(تابع)..
———-
ليلى السيد
– من مواليد البحرين، عام 1967. بكالوريوس لغة عربية من جامعة البحرين. دبلوم الدراسات العليا من جامعة القديس يوسف، لبنان. تعمل في مجال التدريس. صدر لها: “مررنا هناك”،2003؛ “مذاق العزلة”،2006؛ “مليان كفي حبر (شعر بالعامية)”،2007.
الحلمُ
بالأمسِ
جزأتُ حلمي
وأنا أسيرُ عليهِ
أشدبُ منهُ ما لا ينبغي لهُ أن يبقى
وأنا أسيرُ
تركتُ ورائي ضحكاتي العاليةَ
وعبرتُ الجانبَ الآخرَ
بعد أن نزعتُ الابتسامة عني
ومشيتُ دون القصيدةِ
دون الحبِ
ثم رأيتُ أن جسدي
مازال مكتنزاً بالشهوةِ
فألقيتها عند عتبات البابِ
ودخلتُ
دون جسد
وحلمتُ:
أن الضحايا سيأتون في المساء
ويحصون عليّ خطاياي.
معرفة بطعم الشوكولاتة
حين لا تراني
أجدُّ السير إلى معبدك
تغشاني محبتك
وسَكرة خفيفة بضوئك
حين لا تراني
أرى شفاها طرية
ابتاعت كرزاً
وأهدته
لنقطتيْ البداية والنهاية من شفتي.
حين لا تراني
أتأمل أشجار صمتي
في الحديقة
وأزهار المسرات
حين لا تراني
أرى الفضاء تماثيل لحم
قلب صغير
حين لا تراني
أفتح أقفاص نفسي
لتغادر كل الحشود الضارية
فأشعر برغبة التخلي
حين لا تراني
تظل أقدام من عبروا
تائهة في الرمال
حين لا تراني
أعتصم بحبل أمومتي
فأرى العالم متفرقاً في بهوها
حين لا تراني
تطفو الخشبات البالية
فأرى في الأفق
سفينة نوح قادمة.
حين لا تراني
أرتمي بين أشيائي الصغيرة
تحت رذاذ القبلات
محتضنة شمس ذكرياتي
حين لا تراني
أنتشي بلذعة الصمت
بفرح طائر
له طعم الشوكولا
يفزعه اليقين
حين لا تراني
سأنتظر أمام مرآتي
أهيئ النفس لضوئك.
بروين حبيب
– شاعرة تعمل في مجال الإعلام المرئي، حيث أجرت حوارات مع العديد من مثقفي وأدباء العالم العربي. ولدت في البحرين عام 1969. صدر لها:” تقنيات التعبير في شعر نزار قباني”،1999؛ “رجولتك الخائفة طفولتي الورقية”، 2001؛ “أعطيت المرآة ظهري”، 2009؛ “دانتلا أقل من الصحراء”، 2010؛ ” الفراشة”،2012؛ “الوهم الأخضر (مقالات)”، 2019.
رفيف
1
رجولتك تخاف طفولتي الورقية
تشهق حيرة الصحراء
فسلاماً، يا أبجدية النحر..أيا رجلاً،
تعالَ
بقليل من النبيذ
خذ قلبي، وانسج كنزة له
خذ وجهي، وارسم في ليله
واهجع فيّ، حتى يستحيل التماع جسدنا
برهة تنهمر.
2
الليلة يغزو لونك رفيف القصيدة
هذا الوقت وقتك، كيف أرعد دونك؟
سرنا يذهب في عتمته،
فكيف يعذرني السهل
أن أرحل ومعي بقيا التوجس،
الريبة القاسية،
ومعي أنت.
3
العناق خديعة،
يا حبيبي،
لا تقرع صولجان دمي،
لا تمسك بنوافذ الأحجية،
لا تقترب من سرير الوليد الذي سقط
مشفوعاً بظل بين الغواية و الموت.
4
حبيبي
كنت تتسلق صيف الفتنة في يومياتي
و الرسامون يحفرونك نحيباً في حبري،
واشتهاء يفضي إلى النأي.
يا للحظة الراهبة!
حيث لا زمن يجنح ولا شمعة رقيقة تحكي.
كؤوس الغربة تترعني غرقاً.
يا صباح الخير
حدثني عن غريب فرشاته غبار في إناء ذاكرتي.
يأخذني عالياً
مُطْلَقاً،
حُبّكَ
كانَ
يأخذني
كلَّ مساء
من ركْوةِ القهوةِ، وأشياءَ كثيرة،
عالياً،
إلى عُزلةِ الكهنةِ ومغاور الحُور
كنتُ أحملُ جَهْمَ النِّساءِ وتوجّس الليل الوئيد.
قلتَ لي: انْهمري
وسقطتُ في غيمٍ يكادُ
لكأنّ قلبيَ كان يحتاطُ ارتباكاتِ النّهارِ
وفوضى المَعراج.
أسرعتُ الّلحاقَ بجُلجلةِ السّراةِ
ونسيتُ غَضَبي
ما بين المهْدِ الأحدبِ، والنّزقِ المُتْرعِ بغيثِ الجسد،
آويتك إلى شفتيَّ.
الغريبة
اترك مرفقي
اتركني
أمرّ الى فؤادي.. وحدي هنا في شمس أيامي
وفي ظل البنفسج
ضوع أمسية قديمة.
“لا وجه لي لا اسم
لا وطنا يلم تراب أغنيتي
اتركني هنا في غربتي الأولى
وفي شمس كلامي
لي من شذا اللغة الغريبة
عندما يهوي المساء
على فؤادي
ياء بكت راء
وواو أورقت ياء على الألواح
والشمس خمرة فكرة في كأس نون.
جاسم حاجي
– ولد في المنامة عام 1966. مدرس لغة إنجليزية متقاعد. صدر له : ” غبار الظل”، 2002؛ “باب الصمت”، 2007.
قبر الوقت
عاد الاختلاف إلى جسدي
عدت ثانية إلى الجدار،
وقفت أتأمل ثقوب الطوب،
وطني يسكن في الطريق
بين الإسمنت وقشعريرة الإسفلت،
قطاً لايعرف حلمَ النزول،
كوكبة في جسدي تحملني حيث القطيع،
كنت معهم
كاهلٌ يفعل رؤى الرجال،
إلى عالم الأعداء
أنتشي
أرجع ثانية إلى المذبح،
طفولي أنا،
كسرت القنديل على جهاز السفينة،
اتجهت في عنقود الرفات..
