نصوص مختارة
مهنّد يعقوب
صورة كوب الشّاي
في لحظة ما
ينكسر كوب مليء بالشاي لأسباب تبدو معقولة
ثم تصير تلك الحادثة البلهاء
مثل بركة ماء كبيرة داخل الرأس
في الغالب،
هناك أشياء تقع لا يمكننا التلاعب بآثارها
لتبدو مجازية؛
لأنها طبقات من الحقائق النفسية المطمورة
وستظل علامة مركبة على تطوّر الإنسان وهشاشته
علامة على الخوف من أن تنطّ هذه الصورة
صورة كوب الشاي
في كلّ حين
حتى حينما أريد الذهاب إلى الحمّام
أو فيما أريد تقبيل زوجتي.
البقع الداكنة للمشاكل
دخلتُ البارحة
من البوابة الكبيرة
لمحطة القطار في بروكسل
فقرأتُ على الشاشة
أنكِ تخرجتِ العام الفائت من جامعة أوتاوا
وصرتِ تعطين دروساً
في علم النفس.
كان إسمكِ مكتوباً باللاتينية
وإلى الجانب الآخر
كان هناك إعلان يحذر من تعاطي الحشيش
تذكرتُ ذلك اليوم من ديسمبر
الذي طارت فيه قمصاننا إلى النهاية
ثم حطت
فوق البلاط النظيف.
تذكرت أشياءَ تخصنا كثيرة
حتى تلك البقع الداكنة للمشاكل
كأنها للتو
في حياتنا تظهر.
كلبة تتسكّع
سمعتُ هذا اليوم
أن الجار ة البلجيكية غابي، قد أدخلوها إلى دار المجانين
وبقي حيوانها الأليف يتصدع.
إنها شؤون الحياة قلت
بطريقة عادية
ربما ستجد بشراً يشبهونها بالقدر نفسه
حياتهم كانت،
كلبة تتسكّع.
عندما اموت
عندما أموتُ
إذهبوا بي عند النهرِ الصغيرِ
حيثُ كانت تقعُ مزرعةُ مختارِ القريةِ
محمد آل حمود
المسوّرةُ بالأزهارِ والطين
أريد أن أختفيَ هناك وسطَ رائحةِ الطّلعِ والبطيخِ
مثلَ قطعةِ النقودِ التي سقطت من يدي مرّةً وتدحرجت في البعيدِ
أو مثلَ الأطفالِ
الذين أدركوا لدقائقَ، معنى النورِ ثم ماتوا
هكذا أريدُ أن أختفيَ
وأُدفَنَ عند التلِّ
حيث تودّعُني قريتي بشيوخِها وجرائِها الصغيرةِ
حيثُ تبقى آثارُ
تلك الحياةِ العظيمةِ
في قلبي.
سام جبارة
كان أول عراقي يصبغ كلبه بالأزرق الفاتح، هو سام جبارة
فعل ذلك، لكي يطرد التعاسة كما يقول
من روح الكلب
التقيته في أحد شوارع البصرة العام 1991
كان يتحدث كثيراً عن الطرائد في الكتب
ويحب تبسيط الأشياء
عندما وقعت الحرب مؤخراً
ذهب إلى البوسنة، فطاردته الشرطة هناك
ظل يطير ويحط طوال الرحلة، حتى سقط على تحدبات المياه
لقد كان انساناً مولعاً بالحركة والتفاصيل الغريبة
دائماً ما يفضّل العيش فوق اليابسة
ومرافقة النساء والرجال
الهاربين مثله
من صفحات الكتب.
المخاطرة
لم أكن الإنسان الوحيد في العالم، الذي يحب صيد الأسماك بالصّنّارة،
ولا يسعى إلى تحقيق ذلك.
أشياء كثيرة يقع عليها الموت حقاً
وبذات البساطة تذهب
لكن لو تحققت هذه الرغبة الفاترة؛ فمن المقعد الإسمنتي
سوف أرى صورتي تطوف جنباً إلى جنب، مع اليرقات النهرية والطحالب
وأموراً واقعية أخرى قد تحدث
ربما لن تكون آمنة
حيث المخاطرة هنا تجيء على شكل ثلاثة من النّاس
كانوا يتنزهون جنوب المدينة
انحدروا مع سيارتهم الفارهة بسرعة
إلى سطح الماء.
كانت التخسفات، التي صنعها المحرك
عميقة في الشارع.
بوذا في السينما
في دار السينما اليوم
رأيت بوذا وقد رُسِمت حول عينه اليسرى هالة من المشاكل
قلت مع نفسي :
ربما تعثر أثناء التصوير، أو ربما لم يكن هذا الشخص بوذا
بل شيء آخر، جاء عبر مبدأ الحلول.
كنت أقف قبالة وجهه الطفولي متذكراً بعض أسرار النفس البشري
حيث يحدث ما ليس بالحسبان.
قبل ذلك،
كان العراقيون الطيبون مع حيواناتهم الأليفة
يلحسون تلك الهالة ويمدون اليها النظر
وكان بوذا يجلس كما في التماثيل
بطنه كبيرة ومتناقضة
مليئة بالطعام والتأمل.
إنسان ضائع
كان الشارع الذي التقينا فيه خاليًا
وكانت أرضيته شبه حمراء،
حيث أوصلكِ سائق التاكسي
ثم صار ينظر باتجاهنا كأنه ينظر في هوّة.
النساء في الجنوب معذبات غالبًا بالمنامات الصعبة والكآبة
وأن الشعور بالوحدة قد يذهب بكِ إلى دجلة، أو أي بركة عميقة فيها ماء
ولا يظهر منكِ في النهاية غير ثوبكِ الداكن، الذي سيأخذ على السطح شكل مظلة.
لكنكِ الآن متزوجة
وهذا الشيء المركب، ربما يكون مع الوقت أكثر فظاعة.
لا أدري من أي مدينة هذه اللحظة
تستمعين بين جدرانها إلى أم كلثوم
بينما في السابق، كانت بقية الأغاني المأساوية بالنسبة لي أمراً كذلك غير معقول
فأنا أفضّل موسيقى الجاز؛ لأنها واقعية وملتوية.
في ذلك اليوم عندما رجعت إلى البيت
كان هناك إنسان ضائع
وكانت توجد طاولة، فوقها راديو معطل
من الزمن القديم.
حوض كبير من السأم
كنتُ فيما مضى سمكة
في هذا العالم
وكان هناك إنسان نبت بدلاً من هذه الفكرة.
في زمن ما
عندما صار ذلك حقيقة، أخذت الحياة هناك
تشبه أي حياة أخرى، لكن بلا مخرج
حيث يمكن أن نستمر في العيش داخل غرفة مضاءة
ويمكن أيضاً أن نستمر في بيت معتم
وكأننا قد دخلنا
أنا وأنتِ
في حوض كبير من السأم.
النقص في الجوهر
الإنسان الموجود
لا يريد أن يكون ملاكاً
لقد صارت هذه الدعابة، مثل عدسة مكبرة
تتطرّف في وصفها للواقع.
هناك،
داخل مجاهل النفس البشرية
رغبات شيطانية كثيرة، ستكون بالإنتظار.
ليست فكرة الكمال
ما تثيرني حقاً
لكنّه النقص في الجوهر.
أضف تعليق