كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

منحوتة الضوء: تقويض للمفهوم الكلاسيكي وتأسيس لجماليّة اللاّمادّي

د. بدر الدين بوبكر


إن النحت قبل أن يرتقي ويشكل قمة الرؤية الفلسفية في عصرنا وقبل أن يتمرد على كلاسيكيات النحت العملاقة عند الإغريق والرومان ويتمرد كذلك على عصر النهضة. رغم كل ما اعتُبر روائع ذلك العصر ” الفنية الخالدة ” وليصل إلى أبعد مما بلغته إنطباعية “رودان” النحتية الخلاقة وليتحرر من تسلط أشكال “بيكاسو” المتناثرة وكتل “برانكوزي” البدائية المغلقة ليخلق تجديدات جذريّة و يبتكر أشكالاً مخترعه كلياً تخترق مفهوم “غابو” للفضاء والزمن و منحوتاته الديناميكية و لتطرح طرحا مختلفا عن طرح “دوشان” و معتقداته الفنية . و لتتصدى للمسيرة التاريخية للفن بصورة فاجعة يسميها “هربرت ريد” “بالإنحلال أو قطع للدروب النحتية”، ثمّة واقعاً أكيداً وهو أن النفس البشرية التي لا تزال تبحث عن ذاتها و قد بدأت تكتشفها هي الحافز الحقيقي إلى تلك الكفاية الأولى و الإشباع السحري المثير للحاجة الجماليّة..

و لعل الذي مكننا من تحسس ذلك هو أنواع الضوء الصناعي المبتكرة في العقود الأخيرة و التي جعلته يتمظهر بأشكال و ألوان مختلفة و بمدى انتشار في الجو متنوع و متفاوت. و بالإمكان كذلك التحكم في كل هذه الخصائص. مما جعل الإنسان و بخاصة الفنان ينظر إلى الضوء بكيفية مغايرة عما ألفه, خاصة و انه قد اكتسح العديد من المجالات و الفضاءات حتى غدا من أهم الظواهر العجيبة التي لها أثرها و تأثيرها و حضورها في حياتنا و في عالمنا و ربما لذلك سبق و قلنا بأن الضوء هو ظاهرة وجد فيها العديد من الفنانين و بخاصة النحاتين ضالتهم, فلقد سيطرت على الألباب, حتى صاروا يحاولون إدماجها في المنحوتة لعلّها تصبح بذلك “خامة” نحتيّة. و من خلال هذا العنصر سأحاول التطرّق إلى المكانة التي يمكن أن يحتلّها الضوء في علاقة بالفعل النّحتي، و موضعها بين الخاصيتين الماديّة و اللاّماديّة بالإعتماد على الممارسة الذاتيّة، و ذلك من خلال توظيف خامات تقليديّة و خامات هي وليدة التطوّر التكنولوجي منذ القرن التاسع عشر و الذي تضاعف زخمه و تسارعت وتيرته في القرن العشرين و بداية القرن الواحد و العشرين و إلى يومنا هذا، و لم يكن الضوء بمنأى عن هذا التجديد التقني، و خاصّة على مستوى آليات التحكّم.

