كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أرق الذات وقلق الأمكنة: قراءة في “بيلسان ملفت” لمهدي غلاب

د. عفاف الشتيوي



في أيّ مكان تقيم القصيدة؟ وأيّ مكان يستوعبها؟ أيّ مدن ترتادها اللّغة؟ أيّ تخوم يجاور الشّاعر؟ لعلّ احتفاء الشّاعر بالمكان ليس بالأمر المستحدث، فقديما احتفى بالأطلال، فوقف عليها، وبكاها، واستحضر شجونا وأخيلة وذكريات، أمّا حديثا فلطالما تردّدت أسماء المدن التي أهمّت العربيّ، كبيروت والقدس وتونس وباريس وغيرها. ولم تكن هذه الأمكنة مجرد أبعاد هندسية وحدود جغرافية بل مثلت صورا وامتدادات تجاوزت حدودها المادية والمرجعية وأمست ذات كثافة رمزية ودلالية. وهذا ما تردّد في مجموعة الشّاعر التونسي “مهدي غلاب” الشّعريّة بيلسان ملفت ، حيث يبدو الاحتفاء بالمكان ظاهرة لافتة للنظر وداعية للفحص والتدبر. وذلك لأمرين: أوّلهما تعدّد الأمكنة واختلافها، وثانيهما كثافة الصور التي خلقها لهذه الأمكنة وعمق الدلالات التي تثيرها في علاقتها بالذات الشاعرة القلقة. من هذه الزاوية فكّرنا في مقاربة هذه المجموعة الشّعريّة، مرتحلين إلى هذه الأماكن، متتبّعين صداها، منصتين إلى صوت الذات الشّاعرة. فكيف رسم الشّاعر مدنه؟ وأيّ عوالم انتقى لها؟ وكيف اختزلت أوجاعه وأشواقه؟
إنّ قارئ هذه المجموعة الشّعرية يقف على تواتر أربعة أمكنة مختلفة، وهي القدس التي تردّدت في قصيدتين هما مهبط الفرس ورقصة الأقحوان المنسي، وتونس التي وردت في خمس قصائد هي رحلة الأشعار ومطمور المتوسط الملآن وعلامات البيت التليد ومجانين الصبّار ومجنون ثالجة، ثمّ باريس التي ذكرت في قصيدتين هما برج العجوز الفاتنة ومفاصل الأقمار وسرقسطة التي حضرت في قصيدة فيسارا.
ولاريب في أنّ تعدّد الأمكنة ليس اعتباطيا، كذلك لا يبدو اختلافها عفويا. فالشّاعر ينطلق من التّغنّي بالقدس التي تمثّل وطن كل عربي غيّور على عروبته ليعرّج على وطنه الأمّ- تونس، ذاك الذي يتفرّع بدوره إلى سلسلة من الأمكنة: فنرى الشّاعر يتغنّى تارة بتونس وطورا بإحدى قراها كثالجة وهي منطقة جبلية تقع في مدينة قفصة، وتتميّز بطبيعتها الخلاّبة. وهو بذلك لايكتفي بالتّغنّي بوطنه الأم ّ- تونس بل يتوغّل في تفاصيله مستدعيا أماكن قصيّة، خفيّة، تلوذ بها ذاكرة الشاعر كلما اشتدّ عليها الحنين إلى الوطن. فالوطن ليس مجرد هندسة جغرافية بل فضاءات زمنية شاسعة حبلى بالذكريات والخيالات التي يحاول الشّاعر القبض عليها وهو يتجوّل في الأماكن ويحاورها محاولا استعادة الإحساس بالمكان والقبض على صورة الوطن بوصفه الرحم الأولى وبوصفه طفولة الإنسان وبوصفه الانتماء والملاذ.
وغالبا ما يستعير الشّاعر صورة الرحّالة القادم من مكان بعيد، محمّلا بأحزانه وأشواقه. فهو الشّاعر القادم إلى القدس ينعى البيت الضائع المنسيّ، يعدّد خساراته إلا أنّه يحافظ على تفاؤله، وهو ما يبينّه قوله في نهاية قصيدة مهبط الفرس: فالقدس تبقى ديار العزّ دائمة والملك يسقط بالغلمان والعسس.
