كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الثلج يشتعل: رواية الحب والثورة

آمنة اليحياوي

الحديث عن رواية قرأناها فسكنتنا، هو أشبه بالإنصات الى أنفاسنا يتردّد صداها ونحن بعد لم نستفق من غبطة تملكتنا تحت وقعها . وهو حال الكتابة عن رواية نقرأها لكننا نحتفظ بأثرها بدواخلنا كشذى زهرة نمسك بأثره بين طيات الذاكرة مهما مرّ الوقت على زمن القراءة . “الثلج يشتعل” للكاتب والمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، صدرت بنسختها الأصلية سنة 1977 بفرنسا وكانت تخليدا لذكرى مونيكا ارتل. وصدرت نسختها العربية عن دار الآداب ببيروت من ترجمة سهيل ادريس.
غادر دوبريه فرنسا نحو كوبا سنة 1965 أين التحق بتشي غيفارا في هافانا ، وهناك انظم فعليا الى جيش التحرير الوطني البوليفي ،حينها بدأت فصول الرواية تتشكل واقعا ، حكاية الثورة والحب .
فصول بطلها حلم عنيف ، سار الكثير من الحالمين على دربه امتلاء به ولا يزال على دربه الكثير … وكان للكتابة نصيب في توثيق ارهاصات هذا الدرب ، دموع الرجاء و دماء الأبطال وانتقام الأوفياء . هناك على أرض بوليفيا، كتب الروائي كتابه الشهير ثورة داخل الثورة سنة 1967 ” عبر ملهمه ورفيقه ” إرنستو تشي غيفارا ” . لكن الحكاية كانت بفصول شتى ، مثخنة ندوبا وجراحا .
في 17 نوفمبر 1967 صدر في حق الكاتب حكم يقضي بسجنه ثلاثين سنة قضى منها ثلاثة سنوات ليغادر معتقله بتاريخ 23 ديسمبر 1970 ومن هناك غادر نحو التشيلي ليلتقي بسلفادور الليندي و بابلو نيرودا ثم سنة 1973 يعود الى فرنسا ، ليكتب على أرضها حكايته التي جعلت من قراء رواية ” الثلج يشتعل ” ينفذون الى الندوب والجراح لحقبة من عمر ثورة كانت حلم الملايين في العالم … رواية رسمت البطلة مونيكا ارتل كأصدق ما يكون من خلال “إيميلا ” و كان ” بوريس” أيضا مكشوفا دون دفاعات أمام القارئ يشي بأسرار و تفاصيل جراح ريجيس دوبريه .

