كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

من الشعر إلى المشهدية الروائية

بين الحكي والتجسيد في رواية محاكمة كلب للروائي التونسي عبد الجبار العش.

لامعة العقربي



في سياق حديثنا عن الرواية يمكن الإنطلاق من نظرة آلان روب غرييه حول ما أسماه “الطريق إلى رواية المستقبل” حيث اعتبر فيها أن الرواية لا يجوز أن تكون وسيلة لتفسير العالم لأن “العالم ليس لفظًا من دون معنى، ولا معنى محالا، إنه بكل بساطة، موجود..”
هذه العوالم التي رسمها لنا عبد الجبار العش بأسلوبه الروائي الخاص وبتواطؤ ضمني منه مع البطل “عروب الفالت” مرة والقارئ مرة أخرى ليتمرد بذلك على قوالب روائية تقليدية، فهو في هذا العمل، في هذه المحاكمة قال أشياء كثيرة تعري الواقع وتلقى به في غياهب الظلم والظلام في عملية بحث مستمرة عن ذاته وذات كل قارئ افتراضي حضر بالقوة تلك المحاكمة وكان شاهدًا عليها وعلى نفسه كإنسان أو كما سماه الكاتب “بوكرعين”.
بلغة الروائي وبكل ذلك التصور الغريب للمحكمة وللمحكوم والقاضي والضحية رسم عبد الجبار العش مشهده الروائي على درجة عالية من الشعرية، والمقصود بالشعرية الروائية بالتحديد هو ما تمثله من وظيفة اتصالية تمكن من بنينة وتوجيه فعل من أفعال التواصل اللفظي فعندما يشدد الروائي على الرسالة أي مضمون القول عوضا عن أي فعل أخر من الأفعال الأساسية المكونة للتواصل اللفظي يكون لذلك الفعل وظيفة شعرية، مثال قوله في الصفحة 21:”يوم محاكمتي كان يوما مشهودًا، رأيت صورتي في الصحف تتصدر الصفحات الأولى ، ورأيت الحشود التي جاءت لرؤيتي. أنا لم أخيب ظنهم فقد رأيت بريق الخوف والإعجاب في عيونهم حين سألني رئيس المحكمة عن هويتي. طفقت أصرخ قائلا وقد غص فمي بالنباح :” أنا كلب نعم أنا كلب وأعتز بذلك، ولا أتشرف بالإنتماء إلى فصيلة” بوكرعين” أنا كلب إبن كلب من خيرة الكلاب، أرفع رجلي حين أبول وأكل البراز إن اقتضي الأمر لكنني أتقيأ حين أرى وجه بوكرعين..” (ص21)
في هذا المثال ركز الكاتب، المؤلف التاريخي للأثر على الرسالة التي يريد الراوي تبليغها عبر الشخصية، ذلك الوجود المادي من لفت الانتباه للغة والأسلوب الحكائي والشكل الذي قام عليه القول إلى غير ذلك من العناصر التي تخدم السرد وتحقق عبره الوظيفة الشعرية في هذا المقام لابد من الإشارة إلى ثلاث نقاط مهمة سنأتي على ذكرها تباعًا ودون اطناب:
مكانة عبد الجبار الشاعر في الرواية
الشعر و السرد في محاكمة كلب
المشهدية بين الحكي و التجسيد
ونحن نخوض غمار هذه المحاكمة يكون الكاتب حاضرًا في ذاكرتنا دائماً وخاصة من هم على دراية بكونه شاعرًا قبل وبعد كل شيء ومحور حديثنا في هذه التظاهرة اليوم هو ذلك الانزياح أو الانتقال من الشعر إلى الرواية موت الشعر أم حياة الرواية إننا نلمس الشعر في كل أسلوب روائي بليغ فالشاعر لغة واللغة واصفة كانت أم محاورة مجاورة تبقى لغة جامعة بين المعنى واللفظ الذي عبره تمرر رسالة الكاتب وما يريد إبلاغه على لسان الشخصية.
عبد الجبار العش روائي أخذ بيد اللغة لعوالم ومشاهد توهم بالواقعية لكثرة الدقة فيها، إذا قلنا إن الحديث عن الوظيفة الشعرية شيء و توظيف الشعر وروح الشعر شيء أخر وذلك مقصدنا من خلال الشاهد القولي الذي أورده في الرواية قائلا : “في ذلك السجن الصغير، سجن الثمانية عشر مترًا، أمضيت عدة سنين،كان سجنًا اختياريا، كان بيتي، وكان الشعر ملاذي، استراحة المحارب العائد من ميدان اللعب، في تلك الفترة بدأ مارد الشعر يطل من قمقمه، كنت أكتب أوجاعًا وأسعد حين يقال لي هذا شعر. أخيرًا صار اللقيط شيئًا ما في عيون الآخرين.. “(ص113)
ويزكيها في موضع أخر من روايته بعدة مقاطع شعرية مثال ما أورده في ص 121/ 122.
هذا الشاهد و غيره من العلامات والمقاطع الشعرية الفصيحة والعامية التونسية في قلب هذا العمل الروائي الذي نبحث فيه عن قراءة عادلة تشفي غليل الباحث عن المشهد السردي ومتقفي أثر الشعر على حد سواء.