وهو الشّاعر العائد إلى وطنه الأمّ محمّلا بأشواقه وهمومه وشجونه، حيث يقول في قصيدة رحلة الأشعار: رحّالة بالحلم أبني معلمي أمشي فيحضنني التراب ويرتمي . ويستأنس بلعبة الألوان، فيرسم لتونس صورا شتى: فإذا بها الخضراء كناية عن خضرتها وجمال طبيعتها، حمراء كناية عن الشّهداء الذين قضوا في سبيلها، صفراء كناية عن التعب والحزن وما يحيق بها من ألم وظلم.
وبالعودة إلى رمزية الألوان، ندرك عمق اختيار الشّاعر هذه الألوان الثلاثة، ونقف على العلاقات الكائنة بينها. ذلك أنّ اللّون الأخضر هو لون الخصب والشّباب ورمز العناية الإلهية .أمّا اللّون الأصفر، فرمز الحزن والمرض والزّوال والشيخوخة والموت. في حين يعدّ اللّون الأحمر من الألوان الأضداد التي تحمل المعنى ونقيضه، فتوحي بالحبّ والموت، بالبداية والنهاية، بالشرّ والعنف والعنفوان والطاقة، دون أن نغفل دلالته على الممنوع.
إنّ تونس تتردّد بين هذه الصور المتنافرة، المتباعدة، المتواشجة، المتنافذة. فهي الخصب والبهاء لطبيعتها الخلاّبة ولما توحي به من أمل وحياة، وهي الذبول والمرض والحزن لما يحيق بها من مآس. أمّا اللّون الأحمر فيكثّف معاني الثورة والحياة والولادة من رحم الموت.
هكذا تبدو “تونس” في عيون الشّاعر الذي يعود إليها متأمّلا، مناجيا، متصفحا ماضيها وحاضرها، متحسّسا أحلامه، باحثا عنها. وكيف لايعود إليها وهي جزء منه، يعود إليها مهما اغترب، ويشعر بما يحيق بها من آلام ومظالم، ويتوق إلى تحريرها من الواقع المظلم، سلاحه كلماته، حيث يدخلها فاتحا من “باحة الكثبان” ليحرّرها ممّن استباحها. فعودة الشاعر ليست عودة المغترب المشتاق بل عودة المحرّر. وهي صورة بليغة أبدع الشاعر في نحتها. وتتكرّر هذه الصورة في مطمور المتوسط الملآن، حيث تتردد صورة الشّاعر العائد بعد غياب. ويحشد لتونس الصور ذاتها، محتفيا بطبيعتها الخلابة، مستعرضا أبرز أعلامها كابن خلدون وحنبعل.

ويلوذ الشاعر في علامات البيت التليد بصور أخرى ليرسم حنينه إلى المكان الذي يتجاوز أبعاده الجغرافية ليصبح دليلا إلى الذات، من خلاله تكتسب الهويّة والمعنى، وهو ما يبيّنه قوله:
غلاب داري وفيها العين ساقية والحرف يشفع والأطياب دانية. فإذا بذاكرة المكان تتماهى بذاكرة الاسم لتمسي عنوانا للهويّة، وإذا الاحتفاء بالمكان احتفاء بالذات، احتفاء بالهوية والكينونة، وإذا المكان فضاء لغويّ يحتضن الذات، تسكنه وتقيم فيه، من ذلك قوله:
تلقي بكفّ يبيض الشعر قافلة تحيي الفضاء بها الأجرام عارية أو قوله:
بالضاد تغزل تعطي القلب مهجته سمر القوافي بجر الياء عاتية .
وتتبدى الصورة نفسها في قصيدة مجنون ثالجة، حيث نقف على صورة الشّاعر العائد إلى مدينته المسكون بها. ولعلّ صورة الوطن البعيد ترشّح صورة الشّاعر المنفيّ الذي يبدو مشتاقا كبّله الحنين، بل يستعير في بعض المواضع صورة العاشق الولهان على النّحو الذي يجعل المدينة تستعير صورة المرأة لتضحي المعشوقة التي يُبذل لها كل شيء، وهي صورة متواترة حيث يرمز للمدينة بالمرأة.
ولعلّ تيمة البعد، وهي تيمة غزلية، تعمّق حضور المكان في ذاكرة الشّاعر وفي ذاكرة النصّ. فكلّما أوغل العاشق في البعد تفجّرت أشواقه. وهذا حال الشّاعر البعيد عن مدينته، المسكون بها، المفتون بها، ذاك الذي يأتيها طالبا وصالها.
