الوهم والاستدلال في النصّ الشعري الحديث
علاء حمد
إنّ استنطاق النصّ الشعري من خلال علاقته بفعل المتخيل ما هو إلا قوة فاعلة للخروج من الواقع المباشر، ولكن من الممكن جدا عكس هذه المعاني (للواقع المباشر) بالشكل الذي يؤدي إلى اللامعقول وقوة الاختلاف اللغوية التي تسيطر على بؤرة النصّ الشعري، وتكون القوة الوهمية إلى جانب فعل المتخيل يعملان باتجاه واحد، حيث أن الأحلام ومعانيها التي تتكئ على القوة الوهمية، هي إحدى المشاهد المؤثرة التي تؤدي إلى مستوى معين من التصور، يقول ابن سينا: (إنّ الوهم يقف بوساطة الإلهامات والغرائز على المعاني النافعة أو الضارة الموجودة في المحسوسات. وتكتسب النفوس هذه الإلهامات والغرائز من مبادئها في العالم العلوي من اتصال دائم بينها).
إن علاقة الوهم، علاقة مطروحة من خلال الطلبات غير المحققة والتي تكون عادة بعيدة المنال، أو غير واقعية ولا تنتمي إلى المعقول بشكل مباشر، وهي المعاني التي تستجيب للقوة الوهمية في النصّ الشعري الحديث. ووفق المفهوم السريالي؛ فإن الرغبات التي يتناولها الشاعر تكون متحررة، وهي شمولية الفنان فيما يطلبه عبر الكتابة الآلية. (الآلية ليست غاية، إنما وسيلة لمعرفة الذات. عبر الكتابة الآلية يتم نقل ما تعجّ به الذات من أحلام وأوهام وهواجس وخيالات ورغبات، متحررة من أيّ رقابة اجتماعية وأخلاقية. إنها تتيح إنتاج ما يتشكل في اللاشعور دون أن ندركه، وبهذا المعنى فهي تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية في استكشاف اللاشعور).
الشاعر ينقلب، ينقلب وينفلت من العلاقات الحسية وخصوصا تلك العلاقات المألوفة، لذلك فهو يتجه نحو التعبير الداخلي وما خزنته الذات والأثر المتبقي من العلاقات الحسية، وعندما تختفي تلك العلاقات، يبدأ التحرر المباشر من القيود التي (ربما) يعاني منها الشاعر وهو في خضم الخلق الشعري. فالإبداع حركة غير متوقفة في ساحة أو زاوية معينة، وهو ليس تنويما مغناطيسيا. فالشاعر يخضع إلى حركة الإبداع من خلال الممكنات والواقع الممكن الذي يؤسسه المبدع عادة، وهو القادر على جذب الأثر الفني بالشكل الذي تنتمي رؤيته إليه. وحسب المبادئ التي تنتجها التجربة الذاتية في الخلق الشعري، والأهم من ذلك الخروج من المنظور الاصطناعي الذي يتعلق بالمألوف.. والإبداع لا يظهر دون رفع القيود عنه، وتمتعه بالحرية الكافية، وإلا فانه سيبقى حبيس الواقع الذي يلتف حول عنقه.
إن تبديل العبارات والمعاني العائمة في الواقع المباشر، هي حالة استدلالية، فالتصورات التي يدخلها الشاعر ليست جاهزة إلا بعلاقة مع الخيال وفعله الحركي، لذلك ربّما كلمة واحدة دالة تشير إلى عبارة، وطالما أن النصّ الشعري الحديث يعتمد على التقشف اللغوي وكذلك التقليلية من ناحيتي: الزمنية واللغوية، فمن هنا تكون الإشارة الدالة ذات منفعة في البعد النصّي، وذلك إذا كانت ضمن عملية الاستدلال.
إن البعد الرمزي والذي يحوي على التجهيزات البديلة خير مثال على تبديل الأشياء والعبارات والجمل، لكي تكون النتيجة دلالة رمزية، وهذا ما نسعى إلى تواجده في البعد النصّي من خلال المنظور الرمزي. ولكن عندما نذهب مع الواقع كمنظور حتمي، والواقع اليومي الذي يحبس الكثير من الشعراء بمفاهيم يومية، نكون قد استغنينا عن التصوير الشعري والذي له الأهمية في المؤثرات؛ إذن من الممكن جدا أن نعتني بالحلم واليقظة، والواقع الخيالي، أي ننقل المنظور الواقعي إلى مساحة من الخيال، ونتجنب الواقع اليومي المليء بالتوترات والقلق الكتابي. فالأمل المزروع في الذات العاملة ما هو إلا المنظور الجديد عندما يتأمل الشاعر ممكناته ومتعلقاته من خلال الذات الحقيقية، وتشكل الإطار الحقيقي في مساعي الشاعر نحو الكتابة ولو بشكل جزئي.
