لبنى علي مفتاحي
———–
حياة ومأساة
إنّ مأساة “ديك الجن” خليق بها أن تكون إحدى الروايات المتناولة في الأفلام السينمائيّة الفنتازيّة، لكنّها في الحقيقة أحداث واقعية تاريخيّة، وفرادتها جعلتها محط اهتمام للناس، وتناقلها عبر الأجيال مع تعدد رواياتها وما نسج حولها من أحداث، وهو ما جعل أُمهات كتب التراث تتناقل قصتها مع ما طرأ عليها من تغييرات في بعضها. ولعلّ أهم هذه الكتب هي: “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، و”تاريخ دمشق” لابن عساكر، و”الكشكول” لبهاء الدين العاملي، و”وفيات الأعيان” لابن خلكان، و”تزيين الأسواق في أخبار العشاق ” لداوود الأنطاكي.
سمي ديك الجن، واسمه الحقيقي “عبد السلام بن رغبان الحمصي”، لأنه كان يحب دائما الخروج الى البساتين وقضاء الوقت الجميل فيها. وديك الجن اسم لدويبة تعيش عادة في البساتين.
ابن عساكر والزركلي قالا إنه لقب بذلك لأن عينيه كانتا خضراوين. أما البعض فقد ذكر أنّه لقب بهذا اللقب لأنه كان معاقرا للخمرة لا يرى من دونها. وديك الجن دويبة تعيش في دنان الخمر.
عرف ” ديك الجن” بشاعر الغزل، فتغزل بحبيبته “ورد” التي عشقها حتى الموت، أدى عشق “ديك الجن” إلى الإجرام إذ به دون شفقة يقتل حبيبته حبا وغيرة أدى بها إلى الهلاك، ونظّم من أجلها العديد من القصائد، تغزل بها وأوصافها بأجمل الكلمات الراقية.
لم يُعرف لديك الجن في هذه المرحلة امرأة بعينها يبادلها ما يبادل الرجال النساء. فقد شُهد مرة في الميماس ينظر فيديم النظر إلى ورد، هذه الصبيّة الحسناء بنت آل زُنَّار من بنات النصارى، وقد خرجت في صويحبات لها إلى ضفّة النهر قصد النُزهة. فكان يطيب لهم أن يداعبوه بترديد اسمها وأن يصفوا له ما يرتسم على وجهه وفي عينيه من أخيلة وأظلال إذا هو لمحها أو سمع اسمها.
لا ومكـانِ الصَّليبِ في الـنَّحْـرِ
منكِ ومَجرى الزُّنّارِ في الخَصرِ
والخـالِ في الخَـدِّ إذ أُشَبِّـهُـهُ
وَرْدَةَ مِـسْكٍ عـلى ثـرى تِـبْـرِ
وحاجِبٍ مدَّ خَطَّهُ قلَمُ الحُسْنِ
بـحِـبْـرِ البَهـاءِ، لا الـحِـبْـرِ
وأُقـحـوانٍ بِـ فِـيـكِ مُـنْـتَـظـــمٍ
على شبيه الغَديرِ من خَمْرِ!
فأما الشاعر فلم يتظاهر باكتراث قليل أو كثير لما يقولون. بلى، كان ينهض مشمئزًّا إذا تحوَّل بهم الحديث إلى لذة اشتركوا فيها أو سيشتركون، على ما تيسّر لهم أو سيتيسّر، في أحد المجالس من امرأة أو غير امرأة.
فكانوا يعجبون له أشدّ العجب. يشرب كشربهم ويطرب كطربهم، لا يختلف عنهم في شيء إلاّ في عزوف نفسه عن مشاركتهم في هذه الهنيهات من لذة اللحم والدم، يتناولونها على النحو الصريح الذي يفعلون.
فلو كان الشاعر متزوجًا لقدّروا لذلك سببًا معقولًا. ولكنه غير متزوّج، وطبعًا أبعد ما يكون عن اصطناع التوقُّر والتعفُّف المنافق. إذن، ففي الأمر لغزٌ يحتاج إلى تفسير لذلك يُقال: الأوقات السعيدة ليس لها تاريخ يُكتَب.