ولصورة العاشق ملامح أخرى رصدناها آن قراءتنا قصيدة فيسارا التي نحت لها الشّاعر عنوانا مركّبا غريبا ليثير انتباه القارئ، وانتقى لها شخصيّات ذات مرجعيّة تاريخيّة وأسطوريّة، فاحتفى بها احتفاء خاصّا، وجعلها مدينة عجائبية، معشوقة أزلية، لا ينفك يراقصها، ويعابثها، ويغازلها، مختزلا إيّاها في صورة امرأتين: “قسطة” و”سار”، على النّحو الذي منح حضورها كثافة دلالية ورمزية.
وليس استدعاء هذه المدينة الإسبانية مجانيا، فالشّاعر يستحضر مدينة تعبق بتاريخ وأمجاد وبطولات، فيستوي هذا الاحتفاء سلوى للنفس التي لاتنفك تعود إلى الماضي، تنبش صفحاته، هربا من حاضر قاتم، دام، قاس. وتبعا لذلك، تستوي سرقسطة مطية للتّوغّل في الماضي المجيد، وهو ما يقربّها من صورة الفردوس المفقود أو المدينة – الحلم.
ولئن تردّدت صورة الشّاعر العاشق في هذه القصائد وغيرها فقد ارتدى الشّاعر لبوس المتّفجّع وهو يتحوّل من مقام الغزل إلى مقام الرثاء، معبّرا عن تفجّعه على ما ألمّ بوطنه الثاني فرنسا، مستعيدا حادثة أليمة ألمّت بكنيسة نوتردام . وهو يركّز على وصف وطأة هذه الحادثة على نفسه، ويوغل في رسم ألمه وحزنه. فيقول: لما رأيت البرج يهوي نازلا هاجمت صمت الليل أشكو حرقتي .
أو قوله: ذكرى وعشناها بقلب صامد والسان يجري لا يداوي لوعتي .
وتبدو “باريس” في صورة أخرى في مفاصل الأقمار، حيث حاول الشّاعر الرّبط بين مدينتين وبين هويّتين والوصل بين الشّرق والغرب ملحّا في استدعاء شخصيّات ذات مرجعيّة أدبية كأبي نوّاس وبودلير. إلا أنّه لم يخف تعلّقه بهذا الوطن الذي وفد إليه، فأوغل في تعداد ميزاته واستحضار ما يزخر به من عراقة وأصالة. إذ يبدو الشّاعر عاشقا لباريس عشقه لتونس، بل يبدو ممزّقا بين وطنين، وبين هويّتين، وبين ثقافتين: بين وطن ترجع إليه أصوله، وطن ولد فيه ونشأ فيه، وآخر وفد إليه، فوجد فيه من الراحة والسكون والدعة، ما جعل عشقه له يضاهي عشقه لوطنه الأمّ. ولعلّ قصيدة قسمة الأسفار التي اختتم بها الشّاعر مجموعته تصوّر هذا القلق الذي يعيشه، حيث يقول:
بلادي رماني الدهر وانقطع الصدى أهيم بأرض لا تعانق وافدا.
إلا أنّه سرعان ما يستدرك نافيا عشقه لفرنسا، مؤكدا شغفه بتونس، قائلا:
بشقرائهم تغنّوا ولست متيّما بدت لي كتمثال على السان ضمدا ، حيث شبّه فرنسا بالتمثال تعبيرا عن الجمود والبرود. فرغم ما توفرت عليه من عراقة فإنّها تبدو قبيحة في نظره لا أثر فيها للحياة في حين تستوي تونس في المقابل رمزا للجمال والحياة، لذلك يظلّ شغفه بها عميقا وحنينه إليها لا يقاوم.
هكذا نقف على العلاقة الكائنة بين هذه المدن المستعادة، المدينة – الواقع التي تختزل الأوجاع السياسية (تونس، القدس) والمدينة – الحنين التي ترتد بنا إلى ماض مشرق، فهي أشبه بالفردوس المفقود (سرقسطة) والمدينة- المنفى أو المدينة – الحضارة التي يواجه فيها الشّاعر التباسا هوويا حقيقيا (باريس) والمدينة- الحلم التي تطالعنا في قصيدة مدينة البلور الهائم حيث تستوي اختزالا لأحلام الشّاعر. فيجعل مدينته امرأة يحاورها ويغازلها ويبثّها همومه وأشواقه.
