها المؤجلة . إنه إبنها الذي بنته يداها وعبّد حنوها له الطريق ، إنه من صُنعِ دموعها ورجائها. وهو يسأل المارة العابرين عن أمه ، جلس يتذكر يوم غادرت أمه البيت حين أوغل الأب في إيذائها وهو يرجوها أن تعود “سأفعل أي شيئ من أجلك يا أمي سأعمل في الحقول وأكنس الباحة وأجلب الماء سأطحن الأرز وأشعل النار سأطارد الفئران وأذبح الدجاج من أجل الإحتفال بطقوس الأسلاف ، ولكن من فضلك عودي إلى البيت.” لقد عادت في تلك المرة على وقع رجائه لكن هذه المرة لم يعد بإمكانه إقناعها بالعودة، لقد أفل نجمها عند محطتها الأخيرة .
لقد إختفت البطلة لكن مع إختفائها صار لها وجود ملموس في حياة كل فرد من عائلتها ، لم يعد ذاك الوجود المسلم به كما كان بل صار موجعا حد القسوة ، صارخا رغم الصمت لذلك “إن صمت الموتى يجعل الباقين ممن هم على قيد الحياة يصابون بالجنون”. الجنون وحده قادهم نحو إكتناه حجم الخسران والفقد وإدراك ثقل أوجاع الأم وأحزانها .لقد كانت بارك سو نيو عاجزة على أن تمشي بسرعة لتلحق بزوجها وهي محرجة ، لكن كان لها من القوة ما مكّن أبنائها أن يلحقوا بركب الحياة أشداء منتصرين ، ومن ثم أدركوا حقيقة أنه كانت لهم أم قوية ” فكري في الأمر ، لقد أنجزت أُمنا أعمالا يعجز شخص واحد عن إنجازها بمفرده ، أعتقد أنها لهذا السبب أصبحت أكثر خواء من الداخل ” خاوية إلى أن تلاشت بالكامل على رصيف محطة سيول لقطار الأنفاق.
كانت الرواية أشبه بمرايا تضعنا أمام ما تخفى عنّا من حقائق ، و نحن في لهفة وغفلة من أمرنا، نستعجل الخطى من أجل ما نريد وفي الأثناء يضيع منا الأغلى.. الأهل والعائلة. وهذا ما أبدعت الكاتبة في نسجه ، لنكتنهه ونحن نقرأ بقلوبنا حكاية الأم – البطلة – و نتذوق معها ملح الدموع وقسوة البرد . شيئ ما في هذه الرواية، في أحد زواياها المثخنة بالأحزان والأحلام الموؤودة، يكتب قصص الملايين من الأمهات بالعالم، اللواتي خلقن ليكن أمهات فقط… أمهات لا غير . لذلك ظل سؤال البنت الصغرى ” تشي هون” معلقا دون إجابة: ترى لماذا لم أفكر قط في أحلام أمي؟”.

صدرت النسخة العربية للرواية عن الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى سنة 2011 ترجمة أفنان محمد سعد الدين

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.