سجاد آل محمد
انتشل كثيرا من احلامهِ المرماة في الطرقات والعراء الواسع. محترف في اصطياده لأحلامه، يحمل كيس الدقيق الفارغ صباح كل يوم ليعود مساءأً والفرح يدبُ في روحه رغم ما هو عليه من إنهاك. يبتسم ويشيح بنظرهِ نحو كيس الدقيق المعبأ بالأحلام فيبتسم إبتسامة تشعرهُ بلذة الانتصار بعد عمليات البحث المضنية. يستلقي لدقائق ثم يغفو متعباً على أمل ان يجمع مزيداً من الاحلام في الغد القريب. يغفو تاركاً ذلك السقف الندي البني. يستيقظ في صباح دافئ بفعل قطرات انزلقت من السقف اصابت جبينهُ. يحدق في السقف. يراقب قطرات الماء التي تسقط بهدوء لتنتهي في ارضية المكان التي اصبحت لزجة بسببها. يراقب شقيقتهُ “بسمة” وهي نائمة. يتبسم. وكان كمن يراها ملاكاً متعبا من المرح. بعد فترة وجيزة شعر بضرورة إيقاظها ليبدآن بحثهما المتكرر في كل يوم… بسمة… بسمة… انهضي حبيبتي. تفيق عابسة تدعك اصابعها بجفنيها. بسمة نحيفة ذات عينين صغيرين وكثيرة المرح، لكنه غير قادر ان يتركها وحيدة ليقطع عمليات التنقيب خاصته.
خرجا في يوم لزج ودافئ وعند وصولهما حي النفايات الكبير ينتزع حلما من الوحل وآخر مبللا بالمياه الآسنة ويبحث عن البقية… وحلما تلو الآخر ، لكنه كان حريصاً على إزالة آثار الطين المتشبثة بحوافها. تحاول بسمة ان تساعد في العمل مستغلة نشاطها الصباحي لكن شقيقها يمنعها من ذلك بلين ولطف، فلم يبقَ لبسمة سوى المراقبة. ثم سألت: لماذا العلب مطيّنة ومبللة هكذا؟! فيجبها: يا صغيرتي أغلب الاحيان أحلامنا تكون ثقيلة ومتعبة وعند فقدانها نتصورها وكأنها أجمل مما عهدناه في البدايات.
– : وما يعني ذلك؟
ــ : يعني ان لا تجعلي يديك متسختان من جمع العلب. اليوم انا سأفعل ذلك…
أحلام مشوهة واخرى سليمة وبعضها طازج كل ذلك تحملهُ حقيبة الأحلام التي أثقلت كتف الحالم وهو يحملها لمسافات طويلة. وفي اثناء عملية البحث تلك في وسط جملة النفايات يعثر على گلگامش! فلم يتردد أبداً في انتشاله من الحالة التي كان عليها… بل اخذ يحدق فيه ويزيل عنه عناء ذلك السبات والغبار والطين بعناية. بعد أن هبطت الشمس شيئاً فشيئاً حتى تلاشت. استغرق ذاك الحالم في گلگامش. في وقتها تأمل بسمة ان تجد لعبة لتسليها ما هوبين اصابعها وبإغماض عينيها لكنها لم تفلح… فسألت: أخي من اين لك هذه اللعبة؟ فتبسم شقيقها
وأجابها: بسمة.. إنها لسيت لعبة.. إنهُ گلگامش. ثم أردف قائلا : يا بسمة أتدرين انا وگلگامش متشابهان جداً؟! فأجابته بتساؤل: وكيف ذلك يا أخي؟! فأجابها: بسمتي الجميلة كلكامش فقد انكيدو وامتقع وجهه وهام في البراري وقطع الطرقات ليبحث عن عشبة الخلود ليتسنى له الخلود الى ابد الآبدين… وانا كذلك. فبعد عصف عظيم قد أدى الى هلاك بيتنا وقتل كل انكيدو لنا، وهمنا انا وانت في البراري وامتقعت وجوهنا وقطعنا المسافات لنبحث عن عشبة او علبة للخلود، لكن ليس كخلود گلگامش. يا بسمتي نحن نبحث عن الخلود في يومنا نسعى وراء الخلود لنعيش.. هذا فقط. أتحسبين اني وجدت گلگامش هنا عبثاً؟
أضف تعليق