أعدك أن لا أمزق النشيد..
ذاهب،
وطني يُنفذ المقصلة..
لماذا كلما رأينا في العودة عذراً
ذهبنا إلى السوق،
مع الأغنام
مع الخشب
قبل النار..
وكنا لا نقبع في قبر الوقت..؟!
يقولون لنا لا تذهبوا إلى القمر
قالوا لنا لا تصنعوا البأس في رجالكم،
تهامسنا،
وأقسمنا أن لا رجعة للسور والكهرباء،كنا نفرق حلوقنا في مرآة الأيام
ثمة..
ثمة وطن في رشفة خمر..
أنتَ
ترمي بيدك المقطوعة في حلقات الغشاوة،
ترفل بمخمل الحتف،
أنتَ
وليد يسارع صوب الشعاب،
حتفٌ يُنشِدُ .
روح
دماؤكم
شظايا الرموش
جسد الشوق
للسماء بلادكم..
تحيا على لظى الخلايا،
جرحك
بلسمك
القرح الذي لم يندمل
عابس في لهج الأوداج
هاتف يأتيك
تقف على الأسوار
يأخذك الشغف
تهيم،
وتهيم
وطنك يُلبسك الغربة.
عبد الجبار علي
– مواليد البحرين 1972. صدر له:”طقوس أثينية”، 2010.
احتضار القصيدة
عامانِ غابا ..
وأنا هنا .. مازلتُ أحتضن الجراح..
مازلتُ أكوي ما تبقى من غرام ..
مازلتُ أحتطبُ الثواني ..
مازلتُ نصفاً لا أنا رجل ولا جسدٌ سوى شيءٍ سيُلقى عن قريب ..
من حيثُ تُختتمُ المسافةُ
بين ميلادي وموتي… بين عقلي والجنون
وجهي.. يداي .. أصابعي .. رجلاي ..
كرهت إقامتها على جسدي..
وكأنها ودتْ بأن زرعت بريشةِ ملهمٍ في لوحةٍ لا روحَ فيها ..
إلا بما قد ضمّ من عبثٍ إطار ..
عامان غابا..
وهناكَ أنتِ ..
محارة هربتْ لتبحث عن قرار ..
كوريقةٍ كرهتْ معاقرة الشتاء ..
ما كنتِ حلماً كي أقول لك: الوداع …
ما كنتِ لي ذكرى فأنسجُ من بقاياها لإبحاري شراع ..
ما كنتِ ليلاً شهرزاديا يموت مع الصباح ..
لا ترجعي .. أحببتُ ذيّاك الرحيل ..
أدمنتُ ما تركَ الفراقُ من العذاب ..
لا ترجعي !
فأنا سجنتكِ في البياض ..
لا ترجعي..!
ولتسكني مدن الدخان ..
ودعي لحبر قصائدي بقيا اخضرار ..
بقيا احتضار ..
ودعي رصاصتكِ الأخيرةَ .. أمهليني ..
أتلو على جسد القصيدة فاتحة الكتاب ..
أنيسة فخرو
– ولدت في المحرق عام1973. مهتمة بقضايا التربية والتعليم والطفولة والمرأة العربية. لها العديد من الكتب، في مجالات مختلفة، منها المجموعات الشعرية الآتية:” اختلاج الروح ما بين السر والبوح”، 2001؛ ” رسائل حب مبتورة(نصوص أدبية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية)”، 2006؛” تجليات(نصوص أدبية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية)، 2010،”نشيد الأرض-شعر للأطفال”، 2019؛ “قل هو العشق”، 2020.
تجليات
***
يتساءل الطائر الوحيد
وهو محلق بجانب طائرة:
ما هذا الطائر القبيح العملاق؟!
تجيبه الطائرة:
أنا لست بطائرٍ
لكني أحمل بين ضلوعي
أكثر من مائة طائر بشريّ،
وانا أشعر بالغبطة لرفقتهم..
أسمع حكاياهم وأكتم أسرارهم
أما أنت فعلى الرغم من جمالك الباهر
إلا أنك تسافر وحيداً وكئيباً.
***
يقول الماء :
رفقاً بي أيتها الحسناء آن تستحمين
فأنا لا أقدر على
كلّ هذا الحسن والجمال..
***
الغيمة الوحشية
بلونها الأسود
تأكل زرقة السماء
والطفل يسأل:
كيف السبيل إليها
حتى أغيّر لونها؟
***
الصمت: شجاعة متناهية ونكران هائل للذات.
خليفة بن عربي
– مواليد البحرين عام 1973. حاصل على الدكتوراه في الفلسفة والعلوم الإنسانية تخصص النقد الحديث من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، 2011. صدر له:”نمير السوسنات”، 2010؛ “الاتجاهات النقدية في الشعر الخليجي الحديث”2012؛ “إشكالية الذوق الفني عند محمود محمد شاكر”، 2011؛ “مواجع خضر، 2019”.
أَبي
أَبِي ..
قَدْ رَأَيْتُكَ خَلْفَ رُفَاتِ الْغِيَابِ
تُلَمْلِمُ غُصْنَكَ
تَرْفَعُ حُلْمَكَ
تَرْنُو إِلَى هُوَّةٍ سَاحِقَةْ
رَأَيْتُكَ فِي ضِفَّةِ الْكَوْنِ
تَهْوِي بِصَوْتِكَ فَوْقَ الْوُجُودْ
وَأَنتَ كَمَا أَنتَ
كَالطَّوْدِ تَمْخُرُ فَوْقَ الْفَضَاءْ
فَعَيْنُكَ تَحْرُثُ فِي فُوَّهَاتِ الْغُيُومْ
وَتَسقُطُ سَجَّادَةً
كَيْ نُعَفِّرَ فِيهَا بِأَحْلَامِنَا
وَنَجْلِسَ فَوْقَ رَنِينِ الطُّيُوفْ
وَمَازَالَتِ الْأَنهُرُ الدَّاكِنَةْ
تَمُرُّ عَلَى وَجَنَاتِكَ
تَغْسِلُ مِنهَا نُدُوبَ الْحَنِينْ
وَمَازَال وَجْهُكَ ..
وَالْقَمَرُ الْمُشْرَئِبُّ بِخَدَّيْكَ..
يَلْتَقِيَانِ بِكُلِّ مَسَاءْ
وَيَلْتَقِطَانِ الْحَيَاةْ
كَطَيْرَيْنِ شَاقَهُمَا الِاحْتِضَارْ
القدْسُ وبغداد … عناقُ الزيتونِ للنخيل
هُنَا وَطَنٌ
تَدَثَّرَ مِنْ عَذَابَاتِ الصَّبَايَا.
