كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أحلام القاموسيين

لؤي حمزة عبّاس


حيواتٌ معزولة
تُرينا الكتابةُ ما يغيبُ عن أعيننا المجرّدة في مختلف الجهات، علوّاً وانخفاضاً، شمالاً وجنوباً، على سطوح الأشياء وفي أعماقها. كائناتٌ تولد وتحيا وتموت في الجهات كلّها، ثمة أناسٌ في العلو البعيد وفي القيعان السحيقة، على السطوح يعيشون مثل ديدانٍ صغيرةٍ، وفي الأعماق المبهمة. تُعيننا الكتابةُ على رؤيتهم والاستماع إلى أصواتهم، تمنحنا الفرصةَ لمشاركتهم روعةَ لحظاتهم وهم ينظرون إلينا. الكتابةُ ناظورٌ، مرهفٌ وجديدٌ في كلِّ عصر.
إنها أيسلندا، الأرضُ الواسعةُ بلا حدّ، الباردةُ والمتصحّرةُ، ثلاثمائة ألف ساكن في مائة ألف كيلو متر مربع. من أجل تحمّل العزلة، يوجّه المزارعون مناظيرهم بعيداً ليراقبوا المزارعين الآخرين الذين ينظرون لهم بدورهم من خلال المناظير. يعلّق ميلان كونديرا: “أيسلندا، حيواتٌ معزولةٌ ترصدُ بعضها “. إنه، من جهة أخرى من بين جهات العالم، درسُ الصحراء، حيث لا بيت، ولا سور، ولا باب، العالمُ واسعٌ ومفتوح، وهو، مع ذلك، ضيّقٌ وخالٍ إلى درجةٍ مُريعة.


النوم:
أربع حالات في تعريف الكتابة
1. من باب النوم تدخلُ إلى الكتابة، ذلك لا يعني، أبداً، أن الكتابةَ فعلٌ يتفتقُ مع تعطّل الحواس والدخول المؤقت في الموت. من باب النوم تدخلُ إلى اليقظةِ الأولى.
2. ستكتبُ الكثيرَ أيها النائمُ، ستنظم عقوداً من كلمات، في كلِّ عقدٍ منها عوالمُ من أشجارٍ وخيولٍ وجبالٍ وأنهارٍ وطيور. كتابةُ النوم تؤآخي الطبيعة، تقرّبنا منها وهي تنفخُ فيها من أحاسيسنا، لتكون الطبيعةُ، عندئذ، امتداداً لذواتنا. الغصنُ المديدُ يدٌ مورقة، والنهر الجاري عاريةٌ تستلقي على مرآة، والطائرُ قبلةٌ أو دمعةٌ أو سكّين تلمعُ في الضوء، يتوقّفُ ذلك على لونهِ وخفّتهِ وطبيعةِ طيرانه، تحليقاً أو نزولاً. وحدهُ الجبلُ يظلُّ جبلاً في النوم.
3. لك أن تمحو من كتابةِ النومِ ما تشاء، شرطَ أن تمحو داخل النوم، ليس ثمة شئٌ خارجه. خارجَ النومِ حياةٌ متخيّلةٌ وحلمٌ واقع: أناسٌ وآلاتٌ وحروب. تمحو السلالمَ الدائريةَ العالية، عالية وملتوية، بدرابزينها الأسود الحديد. السلالم التي قادتك، وأنت العاشق الولهان، للمرأةِ العاريةِ وهي تصعدُ مثل شجرةٍ مثمرةٍ، بتواترٍ واصرار، درجةً بعد أخرى.
4. كتابةُ النومِ ضربٌ من اللعب، لعبٌ حرٌ يبتكرُ مجازاته لحظةَ يُلعب.