و مهما اختلفت الرؤى و الطروحات العلميّة تبقى الإشكاليّة الأساسيّة في الممارسة الفنيّة، علاقة الضوء بالخامة التقليديّة للمنحوتة و كيف تطوّرت هذه العلاقة مع اعتماد الفنّان على خامات أخرى. و حتى لا نبقى في المستوى النظري بين المفاهيم و التعريفات و وجهات النظر بمختلف أطيافها لا بد أن نمر إلى مرحلة التجريب و التحليل و التمحيص علنا ندرك ضالتنا و ربما نلتمس في الممارسة و تقصي التجارب الفنية المعاصرة ملاذا.
إذا ما بحثنا اليوم في المراجع و المعاجم المختصّة بمختلف اللغات فلن نعثر على معنى محدّد لمصطلح “المنحوتة الضوء” أو “منحوتة الضوء” أو “المنحوتة الضوئية”، سنجد فقط مصطلحات المنحوتة أو فنون الضوء أو المنحوتة المعاصرة، و كل التعريفات المتعلّقة بها تفيد بأنّه ثمّة تغيير قد طرأ مفاده أنّ المنحوتة أضحت بمفهوم جديد غير الذي كانت عليه و أنّ المنحوتة المعاصرة هي التي جعلت هذا المفهوم يتغيّر جذريّا و لا يكاد يثبت على حال، و أنّه ثمّة أيضا منحوتات صارت تندرج فيما يُطلق عليه فنون الضوء، و سُمّيت كذلك لأنّ الضوء أضحى مكوّنا أساسيّا في هذه التجارب الفنية و بخاصّة الضوء الصّناعي.
و لكن ربّما إذا ما تمعنّا في التعريف الحديث للمنحوتة و بخاصّة عند نقّاد الفنّ قد نجد موضعا للمنحوتة الضوء و إن كانت لا تُذكر بالتحديد كتسمية أو كمصطلح، لأنّ المنحوتة الحديثة أو المعاصرة تُعتبر حالة من الإفلات من جملة التعريفات المحدّدة و الملزمة و من الحدود المكبّلة، هي ظاهرة تاريخيّة جمعت مختلف الأنماط التي التقت من خلالها تشكلات مختلفة من الموادّ اللاّمحدودة، فالمنحوتة المعاصرة ربّما تجاوزت النمطيّة فكانت نقطة الإلتقاء بين جلّ الفنانين و خاصّة في النصف الثاني من القرن العشرين هو التخلّص من القيود الأكاديميّة و لكن ليس لمجرّد التخلّص و إنّما لأنّ الفنان المعاصر صار يحمل مفهوما آخر للفضاء في علاقة بالشكل و الزمن و بخاصّة الفضاء النحتي فلم يعد يتحسّسه كما أسلافه، ممّا أفرز طرحا لمنحوتة معاصرة تكاد تفلت من أيّ تعريف، ربّما لأنها تتشكّل من خلال حدود هشّة يتداخل فيها المادّي مع اللامادّي و الحيّ مع الجامد و المرئيّ مع اللاّمرئي و الواقعيّة مع الرمزيّة. و قد نجد لها أثرا أيضا في الحديث عن التيارات الفنية التي تناولت توظيف الضوء في أعمالها مثل الفن الحركي، و الفنّ البصري و إن كان التوظيف ليس لمفهوم المنحوتة الضوء في ذاتها. و إذا ما تأمّلنا في أحد التعاريف التي قدمها “بول لويس روني” في موسوعة “أونيفرساليس” نجد أنّه يقدّم لنا المنحوتة المعاصرة قائلا: ” منذ معرض ‘What is modern sculpture’ أو ‘ما هي المنحوتة الحديثة’ الذي نظمه “روبير غولد ووتر” Robert Goldwater سنة 1970 بمتحف الفن الحديث بنيويورك، عاد التساؤل بإلحاح حول مفهوم المنحوتة المعاصرة في مجالي النقد الفني و تاريخ الفن. و قد تسائلت بدورها “مرغريت روال” Margrite Rowell خلال المعرض المقام بمركز ‘جورج بومبيدو’ Georges Pompidou سنة 1986 باستحضار إجابة بالغة الأهمية لهذا التساؤل تؤيد القطيعة الراديكالية للحداثة مع الماضي.
و لذلك فمنذ ستينات القرن الماضي اتفق العالم على اعتبار هذه الحقبة هي تاريخ لولادة فن جديد سمّي بالفنّ المعاصر. و هي حدود “المنحوتة زمن سوبسون” La sulpture a l’age’ de soupçon’ بحسب عنوان مؤلَّف “ماكيفيلي” Mc Evilley سنة 1999 التي ما انفكت تبثّ الإختلاف بين مؤرّخي الفنّ، الفنّانين و روّاد الفنّ. بدأت التجارب منذ العشرينات مع “مارسال دوشان”، “تاتلين”، “موهولي ناغي”، “شويترز” أو “غابو” و النجاح العالمي لملتقى ما بعد الحرب بين النحاتين أمثال “جياكوماتي”، “برانكوزي” أو “بيكاسو” الذين خلقوا ديناميكية و أحدثوا ثورة في مجال النحت الحديث الذي انفتح على ممارسات فنية جديدة بالنسبة لتلك الحقبة. حيث صار من الإستحالة إخضاع المنحوتة المعاصرة لضوابط محدّدة و التي شهدت تمدّدا غير مسبوق من التجميع إلى التنصيبة، إلى فنّ الأرض، و من الإعتماد على التكنولوجيات الحديثة إلى توظيف الضوء و الظلّ لإنتاج ممارسات فنية مفاهيمية خالصة. إضافة إلى أنّ هذا الفن يعتمد خامات مختلفة و متنوعة مثل الفضلات المتآكلة مرورا بكلّ أنواع المواد الصلبة، السائلة، الغازية، المعدنية أو العضوية”
و إذا ما واصلنا تصفح هذا التعريف الوارد بالموسوعة نجد أنّ المؤلّف يؤكّد على تفرّع الأعمال النحتيّة و تعدّدها وهو ما دفعه لتقسيم التعريف بالمنحوتة المعاصرة إلى حقب مختلفة، فاعتبر الفترة من 1960 إلى 1990 فترة التجريب و “الإنقلابات” من خلال المجسمات الجاهزة ‘Ready made’ و انتقاد المجتمع الإستهلاكي، ثمّ فنّ التقليل أو “الفنّ المينمالي” و تبعاته، و النحت على بمقياس العالم على غرار الأعمال الفنيّة التي اكتسحت الفضاءات و الأراضي و المباني، و امتزج النحت بالصورة الفوتوغرافيّة و الينما و فنّ الفيديو إلى أ صارت منحوتات تُسمع في إشارة إلى العمل الفنّي ل”روبير موريس” Robert Moris ‘صندوق بصوت صناعته’ – Box with the sound of its own making – سنة 1961 كمجرّد صندوق خشبيّ يحوي مكبّرا للصوت تتكرّر خلاله أصوات منشار، مطرقة و مسامير هي أدوات صناعة الصندوق، قام بتسجيل صداها الفنّان أثناء صناعته. و في هذا دلالة أنّ الفنّ عموما و تحديدا المنحوتة اتخذت مع الفنّان المعاصر منحى مختلفا تماما عمّا ألفته.