إن الحديث عن الوظيفة الشعرية للغة الروائية يأخذنا لشعاب معرفية شتى ولكن ارتباط هذا بالمشهد scène هو محور القول، ويمكن تعريف المشهد كأحد سرعات السرد ويعد إلى جانب الثغرة ellipsis والوقفة pause والتمطيط او التمديد strech والتلخيص summory أحد السرعات الرئيسية للسرد.
وعندما يكون زمن الخطاب discourse time معادلا لزمن القصة story time نكون أمام مشهدٍ مثال ذلك في المقطع الذي يقول فيه:
«من الغد، اتجهت للمقهى الذي ذكرته له، واخترت موضعا في الباحة الخارجية حيث من المفترض أن تجلس الضحية. بذلت قصار جهدي كي أتجنب النظر باتجاهه، كان هناك، على مسافة بضعة أمتار من طاولتي. (…) لم يتردد كثيرًا، اقترب مني، واستأذن للجلوس. كان في وسعي تلك اللحظة أن أعتذر بكوني متكدرًا أو أود البقاء بمفردي، كنت أستطيع تقويض الخطة التي حبكتها بنفسي، غير أنني استسلمت لقدري، وسمحت له بالجلوس… “(30)
ومن المتعارف عليه أن المشهدية ترتبط بالحدث دائما. الحدث الذي يبني عوالم الرواية والذي على أساسه تتكون الحكاية، والحدث الرئيسي في هذه الرواية هو محاكمة عروب الفالت بداية وتوسطا ونهاية.. وهو النواة التى تدور حولها الحكاية، سلط عليها عبد الجبار العش مجهر السرد في رمزيته ومرجعيته ومقصوديته، فكل قول يصدر من المتهم وهو في جلسة المحكمة يمثل مشهدًا يقول:
أقف اليوم أمامكم فلا يطرف لي جفن ولا تعتريني بهتة. ذلك أنني، ومنذ كانت عيناي مغمضتين لم أقع البتة على براز الوهم بل كنت على يقين أن حياتي المأسوية ككلب ستنتهي بي إلى هذه المسخرة إلى نهاية جديرة بكلب مثلي عاش حياة كلاب وسيموت ميتة الكلاب.. ” (128)
إن الحديث عن الشعري والمشهدي في رواية محاكمة كلب هو حديث عن العالم الحكائي الذي توجد فيه المواقف والأحداث المروية، والحكي diegesis على نحو أكثر خصوصية ذلك المظهر السردي الذي تقدمه الحكاية مجسدة في شخصيتها، ويشير محمد بوعزة في كتابه تحليل النص السردي تقنيات ومفاهيم إلى أن الحكي يتكون من مستويان، مستوى القصة ومستوى الخطاب..
القصة وتسمى أيضاً الحكاية وهي سلسلة من الأحداث لها بداية ونهاية و محاكمة كلب جامعة بين الذاتي والموضوعي، المهزلة والفاجعة، والواقع والرمز، تجسيدًا – والعبارة لمحمد القاضي في تقديمه للرواية- لقدرة الإبداع عند عبد الجبار العش على توليد الخارق من المألوف، وعلى المحاكاة الساخرة لا من خطابات المجتمع وقيمه السائد وحسب بل من الخطاب الروائي ذاته..
والخطاب بما يمثله من طريقة حكي للقصة والمهم هنا لا الأحداث في حد ذاتها إنما الطريقة التي يروي بها السارد حكاية عروب الفالت هذه الشخصية الإشكالية التي تجسد محور التجربة الروائية على حد عبارة روجر هينكل.
في هذه الرواية يجسد عبد الجبار العش المفهوم السوسيولوجي الذي تحدث عنه غولدمان مستعيدًا في ذلك تعريف لوكاش للرواية بما هي “بحث – منحط -… بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط هو الآخر، ولكن على صعيد متقدم بشكل مغاير ووفق كيفية مختلفة”
في النهاية تبقى الحدود بين ما يكتبه الشاعر وما يجسده الراوي حدود إبداعية فكل جنس أدبي مفتوح ومركب يشد دائما القاريء بالعنصر الرابط بينهما ألا وهي اللغة هذا الوثاق الذي سيظل المحور الناظم لعمل كل منهما ولا يمنع هذا أخذ الرواية من الشعر مابه تؤثث عالمها الحكائي وتنوع أسلوبها الفردي تنوعا منظم أدبيا وهذا ما يطلق عليه بالحوارية أو التعدد الصوتي كما أشار لذلك ميخائيل باختين في الخطاب الروائي.
أختم فأقول أن عبد الجبار العش روائي شاعر يملك زمام اللغة التي تخوله لأن يكون شاعرًا وروائيا وروائيا شاعرًا في الآن نفسه.

ملخص الدراسة قدمت في تظاهرة الأقلام الواعدة بصفاقس دورة عبد الجبار العش للفترة ما بين 1/2/3 أكتوبر 2021.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.