محاولةٌ صائبةٌ، هذه المرّة
1892: إنه يولدُ الآن، الرجلُ الذي سينتحرُ في بورت ـ بو، بعد ثمانيةٍ وأربعين عاماً. رئيسُ حركة الطلبة الأحرار، الذي حدّد انتحارُ صديقيه فريتس هاينله وريكا زليجسون، بعد اندلاعِ الحرب، نقطةَ تحوّل في حياته. الذي قابل جيرشوم شولم وفيرنر كرافت في العام 1915، كما قابل ريلكه. العائدُ إلى برلين بعد خمسةِ أعوام، من أجل نقدٍ للعنف.
بعد ثلاثةِ أعوام، ريجفريد كراكاد وثيودور أدورنو. لوحاتُ بودلير الباريسيةُ مترجمة ومنشورة، تسبقها مهمّةُ المترجم. رحيلٌ إلى موسكو، ثم ستة أشهر في باريس من أجل بروست، وبواكي باريس، وفرانتس هيل. لقاءٌ مع بريخت عام 1932، العام الذي ولد فيه أبي، عاملٌ تأسيسات الماء في ميناء المعقل، هنا في البصرة، جنوب العراق، حيث أقيمُ وأفكّرُ بالكتابة وكيف تدوِّن، بالتقاطاتٍ وتلميحات، مجرى حياةِ الآخرين.
نيس مدينةٌ مناسبةٌ لمحاولةِ انتحار. إنه يحلمُ. صورةُ هتلر يطلّ من نافذةٍ تتكرّر في حلمه، كأنها قادمةٌ من عصرِ الاستنساخِ الميكانيكي. إنه هو، مرّةً أخرى، هوديتليف هولتس، راوي الحكايات، اسمٌ وقناعٌ جديدان.
1938: أبي بعمرِ ستِ سنوات، صبيٌ أسمر قصير يركضُ قربَ النهر، وهو مع بريخت، في الدنمارك، إقامةٌ أخيرة. صورةُ هتلر. النافذةُ. الحلمُ. بعد اندلاعِ الحرب يُعتقل في نيفير. بعد عامٍ واحدٍ يحصل على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة. في سبتمبر تفشلُ محاولتُه لعبور جبال البرانس. في 26 منه ينتحر في بورت ـ بو. محاولةٌ صائبةٌ، هذه المرّة.
إنه هو، فالتر بنيامين، وتلك كتابته: صبيٌ يركض، رجلٌ يسقط، منتحراً، قرب النهر.

الأسماء
مثل كلِّ البشر، كان يملكُ الكثيرَ من الأسماء، للطفولةِ، والصبا، والشباب، والكهولة، للعزوبةِ والزواج. رجلٌ بأسماء ملوّنةٍ تشبه كراتٍ زجاجيّةً محفوظةً في علبةِ مقوّيات. أسماء لليل وأخرى للنهار، لكلٍ منها صورةٌ بملامح لا تشبه سابقاتها إلا قليلاً. إنه أنت قبل ستِ سنين فحسب، كان اسمك سادنَ الليل، وكنتَ شمّاساً في ديرٍ أعلى الجبل، تتلو القراءات اليوميّة، وتنادي بأسماء الآباء البطاركة الذين رقدوا في الرب، أنظر: “من ديرِ الأخوةِ القبارصةِ الأتراك، لكم حناني الموصول”.
يتقلّب كلٌّ منّا بأسماء تتبدّل في كلِّ وقت، حتى يغدو، آخرَ الأمر، غابةً بأشجارٍ عاليةٍ وزواحفَ وطيور، يأكلُ بعضُها بعضاً، حتى تأتي الغابةُ على نفسها.
ليس سوى اسمٍ واحدٍ لجسدٍ واحد: تقولُ الغابةُ.
لا اسم، ولا غابة، ولا جسد: يقولُ الشمّاس.