بينما اعتبر “بول لويس روني” الفترة من 1990 إلى 2015 عنوانها الأبرز إعادة التأكيد و إعادة الإبتكار، هي حقبة التجارب و الإبتكارات الراديكاليّة و التي تتابعت و تكثّفت منذ التسعينات في حلّة جديدة و تركيبات متجدّدة تطرح مواضيع متوارثة من حقب سابقة، مثل الأثر و البصمة، و إعادة إنتاج للنحت الصرحي – monumentale- و التماثيل، على غرار أعمال “جيل بربيي” Gilles Barbier التي يقدّم فيها منحوتات جدّ واقعية لأشخاص مستنسخة باعتماد تقنية القولبة ‘Moulage’ للتعبير عن نقده لفكرة الإستنساخ لمجتمع إستهلاكيّ خاضع للرأسماليّة المتوحّشة. أو النحت “المونمنتالي” الذي يتميّز بضخامته مثل “النافورة التاج” –Crown fountain- ل”جوم بلانزا” Jaume plensa وهو عمل فنّي تفاعليّ ضخم، عبارة عن منحوتة رقميّة عملاقة يمتزج خلالها الماء و المرآة و الغرانيت الأسود بمساحة 800 متر مربع محاطة ببرجين من البلّور بارتفاع 15 مترا مغطاة بشاشات ضخمة بفوانيس “الليد” LED تُصدر مجموعات ضوئيّة متعاقبة و مشاهد و وجوها بمقاييس ضخمة. و يواصل المؤلّف استعراضه لتعريف المنحوتة المعاصرة فيتطرّق إلى التنصيبة و علاقتها بالهندسة المعماريّة في إشارة إلى “إليا و إيميليا كبكوف” Ilya et Emilia Kabacov الفنانين الروسييّن الذين يزاوجان بين تنصيبات مكتظة بمختلف المواد و الفضاء المعماري.
و تحت عنوان فنّ للزّمن يواصل “روني” تعريفه للمنحوتة المعاصرة و علاقتها بالزمن كعنصر أساسي، بمعنى أوسع الأخذ بعين الإعتبار العمل الفنّي في جانبه المادّي، محيطه و طاقاته بمعنى يقودنا لاعتبار المنحوتة أحد فضاءات التساؤل الوجودي للإنسان اليوم.
إذا مع المنحوتة المعاصرة لم تعد التقنية هي موضوع المشاهدة بل صارت مجرّد وسيط للتعبير عن الفكرة و تقديم طرح نقدي للواقع. و بالتالي اضمحلّ الحضور المادي أمام الجانب المفاهيمي وهو ما يفسح المجال أمام منحوتة تتشكّل ضوءا و تتصارع خلالها خاصّيتي المادّي و اللاّمادّي، و يصبح بذلك لا معنى للمفهوم أو التعريف لمنحوتة الضّوء بالنظر إلى أثرها و انعكاساتها التعبيريّة.

