كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

بقايا ليل

بقلم عفاف الشتيوي

كان اللّيل كثيفا تلك اللّيلة، وكانت تمطر بهدوء. لكن لا أحد كان يعبأ بحبّاتها الفضيّة، فكلّ شيء مخادع على هذه الأرض. كانت وجوها مملوءة ندوبا، كانت وجوها هاربة من وجوهها، ولا تشتهي أن يراها أحد، لذلك كانت تنتظر أن يهلّ الظلام، ويخفت العالم لتخرج. وما إن استبّد السّكون حتى خرجوا يتعثرون في الظلام، يحثّون الخطى نحو مكان لا يعرفون أين يقع، لكن كان همّهم أن يخرجوا.

ولمّا جمعهم طريق مظلم، ضيّق، أخذ كلّ وجه يسائل الآخر ماذا تفعل هنا؟ كلّ واحد كان يعتقد أنّه الوحيد الذي قامر بالخروج في اللّيل والمطر. لكنّه اكتشف أنّه لم يكن وحده. في طريق مظلم لا يشبه أيّ طريق حثّوا الخطى يبحثون عن مخرج. ورغم أنّ الظلام كان يستبد بالطرق، إلا أنّهم آمنوا أنّهم لاريب واجدون مخرجا، وحتى إن لم يجدوه، فالمهمّ أنّهم حاولوا ولم يبقوا ثابتين. غمغمت عجوز متعبة، كانت التجاعيد أكلت جزءا من وجهها، ورغم ذلك كان همّها أن تجد مخرجا، أن تموت خارج هذا المكان. حتى الموت يختلف، ثمة موت أنيق. ربما هذا ما كانت تبحث عنه هذه العجوز. ابنها ردّد لا يمكن أن أتركها بمفردها، لابد أن نخطو الخطى ذاتها بحثا عن مخرج. لا يهمّ إن عثرنا على مكان يؤوينا أو يستوعبنا، المهمّ ألا نبقى هنا، لقد تعبنا. كانت بعض التجاعيد قد غزت وجهه، رغم أنّه يبدو شابّا. الكلّ عجزة في هذه الأرض، يشيخون بسبب أو بغيره. لا ريب في أنّ ما يجمعهم هو البحث عن شباب آفل أو استرجاع شباب ذوى. لابد أن نجد مكانا يستوعبنا، لا يعقل أن يخلق الله شعبا ويتركه دون أرض تحتويه ورجل عادل  يسوسه. لابد أن نجد من يطعمنا ويحمينا ويداوينا، لا يعقل أن نبقى هكذا غفلا في منفى. ربما ما نتوق إليه هو أن نمنح أسماء تعيد إلينا وجوهنا التي سلبونا إياها. ربما، لكن هل من الممكن أن نستعيد وجوهنا بهذه البساطة، ونحظى بأسماء جديدة؟ المسألة ليست مسألة أسماء، أن نمنح أسماء، يعني أن نمنح هوية جديدة، انتماء جديدا، ثقافة جديدة، وربما دينا جديدا. هل سنبقى ما نحن عليه في هذه الحالة؟ المهمّ أن نخرج، ليس المهمّ ما نكون عليه. كلام كثير كانت تردّده الوجوه في الظلام. تبدو الأصوات في الظلام همهمات حزينة، تساؤلات رتيبة، أغان حزينة.

هكذا كانوا يتبادلون الكلمات في الظلام. كانت كلمات قليلة، لكنّها بليغة وعميقة نفّست عمّا يثقلهم. ثقيلي الخطى مرّوا، لم ينتبه إليهم أحد ولا اهتمّوا بالتّعرّف إلى بعضهم البعض. كان شيء واحد يوحّد خطواتهم، شيء واحد يجمعهم. هذا الشيء هو الذي جعلهم يحثّون الخطى في اتجاه المجهول مؤمنين أنّ الطريق ستسعفهم وستمنحهم مكانا يستوعبهم، يستوعب أحلامهم وآمالهم وما تبّقى فيهم.