صعود السفح
الكتابةُ بحثٌ في صُلب الوحدة، في صمتها وتسليمها وانقطاعها، في الأحيان التي تُلامس الضياعَ فيها، حيث يُطلق الكاتبُ نداءاته، نداءً بعد نداء، لسنواتٍ طويلةٍ مرهقة، نداءات تنحتُ أفعالها في السنوات، تحفرُ لوعتها على صخورها، حتى لتبدو السنواتُ عوالمَ مفرغةً شاسعةً تنتظرَ أن تُملأ بروح الكاتبِ وهي تمهّدُ طرقاً وتبتكرُ حدائقَ وتحفرُ أنهاراً، وتمدُّ جسوراً من خشب الذكرى، على أرضِ الحدائق المتشابكةِ الأشجار، تتركُ روحُ الكاتبِ جحوراً صغيرةً مثل أفواهٍ ترابيةٍ دافئة، دع الأرانبَ والسناجبَ تحيا في حدائقِ الكتابة، روحُ الكاتبِ لا تنسى، بعد أن تنتهي من ذلك، أن تمدّ حبلاً رفيعاً مجدولاً بين حافةِ شبّاكٍ وشجرةٍ طويلةٍ معمّرة، بين خشبةٍ علويّةٍ ظاهرةٍ فوق بابٍ وأخرى تُسندُ عريشةَ عنب، على الحبلِ تنشر ثياباً ملوّنةً غُسلت تواً، وفي اللحظة التي تلاعبُ الريحُ فيها أطرافها يعيشُ الكاتبُ متعته النادرة، الحياةُ تتفتحُ في عوالمه، تهبُّ مثل ريحٍ رُخاء، وهي اللحظة التي تلتحمُ الكتابةُ فيها مع الحياة ويجد النداءُ مُستقراً له.

رحلةُ العالم
إنها رحلةُ العالم نفسه، بتفاصيلهِ الحيّةِ وعناصرهِ التي لصغرها لا تَبين، وهي تجدُ حياتها في الكتابةِ، والاحتفاءِ بوجودها، فتُرى رؤية العين، وتُحسُّ إحساس القلب، وتسمو بالرؤية والإحساس الصافيين لتُصبح بعضاً من نداءِ الحياة وعشقها النادر، إنها تغدو شيئاً عزيزاً غالياً، لا يعيش داخلَ اللغةِ وحدها، ولا يفيضُ على ورق الكتابة، بل يَستنهِض حضوراً محتفياً بذاته، الذاتُ التي لا تنفصل بأيِّ حالٍ عمّا حولها من عناصرَ وأشياء تؤسسها الكلمات.

بابُ الكتابة
الوحدةُ: بابُ الكتابة، ينبوعها، مفتاحُ سحرها الذي يدوّزن آلاتنا، يُعيد لها صفاءَ نغمات الخلق الأولى وبريقَ أحاسيسها، في زمنٍ لا يكون فيه غيرُ الكاتب، وحده، في شساعةِ العالم، مثل نايٍ في فلاة، كلُّ نغمةٍ من نغماته أشدُّ صفاءً من النغمة السابقة، لأنها، بالضرورة، تنزلُ أو تصعدُ، درجةً أخرى على سُلّم الروح، خفيفاً إلى أعلى، عميقاً إلى أسفل.

مواجهةُ الزمن
في الكتابةِ عندما نفكّر بالموت تأتينا صورةُ الشاعر، كأنما من تلقاءِ نفسها، اختزالاً مجهريّاً للفكرةِ وتجسّداتها، أجسادٌ تموت، تتحلّلُ وتَفنى محافظةً على رفعةِ الموت على نحو احتفالي. موتُ الشاعرِ احتفالٌ. خروجٌ متوالٍ لأجسادٍ عاشَ فيها، الأجسادُ التي حمتّها القصائدُ طويلاً كما تَحمي مظلةُ الباص المنتظرين والغرباء. إنها تخرجُ في اللحظة الموعودة جسداً بعد جسد، دونما ضجيجٍ تتعرى من قصائدها. عندها تكون القصائدُ قد بدأت رحلتها الصعبة، الطويلةَ والموجعة، بمواجهةِ الزمن.