والشّاعر غريب في تردّده بين هذه المدن. وهو ما جعل استدعاءها تجسيدا لقلق الذات واغترابها وبحثها عن الهوية والمعنى. إذ ليست الأمكنة مجرد أسماء لمدن تملأ ثغرات النصّ، بل هي إفصاح عمّا تعيشه الذات الشاعرة من قلق وتمزّق وغربة واغتراب. وما المدن إلا صور لرحلة الشّاعر في المكان والزّمان، وماهي إلا استدعاء خفيّ لسيرته. فالقدس” تجسيد للانتماء إلى وطن أكبر وتعبير عن الالتزام بالقضايا الكبرى والانشغال بالهواجس السياسية. أمّا “تونس”، مسقط رأس الشاعر، فتأكيد لجذوره الروحية. في حين تبدو “باريس” تأكيدا لجذوره الفكرية. فالقدس هي المدينة التي تسكنه كعربيّ غيّور على أرضه وهويته، وتونس تحيل على المكان الذي لايقيم فيه لكن يسكنه في الداخل، أمّا باريس فهي المكان الذي يقيم فيه ولاينتمي إليه. وهو ما يجعل هذه الأمكنة متكاملة لا مجال لتناول أحدها في معزل عن الآخر. فإذا الأمر يتجاوز حدود النصّ ليعكس سؤال الذات في مواجهة المعنى والوجود. فالإنسان كما قرّر “باشلار” يصطبغ بالمكان الذي يعيش فيه ولا وجود دون مكان، ولا مكان دون وجود . ولعلّ الإجابة كامنة في النصّ الذي يختزل قلق الذات، فيختزل همومها، ويخلق من ألمها واغترابها صورة الوطن – الحلم، هذا الوطن الذي يحتضن الذات ويكون مستقرّا لأحلامها، فيتجاوز الفضاءات الضيّقة المحدّدة جغرافيا ليمسي فضاء لغويا متخيّلا تحمّله الذات الشاعرة كلّ ما تتوق إليه. فلكلّ شاعر مدينته التي تتجاوز تضاريس المدن التي سكنها أو تاق إلى أن يسكنها، وتتخطّى تجاويف المدن التي ولد فيها أو نشأ على أديمها. لكلّ شاعر مدينة من ورق يحمّله رؤاه، ومدينة “غلاب” تتجاوز “تونس” و”باريس” و”القدس” و”سرقسطة” التي استحضرها في قصيدة فيسارا. إنّها كلّ المدن التي يقيم فيها، ويجد فيها الذات والمعنى. ولا معنى يتشكّل خارج النصّ وخارج اللّغة. فمدينة الشاعر اللّغة تسكنه ويسكنها. حينئذ يبدو قلق الذات في تردّدها بين الأمكنة وبحثها عن مكان تحتمي به وعن هوية تمحي فيها عنوانا لتشظيها وبحثها عن هويتها الحقيقيّة. فإذا بها هوية مشتقّة من لوازم أخرى، تتجاوز المساحات الجغرافية لتستقر في اللّغة. وإذا الهويّة لا تختزل في باريس أو تونس بل هي هوية شعرية.
ولاريب في أنّ الشاعر يتوق إلى خلق هويّة شعريّة مخالفة ومغايرة وهو يتردّد بين القصيدة العمودية والأقصودة ، يجرّب الأشكال والأنواع والأغراض خالقا صوتا آخر. ولاريب في أنّه أفلح، وهو يعتلي عمود الشّعر ويقتفي أثر القدامى في نحت صورهم والمحدثين في تشكيل نصوصهم، في خلق هوية خاصة به لا تلوذ بالقديم إلا لتتجاوزه. ولعلّه سمت “مهدي غلاب” في كتابة القصيدة العمودية، حيث أثر القصّاد لا يمحي حتى وهو يقفو أثر القدامى.
هكذا حاولنا أن نقارب مجموعة “مهدي غلاب” من هذه الزاوية، فقلّبنا صور الأمكنة التي تردّد صداها بين السطور، وحفرنا في العوالم التي رسمت لها، واقتفينا ما رشحت به من صور وما تبدى فيها من دلالات وصلناها بعالم الذات الشاعرة القلقة التائقة إلى تحديد هويتها، هذه الذات التي اختزلت حلم كل عربي بوطن يسع أحلامه وحلم كل إنسان بوطن يستوعب كيانه.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.