في الظلام لم يكن يتناهى إلى الأسماع سوى وقع الخطى، حفيف الصمت، ذهول العيون التي اغتابتها قطع اللّيل الداكنة. منظر الوجوه المشوّشة والأرجل المتوازية مربك، لكنّه يستحق أن تُسوّى له الحروف وأن تُحشد له الكلمات. هذا ما فكّر فيه كاتب خرج هائما على وجهه ليلا وقد أثقله اللّيل والملل والوجوه المحتاطة من وجوهها. رآهم، فأخذ يلاحق خطواتهم الرثّة في اتجاه المجهول.

أحيانا لا تحتاج للبحث عن شخصيّات تصلح لتسويّ نصّا، بل تأتيك عفوا في عيون مثرثرة وخطى متعثرة، تنبئك بحبكة ملائمة لدرء قسوة هذا اللّيل. من اللّيل تُصنع المعجزات، من حبّات المطر الفضيّة تتأتى الأفكار وتصخب الكلمات.

يلوذ بزاويته، وعيناه تتردّدان بين الوجوه المشوّشة والأرجل المتوازية التي تغتاب اللّيل بحركتها المريبة.  تتبلّد الدقائق والثواني، تصبح هلامية، مائعة. هكذا كان الزّمن الذي يدفع خطاهم.

وهم يجرّون خطاهم، لفحّتهم حبّات فضيّة. شكرا أيّتها السّماء. هتفت العجوز، وقد تبلّل جبينها بحبّات المطر. ردّد الفتى وهو منتش بالحبّات الفضيّة التي تبلّل شعره الكثّ. المطر… ما أعمقه ما أعذبه. رفعوا عيونهم إلى السّماء. صدّقوا أنّ المطر يحمل شارة النّصر، صدّقوا أنّهم يسلكون طريق الصواب، وأنّهم واجدون مخرجا من هذا المكان. وهم يجرّون خطاهم في طريق مظلم لا ينتهي، تناهى إليهم صفير قطار. مرة أخرى ترفع العجوز ناظريها إلى السّماء، وتردّد الحمد لله. تبادلوا في الظلام نظرات غائمة وأسماعهم معلّقة بصفير القطار. القطار، القطار آت. هل هو الخلاص. ترى إلى أين يأخذهم هذا القطار؟ لا يهمّ، المهمّ أن يرحلوا، أن يخرجوا من هذا المكان. تبادلوا ابتسامات غامضة, لم يبتسموا منذ دهر. نسوا كيف يبتسمون. جرّوا خطاهم الكثيفة في اتجاه الصوت. رأوه، رأوا عرباته تجرّ الواحدة منها الأخرى، رأوا قاطرته الضخمة، رأوا أبوابه تُفتح، ودون تفكير صعدوا.