النصلُ لحظةَ يلتمع
الهاويةُ وليدةُ الخيال. الشاعرُ القتيلُ مرّةً أخرى، وقد نظرَ إلى الهاوية، رأى صفَّ غزالاتٍ عيونها تبرقُ مثل أفلاكٍ صغيرة. رأى التماعَ النصلِ مثلَ كلمةٍ لا تُرد ـ كم فكّر بها من قبل، كم عاشها في الخيال! ـ لم يَقتل الشاعرَ غيرُ عنفِ الهاوية، وقد فكّر بها، نظرَ لها كما لو كان يَنظرُ في بئرٍ أو مرآة. في البئر، في قاعها السحيقةِ المظلمةِ رأى أشباحاً تتخاطفُ، كما لو كانت بشراً، وفي المرآة لم يسمع غيرَ الصوت الذي يتحدّث، منذ أولِ الكلام، عن البئرِ والمرآةِ والنصلِ والهاوية.

قسوة
قسوةُ الموتِ تُبطل الموتَ، تحوّله إلى احتفال.

الخيانة
للخيانةِ في الكتابةِ، مثلما في الحياة، معنىً موجعٌ وحزين، ومثل كلِّ الأشباح تلوحُ الخيانةُ هناك، في قاعِ البئر أو في آخرِ السطر، تهدّدُ الجملةَ القادمة. يضعفُ الانسانُ ويخون، إن لم يكن ضعيفاً بطبعه، موهناً، وخؤوناً، وتخونُ الكتابة، لكن كتابةً بلا خيانة كتابةٌ مطهّرة، قدسيّة، لا وجودَ لها، من النور انبثقت وإلى النور تعود. الخيانةُ في الكتابةِ هي المغزلُ الذي يحوّل نثارَ الصوف خيوطاً، يحوّل الخيوطَ إلى كلمات. لا تفكّر بالخيانةِ وأنت تكتب، يكفي أنها تراك وتفكّرُ بك.

كتابُ العالم
صفحةً بعد صفحةٍ نملأ كتابَ العالمِ بالكلمات التي نُريد. كلُّ كلمةٍ وهمٌ، وكلُّ وهمٍ كتاب.

الوهم
فقال دون كيخوته: انتبه أنتَ أيضاً يا سنشو: إن كنتَ تنصحُني بالزواج حتى أصيرَ ملكاً لمّا أن أقتل المارد، ويكونُ في مقدوري حينئذٍ أن أمنحك المنحَ وأُعطيك ما وعدتك به، فإني أُنبّهك كذلك أنني أستطيع أيضاً أن أُحققَ أمنيتك دون أن أتزوّج. فإني قبل أن أبدأ المعركةَ مع المارد سأشترط أنني إذا خرجتُ منها ظافراً فيجب إعطائي شطراً من المملكةِ سواء تزوجتُ أو لم أتزوّج، شطراً أستطيع أن أمنحه لمن أشاء. ولمن تظن أني سأُعطيه إن لم يكن لك أنت؟
فقال سنشو: هذا واضح، ولكن ليتنبّه مولاي حتى يختارَ هذا الشطر في ناحيةِ البحر، حتى إذا لم يَطب لي المقامُ استطعتُ أن أُبحرَ مع رعاياي الزنوج، لأفعلَ بهم ما ذكرته من قبل. ولا تهتم الآن بالقيامِ بزيارة السيدة دُلثنيا، بل اذهب فوراً لقتل المارد، ولننتهِ من هذه المسألةِ التي تبدو لي وحقِّ الله ذاتَ شرفٍ عظيمٍ وربحٍ جسيم.

تلغراف
وهكذا يغدو الوهمُ كلمةً، ويَصيرُ ابناً لجميع الكتب، حيثُ الأسطولُ البحري الكامل تقابله في الوهمِ والحلمِ والكتابةِ وما يشبهها، تغيّراتٌ بعيدةُ الأمد. والتابوتُ حياةٌ طويلةٌ سعيدة. تاجٌ من القماش، هي الكتابةُ، عمودُ تلغراف، منسيٌ ووحيد، في صحراء.