فلو شئنا أن نكتب تاريخ هذه السنوات الأربع أو الخمس الأولى التي انقضت على زواج ديك الجن بورد، لما وجدنا ما نقوله سوى أن حياتهما استمرّت على نمط يتبدّل من الرغد الوثير والصفاء النضير. فقد أسلَمَت ورد، وتبدَّل حال ديك الجنّ من المجون واللهو إلى الاستقامةِ والشَّرف.
وهذا ديك الجنّ كعادته يقول القصيد ملهمًا، ويجلس مجالس الأدب، ليفرغ من هذا كلّه إلى هذه الفتاة السَّاحرة التي لم تعدل بحبها له ولشعره لا أهلًا ولا دينًا..
هذه الفتاة التي دخلت على فراغ عيشه فملأته، وطردت عنه أيام النهكة والسأم وليالي التخمة باللذة المصنوعة.
وشدّ ما غمر نفس ورد بالغبطة والسعادة، أن يطربها برقائق الشعر التي كان دائمًا ما ينظّمها لها، والذي تنشده في خلواتها بل تغنّيه على لحن ترتجله، غناءً خافتًا لنفسها وللجدران، وله.
لما نظرت إليّ عن حدق المها
وبسمت عن منفتّح النّوار
وعقدت بين قضيب بان أهيف
وكثيب رمل عقده الزنّار
غفرت خدّي في الثرى لك طائعا
وعزمت فيك على دخول النّار
وفي الآن انصرفت ورد إلى هذه الدار الرحبة الملأى بأنواع الأثاث ترتبها وتحوطها بألوان البهجة. وكانت الدار على طراز الدور في حمص مبنية في أساسها، حتى ما فوق الأرض بقليل، بالحجارة البركانية السوداء، ثم تأتي قوالب الطوب بألوانها الزاهية.
وكانت ساحة الدار الخارجية مبلطة بهذه الحجارة البركانية نفسها، فأنشأت ورد -لتخفيف هذا السواد- أحواضًا غرستها بالكرم والياسمين، وجعلت له قبابًا يعرش عليها فيونق العين باخضراره ويشرح الصدر بفوح أزهاره.
وقد دارت موضوعات ديك الجن حول المرأة في أقطاب، فهو قد تعامل مع المرأة الماجنة ووصفها، والمرأة العفيفة، والمرأة الزوج، فكانت المحبوبة والأنيسة، ومن ثـم الخائنـة، وكانـت محـور موضوع الغزل، وأصبحت محور الرثاء والندم.
دارت صفات شعره الغزلي بـالمرأة العفيفـة الحبيبة في محاور مهمّة محددة وهي:
أ- التعلق بالواقع:
فكان في حبه وغزله بمحبوبته عاكساً لتعلّقه بالوجود، يعكس صورتها من وحي البيئة بصدق وتمثّل محملاً شعره انفعالات وعاطفة جياشة.
ب – رقة الإحساس:
فكان يتملى جمال المحبوبة وحياتها، ويربط بـين الطبيعـة والحـب والمحبوب.
ج- الاعتدال:
فلا إفراط ولا تفريط. شعر منساب رقيق لا غلو فيه.
د- مثالي:
عواطفه مثالية تجاه المحبوب، واعٍ بإرادته لهذا الحب النبيل مدرك لكل ما يقولـه في صفات المحبوب الذي حظي به.
ه-الغزل الصريح:
كان يصف به المرأة الماجنة اللعوب، التي تبادله مغامراته الحسية ولذّاته الجسدية.
ديك الجن والغزل بالغلمان
كان تغزله بالغلمان من منطلق الاستمتاع بالدنيا وملذاتها من جهة، ومن جهة أخرى كان يرى فيها مستلزماً من مستلزمات مجالس الخمر ولكن دون أي فعل واقعي يتمادى به، فهـو كـان يقول الكلمة ويتحدث ويصف، لكنّه لم يمارس الشذوذ فعلياً ولم يعرف عنه أنّه قد قام به. فهـو كان بتغزله بالغلمان يرضي نزعة شعرية سائدة.