مِنْ حَرِيرِ اللَّيْلِ حِينَ تُكَفِّنُ الَعَتْمَاتِ أَصْدَاءُ الرَّزَايَا.
هُنَا وَطَنٌ
جَرِيرَةُ قَاطِنِيهِ أَنَّهُمْ
قَدْ أَسْكَنُوا خِصْرَ النَّهَارِ عُيُونَهُمْ
وَتَوَضَّؤُوا نَسَمَاتِ حُبٍّ
وَاسْتَحَالُوا أَنجُمًا مِعْطَاءَةً فِي خَدِّ فَجْرْ.
غُيُومٌ تَنسِجُ الإِصْرَارَ فِي دَمِهَا.
وَمَاءَ الْحُبِّ فِي فَمِهَا.
وَمِلْحَ الصَّبْرْ.
وَفَوْقَ جِبَاهِهِمْ
يَتَخَضَّبُ الصَّقْرُ.
وَفَوْقَ رُمُوشِهِمْ يَتَكَحَّلُ الْعُمْرُ.
إِذَا مَا أَخْرَجُوا مِن جَيْبِهِمْ كَفًّا
تَزَاحَمَتِ الصَّبَاحَاتُ الْمُضِيئَةُ لِلْخُرُوجِ
تُقَبِّلُ الْكَفَّ الَّتِي هَتَكَتْ أَنَامِلُهَا سَوَادًا
قَدْ تَعَتَّقَ عِندَهُ الْغَدْرُ.
وَفِي الأَقْصَى ..
تَرَاتِيلٌ وَأَوْرَادٌ وَأَحْلاَمٌ وَأَعْمَارُ.
وَفِي الأَقْصَى ..
تَسَابِيحٌ وَأَسْفَارُ.
عَلَى أَهْدَابِهِ يَتَطَهَّرُ الْحَنُّونُ وَالْغَارُ.
عَلَى أَرْكَانِهِ تَسْمُو
بَقَايَا مِن سُطُورِ الْعِشْقِ وَالْمِعْرَاجْ.
رَحِيقٌ مِن سَنَا خُطْوَاتِ أَحْمَدَ
لَمْ تَزَلْ تَخْطُو عَلَى وَهْنِ الضَّمَاِئرِ
تَكْسِرُ الأَرْتَاجْ .
وَعِندَ التَّلِّ عَيْنٌ
غَارَتِ الأَحْدَاقُ فِي صَهَواتِ أَرْجُلِهَا.
تَكَفَّنَ فِي دُمُوع نَشِيجِهَا الأَلَمُ.
(عَذَوقُ) النَّخْلِ تُشْرِقُ فِي هَوَاهَا حِينَ تَحْتَطِمُ.
تَذُرُّ الْحُزْنَ وَالشَّكْوَى
عَلَى أَرْضٍ تَحَجَّرَ فِي بَقَايَا أَهْلِهَا الرُّطَبُ.
عَلَى نَخْلٍ تَهَاوَى سَعْفُهُ مِزَقًا
فَخَانَتْ تَمْرَهُ إِغْمَاضَةُ الْهُدُبِ.
عَلَى قَوْمٍ تَحَجَّرَ فِي كَوَاحِلِهِمْ
ضَمِيرُ السَّادَةِ الْعَرَبِ.
هُنَا بَغْدَادُ..
يَا بَغْدَادُ يَا بَغْدَادْ.
حُقُولُ الْيَأْسِ تَلْثِمُ ضِفَّةَ الْمِيعَادْ.
غُبَارُ الْحِقْدِ يَقْتُلُ مِنكِ أَسْرَارَ الْخُطَا
فِي لَحْظَةِ الْمِيلاَدْ.
تَهَاوَوْا فِي سَدِيمِكِ حِينَ طَلُّوا فِي مُحَيَّاكِ
كَسِرْبِ جَرَادْ.
أَتَوْكِ يُسَمِّرُونَ بِكُلِّ نَاحِيَةٍ بَقَايَا مَا تَبَقَّى مِن مَصَائِرِهِمْ
يَذَرُّونَ اشْتِهَاءَ السُّخْطِ فِي كَهْفِ الْهَشَاشَةِ وَالرَّمَادْ.
وَأَنتِ مِثْلَمَا كُنتِ.
كَمَا كُنتِ.
أَيَا عِشْقَ الْمَكَانِ وَيَا ابْتِكَارَ الصُّبْحِ
يَا أَنتِ.
عَلَي صَدْرِي تَشُقِّينَ ارْتِحَالَ الْيَمّْ.
تَقُصِّينَ الْحَكَايَا لاِلْتِفَاتَاتِ الطُّفُولَةِ
فِي نُثَارِ الْهَمّْ.
وَأَهْوَاكِ
وَأَهْوَى فِيكِ مَلْحَمَةً
تَنَامُ عَلَى هَدِيلِ الْحُلْمْ.
جعفر الديري
– صحافي وشاعر وقاص بحريني من مواليد 1973. صدر له مجموعة قصصية بعنوان”النافذة كانت مشرعة”،2013.
مقدمة لخلق الأشياء
أنا ما أزال
أضيء في المعنىْ
جبينِيَ واحةٌ
وصدايَ أشجارٌ
وظِلَّيَ جُلَّنارْ
لم أدَّخر شيئا
من الكلمات
أنثُرُهنَّ
كالملحِ المؤجِّجِ
زهرةَ الذكرى
تفِيءُ إليَّ في كفيَّ
أنفاس الذين
تزمَّلُوا بالشمسِ
أطفالاً .. نساءً .. أو رجالْ..
وجِهيْ ستعرفهُ هنا
في الشاهد المصلوبِ
في وضَح النهارْ
في خُصلةِ الشاهين
تحتَ سنابك الخيل
المسوَّمة الكِبارْ
خلف ارتعاشةِ تلكُم الأهداب
فيما قصَّهُ نهرُ العذابْ
أرميْ بصدريَ
في ثقوبِ اللحظة الأُولىْ
وأوقِد ها هُنا
وجعَين تحتَ النار
ثم أخيطُ ثوبَ عُروشكُمْ
أصلابُكُمْ
أرحَامُكُمْ
أمتعةَ الذين تقمَّصُوا
وجه الطبيعةِ
في بُكاءِ الليلِ
فيْ ضحكِ اليتامى
بين دندنةِ السِوارْ
أنا في عروق الصاعدين
نبوءةٌ من زهرة
تتصفحُ الغادين
تحتَ النجمِ
أو فوق الدخَانْ
ياقوتة في جب الخلق
دعني.