كان المكان مريحا، نظيفا، وكانت وجوه المسافرين هادئة. اتّخذ كلّ منهم مكانا. فضّلوا مقاعد متقاربة. وأخذ كلّ منهم ينظر إلى الآخر مستشعرا بعض الطمأنينة لوجوده بقربه. إلى أين يتّجه هذا القطار؟ توجّه الفتى بالسؤال إلى مرافق كهل، لكنّه لم يجبه. فصمت. انتبه إليه ابن العجوز، وقال: لا يهمّ، المهمّ هو أن يخرجنا من هذا المكان، المهمّ أن يأخذنا إلى مكان آخر. طبعا، لم يكن يهمّهم إلا أن يخرجوا من هذا المكان، لم يكن يهمّهم إلا أن يروا وجوها ملوّنة. لم يكن يهمّهم سوى أن ينتبهوا إلى ملامحهم التي أكلها الزّمن وأن يرفعوا التجاعيد والندوب التي علّت قسماتهم. لم يكن يهمّهم إلا أن يصرخوا، يضحكوا، يرقصوا، فقد تجمّدت أجسادهم، وتآكلت ملامحهم. إنّهم لا يبحثون إلا عن حياة لا غير، دقيقة واحدة، جرعة واحدة من الحياة تكفي. ردّدت العجوز. حتما سيأخذهم هذا القطار إلى مكان سخيّ يرتّب ملامحهم ويعيد إليهم وجوههم التي فقدوها. حتما سوف يعثرون على المكان. آه من المكان. ألا يمكن للإنسان أن يعيش خارج المكان. الإنسان مبتلى بهذه الأمكنة. مذ يولد وهو مكبّل بالأمكنة، مكبّل بالأزمنة السّحيقة التي تردّده وتكرّره إلى أن ينتهي. أيعقل أن تكون هذه سيرورة الإنسان الغبيّة؟ الإنسان هو الذي اخترع المكان، واخترع من يسوس المكان، واخترع من يصونه، وما عليه إلا أن يتحمّل ما ينتج عن ذلك من انحرافات. ربما. فكرّ الكاتب، وهو يلحق خواطره بالوجوه المتورّمة في القطار. الوجوه التي تعتقد أنّ تجاعيدها ستختفي بمجرد وصولها إلى مكان آخر. الوجوه التي تبحث عن أرض تحتويها، فتعيد ترتيب أيامها. ألهذه الدرجة ضاقت عليها أرضها؟ ماستكون ملامح الأرض الجديدة، المكان الجديد، هل هو مطابق لما استقرّ في مخيلاتهم المعطوبة؟ ربما هذا ما كانت تفكّر به الوجوه المضطربة وهي تنّقل نظراتها بين الشّوارع والبنايات والأشجار. 

طالت الرّحلة، متى نصل؟

أعتقد أنّنا سوف نصل قريبا.

منذ متى ونحن هنا؟

لا أعرف، لقد أتلفت ساعتي قبل الصعود.

سل الرّجل الذي يجاورك.

إنّه لا يجيب.

ولا رفيقي، لا أحد يجيب هنا. ما الخطب؟

إنّهم لا يهتمّون بالتواصل معنا، لكن من المؤكد أنّهم يبحثون مثلنا عن أرض أخرى، عن مكان يحتويهم. يهرول القطار مشحونا بالأنوات الضائعة، يهرول إلى المكان. تنعس العيون، تنحني الوجوه، تتشابك الأحلام. ينامون، يستيقظون، مازال القطار مهرولا، مازال المرافقون صامتين، ولا أحد يملك ساعة تنبئهم بالوقت. كم تبّقى من الرّحلة؟ يغمغم الفتى. لا تجيبه سوى النّظرات الصمّاء. ماذا إذا لم نصل؟ خاطرة عنيفة استولت عليه. كلّ القطارات لها محطّات انطلاق ومحطّات وصول. إذن لابد أن نصل. هذا المنطق. ابتسم وعيناه تتابعان البنايات والأشجار من النافذة. تأفّفت الفتاة. كانت جميلة رغم ملامحها الحزينة. لقد أنهت الرواية الثانية. نامت. حلمت. استيقظت ولمّا تنته الرحلة… معقول. هل يتمطّط الزّمن بهذا الشّكل الحادّ؟ ربما. رددت في داخلها وعيناها تلاحقان الأشجار والبنايات. لقد أمضيتُ سنوات في المكان ذاته، لاشي كان يحدث، كلّ الأيام كانت يوما واحدا، لونا واحدا، طعما واحدا. كنتُ أكرّر أيّامي أو كانت الأيّام تكرّرني بشكل تعسّفي. فلمَ تزعجني رحلة طالت؟ فلتطل، المهمّ أن نصل. المهمّ أن يتغيّر شيء ما. المهمّ أن أجد لي الطريق.