و لا شكّ أنّ المنحوتة الضوء تندرج في إطار الفنّ المعاصر الذي فتح الباب على مصراعيه لكلّ التجارب الفنية شكلا و مضمونا و خامات، أي منحوتة بلا حدود و لا ضوابط، كلّ شيء فيها جائز و ما يدلّ عليها فقط أبعادها التي تجاوزت في بعض الأحيان الحدّ الثالث بعد أن صارت تستدعي جلّ حواسّ المتلقي حتى لا نكتفي بصفة المشاهدة، فالمنحوتة المعاصرة أضحت حمّالة مفاهيم و متعدّدة الخصائص تنبذ الجمود و تستدعي التفاعل إلى حدّ الإنغماس و إن كانت تجلّيا لجمالية القبح.
هدم بنيان الضوابط و المفاهيم الكلاسيكية قوض أيضا المعنى الموروث للإستيطيقا و أزاح القيود التي كانت تصدّ الفنان عن تجاوزها. و لا يمكن للمنحوتة الضوء إلاّ أن تندرج في هذا الإطار و تتنزل هذه المنزلة في الفنّ المعاصر، و لعلّ هذا المبحث سيكون حيّزا لطروحات متعدّدة و متنوّعة تؤكّد على هذا المنحى الذي رسمت خطوطه الممارسات الفنيّة المعاصرة في ظلّ عولمة كسرت الحدود و تلاقحت خلالها الثقافات و تداخلت التجارب و انتقلت من مكان لمكان و من زمان لزمان و هو ماانعكس على المفاهيم و المصطلحات خاصة في حقل الفنون التشكيلية.
المراجع

  1. Judith COLLINS, La sculpture aujourd’hui , Première Edition: Phaidon ,press limited, 2012.
  2. Qu’est ce-que la sculpture aujourd’hui, Beaux Arts éditions, France, octobre 2008
  3. Elisabeth COUTURIER, L’art contemporain:mode d’emploi, Edition filipacchi, 2002.
    -غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا، “جماليات المكان” ، نشر مجد المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع،بيروت – الطبعة السادسة 2006

د. بدرالدين بوبكر، من مواليد ديسمبر 1973 بالمهدية، تونس

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.