أقسمت عليك بِمّن سوّاك.
بمنْ أودعَ في صلبك هذا الجرس اليابس.
دعني.
لا تدفع قدميَّ إلى الميناء بجوف الليل.
لا تترك أحشائي تهدر ثم تموت.
تفرّ من الأسماء.
دعني.
لو تُبصرْ ما بين النخلة والرطب اليابس لعذرت الماء.
أقسمت عليك بهذا الطين اللازب إلاّ وتركت ذراعِي.
تسرق جيب الغيم.
لا تترك جلدي يتشقّق وسط النهر العابس.
دعني مثل فراشة هذا الضوء الشاخص.
أرحل..
أطرب..
أهزج..
أتمايل بين النخل.
أجفّ .. أعود إلى غيم لا يشرَق.
أملأ راحَتيَ السمراء.
دعني.
ها أنت تسير إلى السبعين.
تحاور وجه الموت الأول.
تتقوقع كالياقوتة في جب الخلق.
فاترك لي شيئا لا يتأخّر عن سفني الزرقاء.
النهر هناكَ ..
فدعني.
أبسُم حتى أتوارى.
ألعب في جوف التنين.
أقبّل تلك الأسماء الراقصة الفم.
دعني.
ما أقساك وما أغلظ نجميك.
هل تُبصر شيئا خلف حجابك هذا المربوط بشاهدك المحفور.
لِم تترك هذا النخل الأعجف كي تسبل عيني.
أنظرتَ إلى ذاك الثور هناك.
يرعى في العشب اليابسِ ..
يأكل من بُرديّ.
ما بالك تعجل .. تقفل هذي النافذة البيضاء.
كُل الأشياء هنا زرقاء.
دعني أطلب فيها بعض سلام الروح.
لا تهبط بي لملاذ اليأس اللاصق بالأعضاء.
يلطّخ لي جنبيّ.
دعني.
ما أجمل هذا الدرب الأزرق لولا وشم يديك.
محسن المبارك
– مواليد البحرين عام 1974. صدر له “هل ابتسمتَ لجنيٍّ قط؟، 2013”.
كادي
واقطفي منّي ما تشائين من صرّة العنبِ
فأنا وأنت: كوكبان، هاربان
من سائر اللهب
بئر
كانت بئرٌ بيننا وشفتان.
لم ننسَ معادلة الرفقاء.
انتشينا
وعشقنا ..
فاستوينا،
الآن عدنا ننظر داخل البئر ..
فكانت مسكونة!
ملاك الظلام
مصمتٌ كالجريرة أعمى
كطيف،
أمُرُّ بجدران يأسي،
أقول الحقيقة – نصفها –
أو أقلّ كثيرًا؛
أوزّع مسمار روحي
على العابرين ..
أنا الليل
ملاكُ الظَّلام
أخفي الوجوهَ
اخضرارَ البيوتِ
وروحَ المباني الحديثةِ
والطائرات
ويشتدُّ فيّ رنينُ المغنّي
ليُسمِعَ صمتَه
أُخفي الدُموعَ
ورَجفَ الحزينِ
وشهقةَ عاشقةٍ عن أبيها
أدسُّ الغريبَ
وأحشُرهُ في اللهيبِ الرهيب
ولكن،
أضيءُ النجومَ
أنا وظلِّي
قلتُ لظلّي:
لكي تشبهني – كما تحاولُ دائمًا،
خُذْ شامتي ورائحتي ودمعي
وصورتي عندما كنتُ طفلًا
خذ النياشينَ على سُترةِ قلبي – فقد لمعتُها جيدًا
وسأُعطيكَ من عندي الحنينَ والشوقَ والأمنياتِ الحزيناتِ ولعبتيَ المكسورةَ وأصدقائي المشرّدينَ وانتمائي لعائلتي ..
وربّةَ الشعرِ أيضًا
وأعطني خفّتَكَ، واختفاءَكَ، وظلَّكَ البُخار،
وانحناءَكَ، توحّدَكَ، وانتماءَكَ،
روحَكَ المرحةَ في تقليدي دائمًا
وعدم مللِكَ من تتبّعي، وحراستي،
ولونَك الشفّاف، وصوتَكَ الهمجيّ الصامت،
وصورتَكَ المعلّقةَ في الجدارِ والأرضِ والشمسِ،
وانفصامَكَ، ورقصَكَ للضوءِ وخجلَكَ الأبديَّ منهُ،
ورؤيتَكَ، وصداقتَكَ، الدائمةَ لربِّكَ،
وإخلاصك له في عبادتك.
وسأعطيك، من عندي، ابتسامتي المصقولةَ
وحزني ..
زهراء المتغوي
-من مواليد البحرين عام 1974 في قرية الدُراز. صدر لها: “بأي ذنب قتلت؟”، 2008.
البكاء بين يديّ حجر !
ستبكي هُناك!
تُخاصرُ عند ضريحي الفراغَ
وتجثو على تربتي رُكبتاك
ويختلسُ الدمعُ قلبَك – هذا الذي لم يزره البكاءُ – ويحتدّ شعراً
ويبكي طويلا هناك.
بقبري غداً
حين يدرجُ نهرُ العناقِ لعينيك
تنسى المواعيدُ أنفاسَها
كالحجارةِ
حين تهامسُ نخبَ السواقي
وتسجدُ مفتونةً بالأراك.
ستأتي
سترسمُ بالطينِ إسورةً للحنين
وقد تسألُ الضوءَ عني
وكيفَ الشحاريرُ يخرسُها اللارجوع
وكيف اشتياقُ الأحبّةِ حين يفتّ الجلامدَ تبكي
وكيف القصائدُ حين يكوّرها الحزنُ تبكي
وحيث يبلِّلني منك دمعٌ غزيرٌ
وما بلَّل الروحَ يوما لقاك؟؟
ستمشي خجولا
خُطاكَ تسائلُ عني خُطاك
وتحملُ تلك الورودَ
لماذا ستهدي إليّ البنفسجَ والأقحوان
ولا يغرق الروحَ إلا شذاك!
ستبكي كثيرا
وحين أراكَ بقربي
وما بيننا الموتُ
تبحثُ عن كلماتٍ قصارٍ
تضجُّ بهمسٍ يشقُّ احتمالاتِه من صَداك.