 تأفّف شابّ ذو شعر كثّ، داكن، وهو يقضم غليونه بعصبية. مرّة أخرى يضطر للانتظار. إنّه يكره الانتظار، لشدّ ما أمضّه الانتظار. هل سنتظر مرّة أخرى الوصول؟ والوصول إلى أين؟ هل سيصل فعلا إلى المكان؟ هل ستكون ملامحه مطابقة لما استقرّ في خياله؟ حتما، لا يمكن أن تذهب كلّ جهوده سدى. ردّد في داخله وهو يتكئ على الباب، ويرسل غمامات من دخان، وعيناه تستقرّان على الفتاة الجميلة التي تقلّب أصابعها صفحات الكتاب. وخمّن أنّ في إمكانه أن يبادلها ابتسامة، كلمة، موعد، لقاء، قبلة… وتتالت الخيالات، وتتالت المنامات، تلوّنت الأجواء، وباتت كلّ الوجوه جميلة. هنا يمكن أن يُصنع الفرح مادام ثمة وجوه جميلة. أليست هذه هي الحياة؟ ربما. ابتسم كالأبله، ثمّ غمره الحياء لمّا انتبه إلى أنّها انتبهت إلى ابتسامته. لكنّها لم تهزأ منه، بل بادلته ابتسامة. وخيّل إليه أنّ القصّة قد بدأت فعلا. القصّة بسيطة، يمكن أن تبدأ بخاطرة ملوّنة تتأرجح بين غمامات الدخان.

في العربة الثانية تحني العجوز رأسها على كتفي ابنها، عيناها على الفتاة التي تتلاعب بصفحات الكتاب. لقد ذكّرتها بابنة كانت لها يوما. فكّرت لو لم تمت ابنتها لكانت بعمر هذه الصبيّة. لقد أنقذها الموت من الانتظار، لقد أنقذها من عبث لا طائل منه. سنصل، حتما سنصل يوما. قالت العجوز وهي تربّت على تجاعيدها. لقد بارحتني الآلام التي كانت تمضّني. أشعر بأنّني خفيفة ومنتعشة، أشعر بالحياة. لم يخامرني شعور كهذا من قبل. جميل أمّاه، جميل، قريبا سوف ترين الحياة بعيون سكرى. ثقي أمّاه، ثقي بهذا القطار الذي سيخرجنا من هذا الموات، من هذه الأيدي القذرة التي تواطأت علينا وسلبتنا كياناتنا. هل سيسّعنا هذا المكان؟ المهمّ أن نخرج أمّاه، المهمّ أنّنا خرجنا، الباقي تفاصيل غير مهمّة. أصدّق كل ما تقول بنيّ.