يعد الغزل من أكثر الأغراض طرافة من طرف الشعراء لارتباطه بالتجربة الذاتية، وهو يعد من أقدمها ويكاد لا يخلو شعر شاعر من غزل، وقد يسمى في كتب الأدب والنقد نسيبا أو تشبيبا وهو مرتبط بالطبيعة الإنسانية، حيث لا يمكن للنفس البشرية أن لا تحب أو تعشق نظيرتها (والنسيب ذكر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن. وقد يذهب على قوم أيضا موضع الفرق بين النسيب والغزل والفرق بينهما إن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكان النسيب ذكر الغزل والغزل المعنى نفسه[1] ).
ولديك الجن في هذا الباب نصيب وافر من الحظ، وسهم عظيم من اللحظ وقد تغزل شاعرنا بالمرأة فقال:
ودّعتُها لِفراقٍ فاشتكَتْ كَبِدي
إذ شبّكت يدَها مِن لوعةٍ بيدي
وحاذرَتْ أعيُنَ الواشين فانصرفت
تعَضُّ مِن غيظِها العُنّابَ بالبَرَدِ
فكان أولُ عهدِ العينِ يومَ نأَتْ
بالدمعِ أوّلَ عهدِ القلب بالجَلَدِ
جسّ الطبيبُ يدي جهلًا فقلت له
إن المحبّةَ في قلبي فخَلِّ يدي
نجد في هذه الأبيات أنّ ديك الجن يصف ما كان بينه وبين حبيبته وما كان من حالهما، فنلمس محاولة لتصوير الشعور مع سرد لأحداث وقعت، والأمر هنا أشبه بقصة شعرية ينقلها شاعرنا في ثوب جميل من الألفاظ والتعابير الموحية المعبرة.
فيقول ديك الجن أنّه لما كان مع حبيبته في لقاء، حان وقت الفراق بعد حين فشبكت يدها بيده ملتاعة متوجعة، عند ذلك تألمت كبده واشتكت مرارة الفراق واللوعة ثم انصرفت.
يقول ديك الجن في أبيات جميلة يمتزج فيها وصفه للخمر مع وصفه للمحبوب متغزلا في تعبير رائع كأنّما يرسم بالكلمات لوحات تشكيليّة:
وَقَهوَةٍ كَوكَبُها يَزهَرُ
يَسطَعُ مِنها المِسكُ وَالعَنبَرُ
وَردِيَّةٌ يَحتَثُّها شادِنٌ
كَأَنَّها مِن خَدِّهِ تُعصَرُ
ما زالَ قَلبي مُذ تَعَلَّقتُهُ
أَعمى مِنَ الهِجرانِ ما يُبصِرُ
مُهَفهَفٌ لَم يَبتَسِم ضاحِكاً
ففي هذه الأبيات يبتدئ “ديك الجن” بذكر صفات الخمر وكيف أنّها مضيئة في كأس مثل كوكب ساطع. فيرسم بهذا التشبيه لوحة بصرية تجعل السامع متحفز الحاسة البصرية، حيث يستحضر من مخيلته ما تمّ التقاطه من صور بصرية في سابق حياته، ليربط العالقة بين المشبه والمشبه به، ثم يثني برسم لوحة أخرى وهذه المرة تحفز حاسة إنسانية أخرى، هي حاسة الشم في قوله) ينفح منها المسك والعنبر) حيث يجعل المتلقي مجددا يستحضر من ذاكرته ما تمُ جمعه وتخزينه من روائح وعطور في محاولة منه للجمع بين الصورتين، البصرية والشمية، حتّى لكأنّه يرى ويشم ما يصفه الشاعر.