الظل
تمحو الكتابةُ الكاتب، تُزيح حضوره لصالح حضورها، إنه الظلُ الذي يتراءى في لحظةٍ واقفاً خلفَ ستارةِ الكلمات، لكنّه سريعاً ما يخبو ويعود من حيث جاء متخّذاً سبيله القديمَ في مملكة الكتابة، حيثُ كلُّ شئ يرجع إلى بدئه، ويصبُّ في منتهاه.
يتلاشى المؤلفُ ويختفي، وهو الذي يعرف أنه لم يكن سوى آلة، مثلما يعرفُ كيف لتلك الآلة أن تعمل. لن يكونَ غيابُه وتلاشيه لصالح القارئ، ” حيث تُصبح اللحظةُ الحاسمةُ للحياة الأدبيّة هي لحظة القراءة” كما يذهب إيتالو كالفينو، بل لصالحِ الكتابة نفسها، حيثُ تكون القراءةُ فعلَ كتابةٍ لاحق، كما هي فعلُ انتاجٍ موصول يرتقي في اللحظةِ التي تذوبُ فيها شخصيةُ القارئ، تغيبُ وتُمحى مثلَ طيفٍ يخبو خلفَ ستارةٍ في عالم الكتابةِ الواسعِ الدفاق.


القطرة
تمحو الكتابةُ الكاتبَ، ذلك ما أفكّر به من جديد، تذوّبه في أعماقها، تأخذه إليها كما يأخذُ البحرُ قطرةَ المطر. لن ترى القطرةَ في بحر، مهما حاولت، لن ترى الكاتبَ في كتابته، إنه على الدوام كاتبٌ آخر، مبتكرٌ، مذوّبٌ منذ ولادته. كلّما صفَتِ الكتابةَ ارتقت وترفّعت لتترك الكتّابَ خارجها، يراقبون مخذولين كتّاباً جُبلوا من ذواتهم يحيون هناك، في الدواخل العميقة، في القيعانِ البعيدةِ الحافلة.

حيثُ تنشأ الكتابة
عن الفضاء الشخصي للكاتب، حيثَ تنشأ الكتابة، تحدّثنا دوريس لسنغ، فضاء يشبه شكلاً من الإصغاء والإنتباه، فيه ستأتي الكلماتُ التي ستقولها شخصياتك وتؤآتيك الأفكار.
إنه الفضاءُ الذي تكتمل به دائرةُ الكتابة وهي تخلق لنفسها مجالاً لا يتحقق الانصاتُ من دونه. مجالُ عازلٌ مثل خطِ معركة، واضحٌ ودقيقٌ ومشحونٌ بالخطورة، يقف شاخصاً بين اليومي في ردائه العادي وأفعال التفكّر التي يتطلّبها معملُ الكتابة.
” إذا لم يجد الكاتبُ ذلك الفضاء، فالأرجحُ أن القصائدَ والحكاياتِ تولدُ ميتة”، لن تتشبع، عندها، بما هو ضروري من مياهِ الإصغاء، ولن تتنفس ما تحتاجه من الهواء الذي يمنح الكلمةَ ارادتها ساعةَ تُكتب ويتوّج وجودها، فليس لكلماتٍ عليلة، مسلوبةِ الإرادة، ضيّقةِ الأنفاس أن تُنتجَ قصائدَ حيّةً وحكايات.
في أُذن الكاتب تهمسُ لسنغ متسائلةً:
” ـ هل مازال فضاؤك موجوداً؟
نفسك، المكان الخاص بك والضروري حيثُ يُمكن لأصواتك الشخصيةِ أن تتحدث إليكَ، إليكَ وحدك، حيثُ يُمكنُ أن تحلم.
حذار، تشبّث به، ولا تدعه يُفلت منك”