مرة أخرى تتشابك النظرات، تتقاطع العيون في زوايا القطار، تتحسّس الأجساد الرخوة عجلاته التي تطوي المسافات، تتناحر الأسئلة ذاتها، تتناحر الخواطر ذاتها. يتبادلون بضع كلمات، ثم يلوذون بالصمت. ثمة ألفة بدأت تنشأ بينهم. يكفي أنّهم خرجوا من ذاك المكان. ربما الحلم، الحلم هو ما يوحّد بينهم، ويجعل كل شيء بينهم ممكنا. مازال القطار يطوي المسافات، مازالت النظرات معلّقة، المشاهد تتكرّر، النظرات تتكرّر، الهمهمات تتكرّر، التأمّلات تتكرّر. هل هو التكرار مرة أخرى؟ هل هو الخراب مرة أخرى؟ اللّعنة، تأفّف الشابّ المدخّن وهو ينفض علبة السجائر. فليتوقّف على الأقلّ أشتري علبة أخرى أو أبادر هذه الحسناء بكلمة. لا يعقل أن أظلّ مقيّدا بهذه السّيرورة الغبيّة داخل قطار لا يتوقّف. لكن كيف انطلق؟ يحاول استعادة ما حدث، يحاول استعادة لحظة انطلاق القطار، يحاول تذكّر ملامح المحطة، ملامح القاطرة، السائق… تخونه الذاكرة، يطيل النظر إلى الأجساد الرخوة التي تملأ المقاعد، أجساد متشابهة تبدو جسدا واحدا. هذا التشابه قاتل، هذا التماثل مريب. ما الذي يحدث؟ لابد أن نوقف هذا القطار. ردّد الشابّ وتعلّقت به كلّ العيون. الكلّ يريد أن يوقف هذا القطار. لا يعقل أن تطول الرحلة إلى هذا الحدّ. ترى أين نحن الآن؟ رددت العجوز وأجابها ابنها وهو يلوّح بنظرة صامتة ليتنا نعلم. تطاولت الأعناق من النوافذ عسى أن تقع على لافتة تشير إلى المكان. لكن لا شيء. لا لافتات هنا. غمغم الفتى. لا وجهة واضحة، لا لافتات، هل تهنا؟ ما الذي يحدث؟ ردّد الشابّ المدخّن. وأجابته الحسناء بنظرة حيية وقد تملّكها الخوف. إنّها متاهة أخرى. طأطأ الكهل رأسه. لا يعقل، ما كان علينا أن نمتطي القطار، ما كان علينا أن نخرج. لا أهمية لهذا الآن، لقد خرجنا وامتطينا القطار. كانت الظلمة تستر كل شيء. عن أيّ ظلمة تتحدّثين؟ عن ظلمة اللّيل أم عن تلك التي توشّح نفوسنا؟ لست أدري. طأطأت الفتاة رأسها وقد تضاعف ارتباكها. لقد تركتْ كل شيء من أجل مكان تحمّله أحلامها وما تبّقى من شبابها. أيخونها المكان؟ اللّعنة على هذا القطار. يصرخ الشابّ المدخّن. يجب أن يتوقّف. ماذا إذا لم يتوقّف؟ خاطرة عنيفة أربكت خيال الصبيّة الحسناء، وشعرت بالدموع تتغلغل في عينيها وتسري بهدوء على خديها. شعر الشابّ المدخّن بدمعتها الحيّية وودّ أن يمسحها وأن يضمّها إليه، لكن لم يكن يسعه إلا الصراخ. فصرخ مرة أخرى بأكثر حدة. يجب أن يتوقّف هذا القطار، فلنوقف القطار. تابعه الحاضرون بعيون مرتبكة. أمّا بقية المسافرين، فكانوا ثابتين، لايبدون أيّ موقف، لا يتفاعلون البتة، لا ينتبهون إليهم حتى، ترى من يكونون؟ غمغمت العجوز وقد خيّل إليها أنّها شخصيّة في فلم من أفلام الرعب التي أدمنت عليها في السّنوات الأخيرة. ونبّهت ولدها قائلة: هلا نخست الجالس أمامنا. لكنّ ابنها لم يأبه لها، وردّ هامسا: إنّه لا يريد أن يزعجه أحد. أيكونون أمواتا؟ ردّت العجوز فزعة. من أين تأتين بهذه الأفكار أمّاه؟ أعرف، أعرف، لقد أثّرت فيك أفلام الرعب التي تدمنين مشاهدتها. إنّهم مسافرون مثلنا. هل نحن فعلا مسافرون؟ لكن إلى أين؟ نحن لا نعرف حتى وجهة هذا القطار. إلى أين يأخذنا؟. غريب ما الذي يحدث في رأسي؟ ما الذي يحدث في هذا المكان؟ إنّه مكان مخيف، أريد أن أنزل من هذا القطار. ليس قبل إيقافه. غمغم الشابّ المدخّن، ومضى راكضا إلى القاطرة بحثا عن السائق. لكنّه سرعان ما عاد فزعا وعيناه تكادان تثبان من محجريهما: لاسائق في القطار. صرخ الجميع بصوت واحد لاسائق في القطار.. كيف كيف كيف أتى؟ كيف صعدنا؟ من أنتم؟ غمغم الشابّ. من أين جئتم؟ ما الذي جعلني أتبّعكم؟ ما الذي أخرجني ليلا؟ إلهي ما هذا؟ ما الذي يحدث في هذا العالم؟؟ لم نكن سوى وجوه مرهقة تبحث عن مكان يرتّبها، أليس كذلك؟ وجدنا قطارا، فامتطيناه، ظنّنا أنّه سيحملنا إلى مكان يسوّي ملامحنا ويعيد إلينا كياناتنا، لكن تبيّن أنّ القطار بلا سائق وأنّه يهرول منذ زمن، ولا يعرف متى يتوقف وإلى أين يمضي. غريب غريب. لخصّت الفتاة الحسناء الحادثة وهي تجهش بالبكاء. لنتحد ونوقف القطار، لا يتّسع المقام للبكاء. الرجال لا يبكون. الرجال يفعلون. هذا ما ردّده الشابّ وهو يدعو بقية الرجال إلى إيجاد طريقة لإيقاف القطار. أيّده البقية بنظرات متواطئة، فيما عينا العجوز لا تزايلان بقية المسافرين الذين ظلّوا على حيادهم. أصبح الرجال جسدا واحدا، اتّجهوا إلى القاطرة. اتّخذ الشابّ مكان السائق، أخذ يعمل يديه في ما وجده من أجهزة، أخذ يبحث عن المكابح، لكن دون جدوى. يجب أن نجد طريقة أخرى لإيقافه. ردّد وهو يدعو الرّجال إلى الصعود فوق القطار وإيجاد طريقة لإيقافه لعلّهم يجدون من يساعدهم أو لعلّهم يقفزون فينجون بأنفسهم. هذا ما فعله الرّجال، كان القطار يهرول، سرعته تشتد، ملامح المكان ضبابية. لا لافتات. لا وجوه. لا بنايات. لا سيارات. لاشيء سوى عجلات تطوي الطريق، داخلها وجوه مشوّشة. فكّر الشابّ في القفز، لكن أربكه الموقف. سيموت لو تجرّأ وفعلها. سرعة القطار غير عادية.  ما الحلّ إذن؟