تساور خيلَك
تذكرُ كيفَ التقينا
وكيفَ نذرتُ إليك وجودي القصيرَ
و عشقي الوحيد
وما فزتُ حتَّى بأدنى هواك!
تصيرُ مقدّسةً كلُّ هذي التفاصيلُ :
“خطِّي وفوضى جنوني
وتلكَ الرسائلُ حين تهبُّ غوايةُ شوقي إليك
وحتَّى ظنوني ودربُ ضياعي بدُنيا جفاك”
ستبكي طويلا ستبكي
وتوقنُ أنّ التي جرّحتها
أناملُ طغيانِك المستبدِّ
وصبّار بعدك
صارت – أخيراً – بقايا إلهٍ و ذكرى ملاكْ.
لماذا البكاء؟
لماذا البُكاءْ ؟
و في البيلسانِ خريطةُ شوقٍ
تسافرُ للأنصعِ المستهامِ
وشهلاءُ ضوءٍ تقودُ عصافيرَها للسماءْ ..
يهادنُها الجمرُ يختزلُ الظلَّ فيها
ويبكي الأديمُ على أن تحثَّ شراراتِه
يتوترُ صبرُ الزمانِ
ويسحقُ أبخرةَ الصمتِ صوتُ الدماءْ ..
على ذروة في مواقدِ شعرٍ
تقودُ القوافي إليهِا
بمنذورةٍ من بيانْ
وكلُّ القصائد خرساء بكماء وهي اللسان .
فخذ خطوة وانتبذ جهة اللامكانْ .
شهيداً إذا ما ترقرق من وجعٍ للقصيدةِ
فعلُ الجنون على شهقة الحزن
والتّيهُ لا يتعدّى
ولكنَّ مفعولَه غيمةٌ من ضياءْ.
بحالةِ عشقٍ
يواربُ فيها الصباحين
صبحَ الشهادة حين تفضُّ ملامحها للإباء
وصبحاً تخلّق من كبرياءْ.
شهيدٌ على برزخٍ من جُمانٍ يسوّي لمنسأةِ المجدِ شارةَ عزٍّ
ويصبغ بالعندمِ المشرئب خدودَ الزّمانِ
و يخرجُ كفَّيه بيضاءَ للناظرين
ويهتف :”هيهات هيهات
لا يخفض العزُّ أجنحةً للحمائم لو ضاع منها الهديل
ولو نال منها جنون الأخاديد
لا تنتهي نحو سوقِ النخاسة حيثُ السلام الذليل.
وذاكرة الصخر تقصص رؤيا الجراح وتفضي إلى أنّ ذِكْرَ الشهيدِ على السرمديّة فوق المدارات كالبوصلة
وإن دبّ فيها النّواح لتلطمَ أفياؤها معولة.
فدوما لها نهضة تتفتّق منها الجهاتُ و يكتبها الممكن المستحيل.
ومنها الأساطير لا تتهيَّأ للقحط ، ظاهرة الضوء أشمل من منطق كالسراب ، وأغزر من شوكة في الهباء .
فدعني بنصف المسافة ، مابين غمزة وصلٍ ، وبعثرةٍ ترسم اللانهاية ، دعني بلثغة نبضي أشكّل حزنا جميلا يكون بمقياس عشقي ويلهمني معطيات الكلام.
وينشرُني كالمواويل تأتأة تتنفس من رئة العزِّ
دفء الكنايات ،
زهرَ البيان و مسك الختامْ.
ويأخذ من ألقِ المجدِ ما يتشهَّب
يصعد مثل الفسائل حين يجرّدها النخل من جاذبيتها في الهواء.
رويدك !
أنشودةٌ لا تجوبُ قلاعَ الشهيدِ
تظلُّ على قارعاتِ الفراغِ كأرصفةٍ للعراءْ .
فكيف أكوثرُ تفعيلة الجرحِ
والشعرأعمى؟
وللشعر تهويمة من ضياعْ
لماذا الشهيدُ ؟
لماذا السماءْ ؟
لماذا المجرّاتُ عند النوايا
تصبُّ حكاياتها كاللُّجين
وترفع سقفَ الوجودِ امتدادا ليتّسع الكون
لم يبقَ متّسعٌ للعلوِّ
فينجذب الشكّ نحو اليقين
قليلا قليلا
فيجهش منا بكاءُ البكاءْ.
ويغتسلُ الحرفُ
والأبجديّة تمرقُ من بين بُعدَيه بعض سؤال:
أليْسَ الشهادةُ بحراً تخضّل بالنار
يقضي بأن يتنفسَ منها النّماءُ ويغفو على شاطئيها البقاءْ؟
وقد لوّح الملحُ للجزر السابحات
لترفدَ عاصمةَ الفخر بالفاتحينْ؟
أليْسَ الشهادةُ مثل الولادةِ عند التوحّد بالنور والانبلاج ؟
وأي ارتطامٍ يشدُّ الصواعق للارتجاج ؟
وهل أنّ صوتَ الشهيد يضمّخ مقصلة الظلمِ بالعطر والأقحوان
وينبتُ من شتلة الزعفران.
ويرسم فينا بقاء البقاءْ؟
علي الجلاوي
– من مواليد المنامة، عام 1975. حاليا يقيم في ألمانيا. صدر له:” وجهان لامرأة واحدة”،1999؛”العصيان رسالة المنذر”، 2000؛ “المدينة الأخيرة”، 2001؛” دلمونيات ( الجزء الأول)”، 2002؛ “دلمونيات ( الجزء الثاني) “، 2003؛” تشتعل كرزة نهد”، 2008؛” الله بعد العاشرة(رواية)”، 2011.
شهادة البنفسج على نفسه
أقلعتُ عن حزني
ولا أدري لماذا كلمّا أقلعتُ
صرتُ معرَّضاً للحزنِ أكثر؟.
صرتُ أجلسُ في المدى
وأعدُّ غيمَ الحقلِ
أو أمضي فأصطادُ البحيرةَ
ثم أطلقها.
فيا اللهُ كمْ صارتْ قناديلي… ؟
دنا مني وأطلقَ من يدي جسدي
وقال:
بُنَيّ..
فانفجرتْ بهِ سِنةٌ ونامْ.
الياسمينةُ فوقَ سورِ البيتِ
تعبرُ نحو جارتنا
تجسُّ حنينها
وتحطُّ فوقَ عريشةِ الأجساد.