نذهب إلى انفلات الحواس عن واقعها المباشر لكي لا يكون الشاعر حبيس الحواس المباشرة، والتي تعمل بشكل يومي من خلال واقعها، ويكون الانتماء إلى المخيلة، حيث أنها الوحيدة القادرة على الامتثال الشعري. ويرى الفلاسفة، إنّ الطبيعة التصويرية وغايتها التخييلية، تؤدي إلى خطاب جمالي يوظف اللغة، تلك اللغة المختلفة التي نتداولها، وفي نفس الوقت، لا لتعبّر بشكل مباشر عن العالم الخارجي أو تنقل معطياته، أو تنقل تلك الأشياء المنظورة، بل لتحيل كلّ شيء إلى الذات، وهي الذات الحقيقية التي تلاحق الخلق الشعري، ويرى (فردينان آلكيه): منذ أن يتخيل المرء، لا يعود يتطابق مطلقا مع العالم، ولا مع نفسه، ولا يعود النوم مسموحا به. ولكن ماذا يجب أن نفهم من التخيل؟ يشجب ديكارت المخيلة لأنها تبدو له أنها تساهم في تزييف المعرفة المحسوسة؛ ويشجبها باسكال لأنه يرى فيها قدرة تلقائية للتركيب. ويميز فولتير المخيلة التي تعيد فنا والمخيلة التي تبدع؛ ويميز أيضا مالبرانش بين المخيلة المتعلقة بالروح والمخيلة المتعلقة بالجسد. وفي الواقع، (إنّ عبارة “مخيلة” تعني الحالات والعمليات الأكثر اختلافا: حالات ما بين النوم واليقظة، والهذيان، والأحلام، والإبداع الجمالي، والاختراع التقني أو الاكتشاف العلمي). فالمتعة الفنية والذائقة الشعرية اللتان تبشران في الذات الشاعرة، ما هما إلا تجربة ذاتية شعرية، تستطيع أن تفرز وتتولى أسلوب النصّ الشعري وطريقة تركيبه.
الانفلات الذي نعنيه كتعيين منفلت أيضا، ليس فقط في الحواس وعلاقاتها، فهناك انفلات اللغة أيضا، وانفلات الأوهام، وانفلات الأحلام. فالبحث الذي يؤطر النصّ الشعري ليس هو البديل فقط وميوله إلى الدلائل، فهناك النقيض أيضا، وهي من حالات الانفلات الفلسفي التي تلازم اللغة الشعرية، وخصوصا أنّنا نبحث عن فعل الاستبيان في المنظور المنفلت. ولكن هل ينفلت فعل الاستبيان أيضا من موضوع التجميع التصويري؟
تميل الفلسفة إلى التبيّن المقروء قبل كلّ شيء، والبحث يرافق فعل الاستبيان الذي ينفلت في مواضيع، ويبقى راسخا في مواضيع أخرى، ولكن الذي يرافقه هو التعلق بجملة من الأفعال، ومنها فعل الإثارة وفعل القراءة وفعل التحصيل؛ فالقارئ أو المتلقي عندما يرغب الاندماج مع فعل القراءة، فهو القارئ الذي يعتني بالألفاظ المقروءة، وهي نفسها ضمن الفعل الكتابي، حيث أن النهاية التي ينتمي إليها الشاعر، نهاية التدبير اللغوي ومدى التغلغل بها.
رقصة الجزيئات النصية هي ليست رقصات الحواس وتراشقها أو بناء العلاقات فيما بينها، بل هي الجملة الشعرية التابعة لذلك المنظور الذي يتلاعب به الشاعر حسب الإمكانيات المتاحة له، والجملة الشعرية بالرغم من تواصلها وامتدادها، إلا أن القوة التابعة لعنصر الدهشة هي التي تُـظهر رقصتها بوضوح، هذا إذا كنّـا مع المتعة واللذة في التركيب والمتطابقة بين الذات وما هو مرسوم أمام الشاعر.