أحلامُ القاموسيين
أكثر الكتّاب امحاءً وأوضحهم غياباً ـ حتى الغياب بإمكانه أن يكون واضحاً أحياناً، جليّاً ومحسوساً منذ أول كلمة ـ هم كتّاب المعاجم ومؤلفو القواميس، إنهم كتّابٌ أيضاً ومؤلفون على درجةٍ عاليةٍ من الجديّة والاحتراف، تدعوهم جديّتهم للانتهاء مبكّراً من واحدةٍ من القضايا الشائكة للكتابة، أحياناً يرمون بها وراء ظهورهم قبل المباشرة بمشاريعهم الكتابيّة بوقتٍ طويل، إنها قضيّةُ الذاتيّة، القضيّة التي شغلت كتّاباً كثيرين والتهمت جهودَ نقادٍ ومنظّرين: ذات الكاتب وكيفية تجسّدها في كتابته. لن يبدو كتّابٌ ومؤلفون مثلهم معنيين بمثل هذه القضيّة طالما اختاروا سوقَ الكلمات ميداناً لأعمالهم.
خلال الدراسة الجامعيّة صادفتُ زميلاً كان يُعدّ نفسه للامّحاء وهو يعيشُ حلماً غامراً بتأليف قاموسٍ جامع، عن حلمة يتحدّث بين وقتٍ وآخر كما لو كان يمرّ بأوقاتِ يقظةٍ متقطّعة، وفي حديثه تتراءى أحلامُ القاموسيين شاقةً وواسعةً، كانت تلالُ القواميس تملأ غرفته وتزحف على حياته، تغطّيها شيئاً فشيئاً. إنها الصورة المُثلى للكتابة حتى قبل أن تُكتب، لا تقابلها قوّة وضراوة غير ميتة الكاتب، في آخر المشهد، وقد تهاوت عليه تلالُ الكتب.

قربَ كلِّ شجرة كاتب
ثلاثةُ كتّاب يواصلون العمل: في بيتٍ وحيد يُطلُّ على الصحراء، وفي مالقة، على الجهة الأخرى من العالم، حيث تهبُّ ريحُ البحر في كلِّ وقت، وفي الصين، وسط هضبة تشينغهاي، حيث الجبل يتحدّث بصلابة وصمت، ثلاثةُ كتّاب يواصلون العمل بثلاث لغات.
شموسٌ تُشرق بين أيديهم ووجوهٌ تغيب، إنهم منشغلون بمعالجة الحكاية القديمة: الوجود الانساني، الواسع والمديد.
من البيت المُطلِّ على الصحراء تنبثق نقطةُ نور، طيرٌ يُحلّق، ونهرٌ يجري. في اسبانيا، قريباً من كوستا دي سول، في الجهة الأخرى من العالم، تُصبح النقطة طفلاً يصرخ ـ كم مرّ على صرخته من أعوام؟ ـ الطيرُ يحطّ بعد أن ذرع السماء طويلاً، والنهر يجري، لا يزال. وفي الصين، عند سقف العالم، وسط هضبة يعيش أبناؤها حضارةً ثلجيّةً فريدةً، يصعب أن نتبين ملامح الطفل في وجه الشيخ وهو ينحني على زهرة كاردينيا، لكن الطير يعاود التحليق، والنهر لم يتوقف عن الجريان.
ثمة كاتبٌ رابع مشغول هو الآخر بالحكاية نفسها، يرفع عينيه عن الورقة. ينظر من نافذة غرفته إلى حديقة منزله الصغيرة بأشجارها العالية، يرى الثلاثة يبادلونه النظر، قربَ كلِّ شجرةٍ كاتب.

الحاشية
الحاشيةُ صمتُ الكتابة، الحاشيةُ كلامها.

طريقٌ مفتوحٌ بلا زمنٍ، ممرُ ظلال.

إلى الأبواب الخفيّة تقودنا الحاشية، أبوابنا نحن وقد اكتملت الحكايةُ وانصرف المدعوون.