” إنني مسرفة، مفرطة العنف في الملاطفة كما القيادة حين يُحِب الإنسان يريد أن يحَب ولكن لكي يُحَب لا ينبغي أن يقول أنه يحِب …”.
شيء من الحب على وقع الثورة والأوطان الغاصة بالعلقم ،”أماندا” أو إن شئت” ايميلا”، إمرأة الإنشطار بإمتياز تمارس الثورة فكرة،وسلاحا تحسن تماما كيف ومتى تصوبه، لكنها أيضا وبتناقض أخّاذ ، تحلم بالبيت وتبني جدرانه رغم الوعي الكامن داخلها أنه من قبيل البناءات المعدة للهدم . كما تُخلي المكان داخل الرحم لينمو جنينا موقنة إنه من قبيل الأجنة المعمدة بالموت .
وعلى الكرسي يجلس” بوريس” بذات الإنشطار وربما بأشد وطأة ، غادر الرفاق والأرض التي يشي أديمها بالمعارك التي إنقضت والتي ستأتي لكن الحبل السري ظل موصولا معها لذلك إلتقي بها من جديد.. أماندا سيدة الثورة والحب .
يجلس بهدوء الرماد الذي تخلفه الحرائق خشية أن تبعثره الرياح ، تدور بأعماقه الحوارات المسكونة باليأس من الإفصاح ، أو الإفراط في الحب الذي سلبه حرية الإختيار أمامها ” لقد ترك لها حرية إختيار السلاح ” لكنها لم تترك له ” على الأقل حرية إختيار الكلمات ..” كان مسكونا بالصدمة حيالها ، لم تكن قط إمرأة متوقعة بالنسبة له لذلك هي ” كانت تنتمي إلى جنس ” يجب أن أقول لك ” في حين أنه كان ينتمي الى ” أرجوك لا تقولي شيئا سنتحدث في الأمر غدا “. بوريس ، يجلس بهدوء اليائسين من نجاة الثورة و نعيم الحب ، ينسل الحب من بين فروج أصابعه وهو يحاول القبض عليه تماما كـأحلام مخصية ولا يفلح ، يغادر أرض الثورة والرفاق نحو الوطن لأنه لا أحد يدافع عن أوطاننا بدلا عنا . غادر وظل مسكونا بلعنة النجاة من الموت ،وبإثم الحياة ، مات ” كارلوس ” والكثير من ” ايميلا ” و ظل هو متهما بالحياة و التنزه بشوارع باريس في نظر ” أماندا”، لذلك كان مساقا نحو التكفير عما إرتكبه علنا وسرا ،ليسير خلفها دون الكثير من النقاش . إنه حي وذلك يكفي ليكون آثما ، كيف لا ؟ وهو يعتقد جازما أنه ” ليس هناك من أبطال حقيقين إلا وهم أموات” .
عقدة النجاة من الموت كانت تسكن” أماندا” أيضا كما ” بوريس “، أن ننجو من معركة خاسرة يعني إننا لم نحارب بهاجس النصر بل بهاجس البقاء على قيد الحياة ،إننا بشكل أو بآخر لم نحارب بكل ذرة فينا . البقاء على قيد الحياة بعد الهزيمة يعني شيئا من الخيانة والجين ، وزر يحمله الناجون الى أن يقعوا بين فكي الموت مجددا. ومن ثم يصبح الناجين مسكونين بالندم لا سعداء بالفوز بفرص الحياة ،
“على هذا العالم الكريه الذي يقلع منه الناجون تنطق عيونهم بندم النجاة بعد هلاك الآخرين .هذا العالم الذي يتدبّر فيه الناس الأمر دائما لإلباس القبعة للضحايا ، أحياء أوغير أحياء ، تالفين أو مدفونين”.
هذه الفكرة تختزل الكثير من عذابات البطل و الكاتب ( من منطلق انهما واحد) ، وكأن ريجيس دوبريه يكشف عن جرح غائر باتهامه انه من أوشى برفيقه تشي غيفارا ، هذا الوجع الممتد على مساحة شاسعة من الرواية نكاد نسمع منه صوت ما يحدثه من أنين و نتذوق خلاله ما يتذوقه من مرارة.
” ميمي ” الأخت الصغيرة كما يُحلو لبوريس أن يناديها أحيانا وهي ذاتها في مواقع أخرى” أماندا” و “ايميلا ” ، حين تكون خارج مدار الثورة و السلاح بصوت منخفض تُمني نفسها بالضعف والإرتماء في أحضان “بوريس” ، لا ترى بعد الفقد إلا ” بوريس ” رفيقا للقادم المتبقي … المتبقي على وقع الحب أم السلاح ؟.. . بذراع خاملة و بكثير من ندوب الجسد والروح يلتقيا كانت هي جاهزة بخططها في حين كان هو تحت وقع حضورها لا يملك سوى أن يترصد مكامن الجمال بين ما خلفته المعارك فيها من ندوب ناعمة: “كنا في حانة ففتحت قميصها عن غفلة ،فكان أن لمحتُ دمعتين كبيرتين من لحم في أعلى صدرها ،حبتين أو نفاطتين صدفتين كانتا تجملانها أكثر من تلك النقاط من اللؤلؤ المركبة على منجد والتي تذكرتها سريعا لسقوطها تحت العنق ، في محور الكتفين . وسرني أن أرى ان القنبلة التي كانت قد مزقتها لم تحفر في لحمها ،بل على العكس أضافت هنا وهنالك لمسات تزيدها جمالا … “.
كلاهما يتمتم ويفرك عينيه ،” بوريس” و ” ميمي ” كلاهما أيضا بطبلة أذن ممزقة بفعل جلسات الرمي الطويلة والمعارك المخاتلة التي تأتي على حين غرة . كلاهما يدير حوارات داخل غياهب النفس كما كليهما مسكون بالثورة، لكن لكليهما الطريق التى تحمل إليها . وفي الأثناء يُمعن الكاتب – دوبريه – في وصف المكان خاصة الطبيعة حتى إنك في كل مرة وفي غفلة منك تجد نفسك مغمض العينين تترصد مواطن اللذة وانت ترسم المكان وتمعن في البقاء فيه بفعل الكلمات.الأمكنة تتعدد في الحكاية والأبطال كما هم في كل مكان مُحملين بالسلاح والأمنيات وإنتظار الساعة التي لم تأزف بعد . فقط “أماندا ” تباغت القارئ بالقوة والسرعة والذاكرة المتقدة إنها ” لاتحب الأشخاص المترددين ولا البروق في الضباب ولا المواقف التي لا تُلتقط وكل ما يتموج أو يتمور أو يتغير . إنها لم تكن تحترم إلا الأفكار أو الأشخاص ذوي الزوايا المستقيمة “. كانت دائما بخطط وبدائل ،جاهزة للتنفيذ والإرتماء في حضن الفكرة الى حد الموت في سبيلها ، لذلك غادرت الحياة من أجل الثورة وبقلب يجلس القرفصاء وحيدا لا شيئ يستحق الإنصات إليه غير صوت الرصاص . “أماندا” إمرأة زادت الثورة في اتقاد شعلة الحب فيها و إن كان حبا زاد نهمها في الذهاب بعيدا دون رفقة تستند عليها من الأحياء أو من الأموات أو أشباح .
“إيميلا” أو في الحقيقة “مونيكا” Monika Ertl، التي قتلت “روبرتو كوينتانيلا ” انتقاما منه بعد أن أقدم على قطع أصابع “تشي غيفارا” بعد اعدامه، هي بدورها تغادر المعركة تاركة “بوريس” أو ” الراوي” يحمل بفرده إثم النجاة.
رواية ” الثلج يشتعل” لريجيس دوبريه، رواية بحجم رفوف من الروايات تلتقي فيها الثورة بالحب و تتجول من ساحة الى أخرى ليكون نارها المتقدة وذاكرتها المخلصة، مزيج من ذراع ضامرة وصمت فاسق يرسمان معا “بسمة تحتفظ بسر الدموع”.

One response to “الثلج يشتعل: رواية الحب والثورة”

  1. صورة أفاتار Dorsaf
    Dorsaf

    “ أن ننجو من معركة خاسرة يعني إننا لم نحارب بهاجس النصر بل بهاجس البقاء على قيد الحياة ،إننا بشكل أو بآخر لم نحارب بكل ذرة فينا . البقاء على قيد الحياة بعد الهزيمة يعني شيئا من الخيانة والجين ، وزر يحمله الناجون الى أن يقعوا بين فكي الموت مجددا. ومن ثم يصبح الناجين مسكونين بالندم لا سعداء بالفوز بفرص الحياة “

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.