ما الحلّ إذن؟ جميل أن تحشر الشّخصيّات في وضعية جنونية، ولا تجد طريقة لإخراجهم من هذا المأزق. غمغم الكاتب وهو متكئ على الكنبة. هل أوقف القطار؟ لكن كيف أوقفه؟ هل أجعله يتحطّم، ينفجر؟ سيموتون، وأنا لا أريد أن يموتوا بهذا الشكل العشوائي. إذن ما العمل؟

 الشابّ عنيد ولن يسكن قبل أن يجد طريقة لإيقاف هذا القطار. والفتاة حالمة ولن تهدأ قبل أن تسترد بريق أيّامها. والعجوز لن تصمت قبل أن ترمّم تجاعيدها إذن ..

غمغم الشابّ، وقال: سأقفز وليحدث ما يحدث. أنا ميّت في كل الحالات. وأنا كذلك سأقفز لا أحتمل هذه الهرولة المحمومة. العجوز أنفقت الوقت في الصلاة والدعاء، أمّا ابنها فكان في سرّه يلعن هذا الإله الذي قذف به في اللامكان مرة أخرى. يثقل الصمت، ولا يخرقه سوى أزيز العجلات واحتكاكها بالسكّة. أصوات عنيفة تحتد، سينفجر. تصرخ العجوز. سنموت. تولول العجوز. اصمتي، اصمتي، أيّتها العجوز. يصرخ الشابّ، لن نموت بهذا الشكل العبثي، لن نحترق، لن نتطاير شظايا. مازالت لنا حيوات وأنوات وأحلام وفضاءات. أيّ عبث هذا . بهدوء ردّدت الحسناء مشهد تراجيكوميدي أن تنتهي فتاة حسناء تقلّب أصابعها صفحات رواية بهذا الشكل العبثي، أن تنتهي فتاة لمّا تنتبه إلى جمالها، لمّا تنتبه إلى حياتها، لمّا تنتبه إلى أنغامها. كلّ ما كان بيدها الخروج إلى النور، البحث عن طريق، مغادرة اللامكان إلى المكان. تتكتّل الوجوه، ولا يطفو سوى لون واحد، صوت واحد. ترتجف الشفاه، يثقل الصمت، يدبّ الوجوم، وتزداد العجلات احتكاكا، ويشتد الأزيز. تهفت الحركة. إنّه الموت، الموت القادم بهدوء، الزاحف على الأنوات المتضوّرة فراغا. سيموتون كالغرباء، سيموتون كالأغبياء. كلّ ما في الأمر هو أنّهم امتطوا قطارا لا يعرفون له وجهة. كلّ ما في الأمر هو أنّهم فكّروا في الخروج من اللامكان. يشتد الأزيز ويحتد الصوت. يغلقون آذانهم، لا رغبة لهم في تحمّل دويّ الانفجار أو الانتباه إلى أجسادهم التي ستتطاير بعد قليل. ثم يهمد الصوت، يسكن، تتأنّى الحركة، تتضّح معالم الأشياء، ويتوقّف القطار. ما الذي حدث؟ كيف توقّف؟ من أوقفه. الحمد لله، الحمد لله. ردّدت العجوز. يمهل ولا يهمل. لقد وصلنا، لقد وصلنا. تبادلوا نظرات قلقة غير مصدّقين أنّ القطار سوف يتوقّف وأنّهم وصلوا فعلا. هل انتهت المحنة؟ ردّد الفتى وهو يتأمّل ملامح أمّه المتضوّرة فرحا. لقد أجاب الله دعاءها.

كل الأقدام المتخشبة هرولت إلى مكان واحد. كل العيون كانت معلّقة على مكان واحد هو باب القطار الذي انفتح لمّا توقّف القطار. هرولوا كما لم يحدث يوما، هرولوا غير مصدّقين أنّه توقّف أخيرا. إنّها معجزة، معجزة حقيقية. تدافعت الأرجل، تدافعت الوجوه المحتشدة لتعاين المكان الجديد، لتستقرّ على الأرض، لتبتسم، لتفرح، لتصرخ، لتصلّي. تداعت في لحظة واحدة وهي تعاين المكان. غير معقول البيوت المنحنية واللافتات المقشرة، صراخ الباعة الجوّالين، الأطفال الحفاة العراة الذين يخيطون الشوارع، سباب السكارى وشتائمهم التي لا تنتهي. بيوتهم ذاتها في انتظارهم، مواتهم بانتظارهم، أيّامهم بانتظارهم. لم ننطلق، كنا في المكان ذاته. معقول…؟؟ صرخ الشابّ المدخّن وهو يشدّ رأسه بكلتا يديه، فيما أخذت الفتاة تصرخ وتبكي. لا لا ليس مرة أخرى. ليس مرة أخرى. أمّا نظرات العجوز فقد تاهت وهي تحاول قراءة ما استقرّ على اللافتة من حروف، محاولة إقناع نفسها بأنّها لا تدلّ على قريتها النائية ذاتها. إذّاك تثاءب الكاتب، وكان النور ينعكس على الأوراق البيضاء، فيبدى بعض الحروف. ما أجمل أن نكتب في الظلام. حين ذيّل نصّه بتاريخ اليوم، كان الباعة الجوّالون يدفعون عرباتهم. عيونهم تتوسّل النور وجباههم العريضة تثرثر بتواريخهم المعطوبة، وعاملات المصانع يتعثرن في خطوهن إلى محطة الحافلات. ردّد لابد من قهوة، لابد من القهوة.  دسّ الأوراق في جيب سترته، وحثّ الخطى   باتجاه أقرب مقهى. وما إن وطئته قدماه حتى تناهى صفير القطار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.