جارتنا
– أطلُّ إليكِ مثلَّ الياسمينةِ –
تغسلُ العشّاقَ
تنشرهمْ على كتفِ الكلامِ.
وتنحني
يرتاحُ صدرُ الثوبِ
يا اللهُ كم جننتني ؟ !
التفّاح مكتنزٌ
فما ذنبي أنا التفّاحُ مكتنزٌ
وعادَ الباعةُ المتجولونَ من الرواتبِ
عادَ حقلٌ ضائعٌ للبيتِ.
جارتنا
ترتبُّ نهدها
وتعيدُ وضعَ النهرِ في قمصانها.
أقلعتُ
قال طبيبيَ اللغويّ
أنتَ معرَّضٌ للشعرِ وللمعنى
ستدخلكَ القصيدةُ.
…
ـ طافتْ امرأةٌ مهيأةٌ ـ
فقلتُ لصاحبي:
دخلتْ تغيِّرُ في القصيدةِ ثوبها
فخجلتُ عن نفسي.
وجارتنا
تحطُّ بشعرها قمراً
وتمضي وحدها في البئرِ
ترفعُ نجمةً سقطتْ عن الليلِ / انتبهتُ
رأيتُ تفّاحاً تساقطَ.
كنتُ أكبرُ في ثيابي دونَ قصدٍ واضحٍ
كبروا
وكان السورُ يكبرُ بينهمْ.
نضجتْ على اسمي بعض أسماءٍ
وكنتُ إذا دخلتُ على القصيدةِ يدخلُ الفقراءُ
تدخلُ جارةُ التفّاحِ
تسألُ جارةٌ عن جارها:
يمضي من الإيمانِ للمقهى
ومن صفةٍ إلى صفةٍ
ويسهو حين يرجعُ أنَّهمْ قتلوهُ
يسهو / أن يواصلَ دورهُ.
تستيقظُ الفتياتُ من أحلامهنَ
وتُسقطُ الصغرى على حجرِ البلاغةِ
عشقها السريّ
ينكسرُ الكلامُ
وتسقطُ اللغةُ الجريحةُ في إناء الماءِ.
أخرى تستعدُّ على بديهتها
وتدخلُ دورةً في الحبِّ.
يسهو وحدهُ
ينسلُّ خيطُ حديثهِ في الدربِ
تعلقُ غيمةٌ.
يضيءُ جيبَ قميصهِ ثقبُ الرصاصةِ
ينتحي في الشكِ
هل كنتُ البديلَ ؟
فأينَ خبَّأتِ الرصاصةُ موتَها !.
يسهو القتيلُ كقاتلٍ
ويواصلانِ الموتَ
قال القاتلُ للضحية:
انهضْ
كي نسيرْ.
أقلعتُ عن موتي
ولا أدري لماذا كلما أقلعتُ
صرتَ تموتُ عنِّي
جارتي شهدتْ
فكيفَ قتلتَ غيري كي تواصل موتهُ عنَّا ؟
تقولُ أمامَ محكمةِ الطوارئ
جارةٌ:
كانوا إذا قُتِلوا لأولِ مرةٍ
يتبادلونَ خريطةَ الطيرانِ
كان الطابقُ الأرضي ..
تسهو
ثم تدخلُ صمتها.
رسالة لامرأة تحت الصدر
هي امرأةٌ تتواضعُ لبهاءِ غيابهِ
في المتراكمِ منهُ تتّسعُ
وترشفُ أعضاءهُ المرتعشة.
تمسكُ فناجينه على مرمى جسدها
فتولمُ لهُ الخادرَ
الفاترَ الرجراجَ
فينزفُ.. وتتنامى.
يتجاسر
يتوحّشُ
يُنبتها.. فتحبلُ
يستشري.. فتذعنُ ولا تأخذه الردة.
هي النبية التمشي في مواجعه مشي “الضلّيل” في دوارق الثغرِ
حقل الرّمانِ
بحيرة اللهِ
نهرِ المعصيةِ.
هي النبيةُ.. ونخرجُ.
قالت :
انهض عليَّ”.. أدلق وحدتك فيَّ.. سأنهض منك بكل سلالتي.
دقت مساميرها بمعطفي
انتبهتْ لمراهقتي جيداً فنضجتُ
وبكيتُ
ارتبكتُ بين تفاح الشمال
ورمان “الكورد”.
لا تضعي أصابعكِ في نوافذي
لا تغلقي فوق لساني القيامة
إني تحسستُ هذا الرب.. فخرجَ.
أيُّ أميرةٍ كرديةٍ ترثُ مباخرَ الفتنةِ عن أنوثةٍ فتبصرُ ما لا نلمسُ فتوقظُ اللهَ
تتماسكُ
تنتبهُ
تتفقدُ
تتأوهُ
تتلامسُ
تنتصبُ
تتداخلُ
تستشري
فتخدرُ
وتفترُ
تتلملمُ
تنبعثُ
تستكملُ
تتفاقم
تستعرُ
تزدحمُ
تتجاوزُ
تتجاسدُ
تتكسرُ.. وتمضي.
فأيُ أميرةٍ هذهِ الترثنا… وتخرجُ.
مهدي سلمان
– من مواليد البحرين عام1975. شاعر ومسرحي (كاتب وممثل ومخرج مسرحي). عمل محررا في الملحق الثقافي لصحيفة الأيام البحرينية. عمل محررا في دار مسعى للنشر والتوزيع. له مدونة على صفحة الإنترنت بعنوان: https://mahdisalman.blogspot.com/ صدر له: ” ها هنا جمرةٌ، وطنٌ، أرخبيل”، 2007؛ “السكك، البصارة”،2008؛ “السماء تنظف منديلها البرتقالي”، 2010؛ “أخطاء بسيطة”، 2012؛ “غفوت بطمأنينة المهزوم”،2014؛ “وهذا أيضاً ليس شعراً”2014؛ “لن أقول شيئاً هذه المرة”، 2015؛”آدم المنسي”،2017؛ ” موت نائم، قصيدة مستيقط”،2017، “لاشيء يحدث ولا حتى في القصيدة”، 2019.
آدم المنسي
أنا آدمُ المَنسي
أوّل مَنْ رأى.. فأفاقَ
شاهدَ كل شيءٍ ينتهي في كل شيء
كيفَ أُخفي السِّرَّ؟ أنجو منه؟
ركَّبتُ الحقيقة من صدى الأوهام
قلتُ أعيشُها وحدي
ولكنْ، لم أكنْ وحدي
لقد أَورثْتُ وَهْمي.. للجميع.