إنها كتابةٌ أخرى ينشدها البياض، إنفصالٌ عن المكتوب وتواصلٌ حرٌّ معه، حيث تُورق أحلامُ الكتابة وتبرعم أغصانها.

على الحاشية يذوبُ جليدُ الكتابة، لتتفتح كتابةٌ أخرى، حيّةً دافئةً، سؤال يؤآخي الكتابة ويُعيد اكتشافها.

الحاشيةُ جناحُ الكتابة، سماؤها لتمجيد المكتوب بنقضه نقضاً عميقاً ساخراً، والترتيل معه.

إلى الأعلى أو إلى الأسفل، إلى اليمين أو إلى اليسار تقودنا الحاشية. إنها فتيّة أبداً، تترصدُ الكتابةَ بعيني ذئبٍ وحيد.

مثلها ستكون الجدرانُ والأبوابُ وجذوعُ الأشجار(في السجون والأنفاق والمستشفيات والحدائق والغابات، في غرف الفنادق، وعلى المناضد ودواليب الملابس، وفي زوايا الأسرّة) حاشيةً على حياة.
ليس ثمة غموض على الحاشية، الغموض دائماً في سَورة المكتوب، في رغبته الملحّة في بيان المعنى، لكن المعنى نفسه هناك، جلياً ومكتملاً، على الحاشية.

ثمة رجلٌ منشغلٌ بالطرق المفتوحة أبداً، بممرات الظلال، يتصفّح الكتب متأملاً حواشيها، نزهته أن يعبرَ من ورقةٍ إلى أخرى، متجاوزاً سلاسل كلماتها، متخطيّاً صخورها، مفتوناً بحواشيها. إنها كتابةٌ ناصعةٌ، لن يكون بمستطاع أحدٍ أن يُضيفَ لها حرفاً، يحدّث نفسه في كلِّ مرَّةٍ، مواصلاً نزهة لا تنتهي، باحثاً في البياض عن الكلمات.

كولاج
ثمة طرائقُ متفانيةٌ للتعامل مع الكلمات.
أن تكتبَ بالمقص تلك طريقةٌ أخرى لتقطيع العالم والعمل عبر إلصاق القطع الصغيرة المتراكمة على بنائه من جديد، سيكون عالماً آخر عندئذ، ويأخذ في اللمعان. أقصُّ وألصق تلك هي الذروة الآهلة لحياتي، النقطة التي أفكّر عندها إن بإمكان الكلمات التحالف مع كلِّ شئ، كما إن بإمكانها أن تقتلَ أيضاً. في حديقة المنزل الضيّقة، بالكاد تكفي كرسيين متقاربين، في غرفة المنام، على السرير، في المطبخ، على لوحة التقطيع، تواصل امرأةٌ عملها ملاحقةً بمقصّها الصغير كلمةً هنا وأخرى هناك. لا تستطيع عند القراءة سوى البحث عن الكلمات، إنها تتكاثر بسرعة. أحياناً لا تعثر، بكلِّ أسف، على الكلمة المقصودة فيعاودها خوف قديم، يرنُّ في أعماقها كلما فكّرت أنها لن تجد الكلمة أبداً. خوفها يدعوها لقصِّ الكلمات مرّةً بعد أخرى، بعضها يتكرّر لأكثر من عشرين مرّة، وفي كلِّ مرّةٍ يكون لها حرف جديد وطعم ورائحة، كما تأخذ شكلاً غالباً ما يكون مباغتاً، كأنها كلمات أخرى لا تشبه نفسها. لن أتركك تذهبين بعد الآن، تقول المرأة وهي تُمسكها كما تُمسك طائراً صغيراً من جناحيه لتضعها في درج ملئ بالكلمات.
في رومانيا لم يكن لديها سوى الخوف والأوساخ، الكلمتان اللتان لم يبحث عنهما مقصُّ امرأةٍ تشبه هرتا مولر بنظرتها المفزوعة ووجهها الشبيه بوجوه الساحرات.

لؤي حمزة عباس

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.