وهنا تتجلّى موهبة المبدع وقدرته على التصوير. ثم يلج في البيت إلى دائرة وصف المحبوب والتغزل به في سلاسة وحسن تخلص رائعين، فيصف الخمرة بلونها الوردي ويقول إن حاملها مثلها بل إن هذه الخمرة الموصوفة، إنّما هي معصورة من خد فيصير المحبوب بهذا أصلا والخمرة هي الفرع، بعد إن كانت هي المبتدأ.
فيظهر حسن الانتقال من موضوع إلى موضوع، دون أن يشعر السامع ليجد نفسه في رحاب المحبوب، مع وصف قده الممشوق ومبسمه الضاحك الذي يكشف عن أسنان جميلة تنسي بظهورها اللآلئ والجواهر.
نهاية مريعة
وإذا صحت أحاديث بعض الرواة عن أن ديك الجن قد عمد إلى إحراق جثة زوجته بعد قتلها، ثم صنع من رمادها كأساً لاحتساء خمرة الندم المر، فإن تلك الفعلة الغريبة هي، على الرغم من تنافيها مع الشرع الإسلامي، محاولة رمزية أخرى للحيلولة دون تسليم الجسد المعشوق إلى عهدة التلاشي النهائي، وللاحتفاظ بما تبقّى منه في عهدة العاشق.
وهو أمر مشابه من الناحية الدلالية لما فعله الخليفة الأموي الوليد بن يزيد الذي أصر بعد موت عشيقته الأثيرة «حبابة» على البقاء إلى جوارها، وعدم إعطاء الإذن بدفنها إلا بعد أن بدأت جثتها بالتحلل. كثيرة هي المقطوعات التي نظمها ديك الجن في رثاء ورد، وهي على الرغم من صدق نبرتها، وصدورها عن قلب مكلوم، تبدو من الناحية الفنية متفاوتة الجودة والجدة والعمق.
لكن أروعها على الإطلاق هي مقطوعته الهائية التي نظمها في حمأة هلوساته، وفي ظل التمزق الدامي بين المشاعر المتنابذة، إذ يقول في أبياته الأشهر التي تناقلها الرواة:
يا طلعة طلَع الحِمَام عليها
وجنى لها ثمرَ الردى بيديها
أجريتُ سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري على خدّيها
روّيتُ من دمها الثرى ولطالما
روّى الهوى شفتي من شفتيها
فوَحقّ نعليها وما وطئ الحصى
شيء أعزّ علي من نعليْها
ما كان قتليها لأني لم أكنْ
أخشى إذا هبّ الهواء عليها
لكنْ ضننتُ على العيون بحسنها
وأنفتُ من نظر الحسود إليها .
لم يُظهر ديك الجن في البداية أي شعور بالندم على فعْلته الشنعاء، ربما لأنه أحس بأن قتله لورد لم يكن ثمرة الوساوس المجردة، بل هو إحقاق عاجل لعدالة الأرض، حيث القتل ذبحاً هو العقاب الطبيعي للزوجة الخائنة. وهكذا، حلّ محلّ الندم شعور ممض بالمرارة والغم الشديد، إزاء نزوع زوجته إلى الخيانة والغدر. وهو ما جسدته مقطوعات عدة، من مثل:
أيها القلب لا تعُد لهوى البيض ثانية
ليس برقٌ يكون أخْلبَ من برقِ غانية
خنتِ سرّي ولم أخنكِ فموتي علانية
وإذا صحت أحاديث بعض الرواة عن أن ديك الجن قد عمد إلى إحراق جثة زوجته بعد قتلها، ثم صنع من رمادها كأساً لاحتساء خمرة الندم المر، فإن تلك الفعلة الغريبة هي، على الرغم من تنافيها مع الشرع الإسلامي، محاولة رمزية أخرى للحيلولة دون تسليم الجسد المعشوق إلى عهدة التلاشي النهائي، وللاحتفاظ بما تبقّى منه في عهدة العاشق. وهكذا ظلّ ديك الجن سديم الخمرة واليأس والندم، عقابا اختاره لنفسه حزنا على ما أجرمه في حق حبيبته ورد.
[1] قدامة بن جعفر، نقد الشع، تح محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ص 134
أضف تعليق