آدم العاري
| ورأيتُ نفسي، |
| للمرة الأولى، رأيتُ ولمتُ نفسي. |
| كيف لم أر كل هذا قبل؟ |
| لم أدرك بأن الجهل كان خطيئتي. |
| أنا آدم العاري، أنا الجسدُ الخطيئة، |
| تفاحتي نهد الحياةِ، وسوءتي عيناي |
| أنزلُ راضياً للأرضِ، أفركُ جبهتي بالطين، |
| أصرخُ إنه جسدي، سيوجعني إذا آذيته، |
| سألمه في حضنِ أنثى، سوف أركض عارياً نحو |
| السرابِ، |
| أنا الحقيقة فيك يا جسدي، |
| سأنسى كلَّ ما عُلّمتُ من أسماء، |
| أنتَ بدايتي، ونهايتي. |
| أنا آدم العاري من المعنى |
| سأصنع فيك معنانا معاً، |
| فاصبر عليّ، لكي أراك. |
| *** |
| حُمّ آدم للمرة الأولى بعد هبوطه على الأرض بأسابيع، انتابه ضوء في روحه ربما الحنين، ارتعش جسده الطيني ورشح ماؤه، التهبت النار فيما بين شفتيه، كل نفس بجمرة، رأى فيما لا الحلم ولا العين أفعى من دخانٍ قرمزي، تنزلق على صدره وتصعد فيه، رأى أشجاراً من رماد تشتعل. |
| تمتم بالأسماء، وهو يغالب بخاره الذي يتصاعد من جبينه، تأوه آهة الخسران، وأغمض عينيه، قال وهو المغمى عليه المكشوف عنه: |
| ما هذا يا ربي؟ ما الذي أنا فيه؟ |
| لم يقو على فتح عينيه، وبين التهاب روحه وبرودة ما سواها، حاول احتضان جمرة جسده ليدفئ العالم، غمغم ثانية منادياً إلهه، لكنه تبول في مكانه، ارتعشت شفتاه، ولم يغالب نشيجاً اعتراه، بكى، وهو يهذي، ويقضم تفاحةً لم تكن بين أسنانه التي تصطك من البرد. |
وصرخت
وصرخت حين رأيت نفسي في المنام
لكن صوتي وهو يخرج من فمي ما كان صوتاً
كان أفعى
وخشيت منها
كيف أكتم صرختي؟
أأعيدها لفمي؟
أأطلقها على نومي؟
أأصرخُ مرةً أخرى لتخرج صرخةٌ أفعى سواها؟
آه .. يا جحر الأفاعي يا فمي
ماذا سأفعل كي أطمّك
والكلام هو الكلام.
أنا القبيلةُ
رأيتُ صحراءً، فصحتُ: أنا القبيلة
لم يكنْ أحدٌ سواي يصيحُ من خلفي
ولم تُحنَ الرقابُ لخطوتي، لكنني قرّرتُ أن ألدَ القبيلةَ
ألدَ الجماهيرَ، العبيدَ، التابعين، المؤمنين، الصحبَ والأنصار، والشعبَ، الرفاقَ، المعجبينَ، الثائرينَ، الخاضعينَ، المستغيثين، الرّعاعَ، المستريحينَ، الملايين العزيزةَ، والذليلةَ.
نادية الملّاح
– مواليد البحرين1975. حاصلة على بكالوريوس اللغة العربية، كما زاولت مهنة التدريس منذ 2002. أصدرت مجموعة شعرية بعنوان: “مرثية راقصة لملاك لم يُخلق بعد”، 2014.
قارئة الفنجان
نظرتُ إليها فعادت ملامحها إلى ما كانت، وأنا غصتُ في عمق الفنجان، هذه الـمرة الذات الـمجنونة بحبّ الاستكشاف، بالـمغامرة، بتقمص كلّ الأدوار، حتى دور الـموتى. سينقلب الدور الآن، وأنتِ يا قارئة الفنجان ابقي صامتة لحظة.
البُنُّ سوادٌ مرّ
وأنا عاهدْتُكِ أن أقرأَ عينيكِ بعيـنِ الفنجانِ
فعيناكِ سوادٌ أبلهْ
بلّلهُ رملُ الفتْنةْ…
هسسسسسسْ
هل أبدأُ تأويلكْ؟
أم أنتظرُ الساعة عمّا تنبئُ؟
يكفي عبثاً بالأَضداد أيا أنتِ!
يكفي إحراقكِ للأنفاسِ وللحبْرْ
يكفي إهراقكِ للضوء على عتبات البلورِ … ألا يكفي؟!
وهنا
فنجانٌ آخرْ
قعرُهُ يكسوه البُنّ الأسمرْ
كتلبّدِ غيماتٍ كلْمى
كحشودٍ من ألوانٍ ثكلى
مسدودٌ هذا الدرْبْ …
وطريقكِ صعبٌ صَعْبْ
وتغاضيتُ عن اللغو وعمّا قيْلْ
وأشحتُ بدمعٍ فاض عن الـمنديلْ
ورميتُ الفنجانَ بعيدًا
ومضيتُ …
جالسةٌ عيناها ملْء الوجْهْ
تفغرُ فاها مبهورةْ
وتراودُ حبّات البنّ لتمنحها لونَ القهوةَ
في عمق الفنجانْ
ذبُلَتْ عيناها… قالت:
يا امرأةً من عمق الصورةْ
من أيّ زمانٍ أنتِ؟
أقسِمُ أنّكِ مسحورةْ
بل ساحرةٌ من آخر حدٍّ للشمسِ تجيءْ
تنسج من رمش العينينِ حكايةْ
تسقي الأرواح وتبقى عطشى
لا تسألُهُم أيَّ سِقايةْ…
أنثى إن عشقتْ وهبَتْ دنيا
لكنْ لو حاق بها غضبٌ صارت أناتٍ مسعورةْ
قادرةٌ أن تبني عالَمها
قادرةٌ أن ترسمَ حلمًا خلف إطارِ الصورةْ
ورمَتْ فنجاني أرضًا
غادرت الغرفةَ مذعورةْ …!
(ملاحظة: هذا النص جزء من قصيدة طويلة)
حسين فخر
– ولد في البحرين-بلدة الديه عام 1977. صدرله:”الساعة الواحدة إلا وطناً”،2003؛”الصلبان.. ذاكرة المعنى.. كنايات الجسد”،2007؛”الياسمينة”، 2008.