إنّ الجملة الشعرية وعلاقتها اللغوية عبارة عن لعبة لغوية يتمتع بها الشاعر ليعكسها كرسالة جزئية ضمن النصّ الشعري المجانس للذات الحقيقية التي أوجدت رسالتها للمتلقي، وفي طبيعة الحال لا تهمنا كيفية التركيب والذهاب بها إلى التركيب النحوي، بقدر ما يهمنا هنا اللغة المناسبة التي ينتمي إليها الشاعر من خلال الكتابة الثانية للنصّ، وماذا نعني بالكتابة الثانية للنصّ حينما نبرم اتفاقا مع اللغة المناسبة؟
يفتح الشاعر بعض الدلالات الإضافية التي يكشفها المتلقي، وهي ليست ضمن التخطيط والتوزيع النصّي، أي ما يبرمه من اتفاق بين النصّ المقروء والنصّ المكتوب من خلال الذات الحقيقية، ينفلت هذا الاتفاق وتتوسع الرؤى، فتكون كتابة ثانية للنصّ الشعري، ليكون المتلقي المبدع مكتشفا إضافته النوعية إلى القراءة الثانية للنصّ الشعري.
إنّ تجميع الجزيئات في البنك النصّي، لم يكن على صيغة واحدة في العمل، إذا اعتبرنا أن كل جزء يمثل نصّا فرعيا خاضعا للمتن (البنك النصّي)، فطالما يبدأ النصّ بكلمة كأصغر وحدة لغوية، فالكلمة تمتد إلى تركيب، لنحصل على جملة شعرية، وقد نكتفي بهذه الجملة أو نشكل مقطعا من المقاطع النصية، لتصبح نصّا مصغّرا تحمل صوتا فريدا لا يشبه بقية الأصوات في الجمل والمقاطع الشعرية، لذلك فنظام النصّ الشعري، نظام من الأصوات المختلفة، وذلك بحكم التنغيم المختلف في النصوص المصغّرة في البنك النصّي الشعري. (إنّ ثمة تراسلا بين المشاعر وبين التأثيرات الحسية التي تصدرها اللغة. فالانطباعات الصوتية محكومة بما لبعض الأصوات من قدرة – مهما تكون درجتها – على إحداث تأثيرات معينة عندما تتوافق القيم الصوتية مع حركة الشعور عند المتكلم أو عند السامع الفاهم) فالكلمة منغمة (في اللغة العربية وهي غنائية أيضا) وهي راقصة إذا كانت مفردة، وفي نفس الوقت لا نستطيع تكثيف الكلمة واختصار حروفها، فالمكون الذي أمامنا من الثبوتيات مع المعاني المنفردة، وفي نفس الوقت تدخل الكلمة كوحدة لغوية في النصّ ولها تصوراتها قبيل التركيب، فكيف إذا كانت مركبة، سيكون لها رقصة ثانية وأكثر إثارة في النصّ الشعري. يتبين من منظور التحليل الوظيفي، – بناء على ما يفضي إليه التمفصل المزدوج، أنّ كلّ عنصر له دال له مدلول، وبتعبير آخر “كلّ اختلاف في الشكل يقابله اختلاف في المدلول (المضمون)”.إنّ الفعلين ذهبنا ورجعوا ليسا كلمة واحدة مثلما نجد في التحليل اللغوي القديم، وإنما هما عنصران مركبان يتكون كل منهما من كلمتين: ذهبـ + نا .. رجعـ + وا. فالحالة التي مررنا بها، وظيفة تركيبية تكونت في نفس الكلمة بإضافة بعض الضمائر المتصلة، وكذلك لو أضفنا أيضا ” الـ ” التعريف على بعض الكلمات غير المعرفة، ستكون حالة معرفة تؤدي إلى دراية معلومة، مما تسهل علينا إيجاد بعض التبدلات الرمزية.
إنّ انزياح الكلمات عن معانيها الأصلية ليس فقط من خلال تركيبها لكي تدل على معنى تأويلي جديد، بل هناك عامل المشهد البصري الذي نتخيله وترجمته من خلال الكتابة الدالة، فماذا لو وضعنا وردة على الحلمة، وهي إشارة على مكان الحلمة في الصدر، فنقول هناك وردة نافرة في الثدي؛ من خلال هذا المنطوق الانزياحي نلاحظ إنّ الوردة احتفظت بمعناها ولكن في نفس الوقت دلت من خلال التشبيه على الحلمة، فيصبح لدينا؛ إن الحلمة كالوردة، ومكانها في الثدي، فرائحة الحلمة أصبحت كرائحة الوردة.
أضف تعليق