ذاكرة الحُسين ابن علي البحراني
يا هذا الضالعُ في ذاكرةِ الخيلِ العربيةِ
من دائرة النارْ
يا هذا الهاربُ من أدواتِ الشّرْطِ
إلى صيغةِ فعلٍ مبنيّ
يا هذا المتمرّدُ ..
مثلَ الحاءِ
النافرُ .. مثل الحاءِ
الجامحُ ..
مثلَ جُنونِ الحاءْ
يا هذا الطالعُ من أجزاء القرآنِ
ومقتلِ عبد الرزاقْ
(عمَ) ..
تجيش روايات الإدغامِ / التجويدِ / الوقفِ / الإقلابِ ..
تحمحمُ ..
يا هذا الجالس في حلقاتِ الفقهِ
المصغي المتأملُ ..
في أحكامِ الماءِ
– إذا كان مضافًا –
أو حُكْمِ العابرِ أرضًا مغصوبةْ
يا هذا الفاتحُ عينيهِ على النسوةِ
يدخُلْنَ المأتمَ ..
منفطراتِ الدمعِ يوزّعنَ (المشمومْ)
يا هذا التكوينيُّ الأولُ
والسِفرُ الأولُ
والسهمُ الأعمى
الذبحُ رديفُ المعنى
قُمْ ..
واقرأ شفراتِ كتابِ المصلوبينَ لنا
ترجمْ ..
نحن المنتظرينَ مقاصلَهمْ
يترصدُنا القتلُ
ونعلم أنّا يترصدنا القتلُ
يترصدنا القتــ | … نُغنّي
ثمّ نغنّي
ثمّ نغنّي
ثمّ نموتُ لنحيا ..
ثمّ نكون
.. ثمّ نغنّي.
كنايات الجسد
· واحدةً
واحدةْ
أقطّعكُنَّ بفأسِ البداوةِ
من ثمَّ ألقي بكُنَّ ..
على الطُرُقِ الهامدةْ
تمرّدنَ ..
واشتعلَ الفأسُ نخلا
· خارجًا
من مجازِ التوجّعِ أو
داخلًا في يقينِ اللهيبْ
قال لي:
مَنْ يمارسُ طقسَ النبيينَ
يلتذُ فوق الصليبْ
وكيفَ سأدري
بأني تحوّلتُ،
أني قُتلتُ،
ومتُّ،
ربما ..
كان شاهدُ قبريَ
شاهدَ زورْ
قال يُحاوره
على بُعْدِ جاريتينِ من الماء
داهمَهُ الحِبرُ
ها ظلُّهُ
يتجزّأُ في الماءِ
(إنَّ البحارَ شواغرُها الأبجديّةْ)
أخرَجَ دفتَرَهُ
كيف تكتبُ من غيرِ نصلِكَ ؟
من غير أحمرِ حبرِ محابرِكَ الحجريّةْ ؟
كيفَ لم تستطعْ
فهمَ يوميّتي الشفويّةْ ؟
وكانتْ تُشيرُ إلى رأسِهِ البندقيةُ
قلتُ:
تَوَخَّ
تكوّنْ
تأمكنْ
تبركنْ
وكنْ
عكسَ ما تتوقعُهُ البندقيّةْ.
استدرتُ
فدارتْ بنا الأرضُ
دارَ بنا الحِبرُ
طاشَ الشراعُ
التفتُّ
تلفّتُّ
لم أرَ غيرَ أوراقِ دفترِهِ
وبقايا أصابعِهِ الأجنبيّةْ
تقدّمتُ
أحسستُ حينَ تحسّستُ
” ها جسدٌ شَفَّ ”
كفّنَكَ البحرُ؟
كفّنَنِي
ثمَّ عادَ بباقي مفاتِنِهِ الغجريّةْ.
محمد علي الصياد
مواليد البحرين عام1978. صدر له: “الأصدقاء”، 2018. –
إنّا كلّ ذلك النّخيل
إنّا جرحٌ كلَّما ضمدته
ازدادَ شموخًا وازدهارًا
عاطفًا شِعرَ النخيلِ
فحانَ لساعةِ الصفرِ أنْ تبدأ
صلاةَ القمرْ.
إنّا امرأةٌ تشرقُ من رئةِ النخيلِ
الباسقةِ عن جُبةِ الأرضِ
وصيفها الأخيرِ
فهيّا اصرفي لغةَ الصفرِ
واهجري نوارسكِ الفاتنةْ.
إنّا كتابٌ يثقفُ دمه
ويخطّ تاريخًا غابَ عن ذاكرةِ الخالقِ
في نشوةِ الفضاءاتِ
الفارغةِ من شرفةِ الكونِ
وأخطاءِ النخيل.
إنّا صمتٌ يلفُّ الغابة
وشهوةٌ مؤجلةٌ
للعشبِ النائمِ بشواطئِ النخيلِ
مرقدِ النصِ وحلمِ قارورةِ الكتاب
يغتاله السكونْ.
إنّا وطنٌ يخصف فراغَه الكونيَّ
وقميصَه الذي تندرَ
في غبارِ الزمنِ الهشيمِ
الطرير من دمِ النخيلِ
واللغةِ المستحيلةْ.
إنّا نخلةٌ تشحذُ ذاكرةً لنخلها
القميصُ مملكةُ الرؤى
الساكنةُ في دورقِ الكلمةِ
ربما شيئًا فشيئًا
فاقرئيني أيتُها النخيلْ.
خامس الأقاليم: النبوءة
هذه البداياتُ الذكيةُ
تمدُ ظلالها على الأشياءِ
والشمسُ فراشةٌ على الشفتينِ
تثقفُ المناخ بشهوةِ النصِ
وشحذ القصيدةِ،
أجلْ
بقيتْ أمسيتُنا مشتعلةً
بزجاجِ الصمتِ
وكأسٌ خجولٌ
يناغي الهواءَ
على العشبِ العاري
وأنا أناجي القريةَ
وأمسحُ أنوثتكِ
مع رطوبةِ الحديقةِ
بعينين حزينتينِ
تركتكِ تتطرقينَ
لمدح ماءِ الكتبِ
والنخلةِ الواحدةِ
المدخرةِ إلينا
من سلالاتِ النبوءةِ.
وضحى المسجّن
– من مواليد البحرين، بلدة بوري، عام 1979. تخرجت من جامعة البحرين، ليسانس لغة عربية وتربية. صدر لها: “أشير فيغرق”، 2005؛ “كف الجنة”، 2008؛ “بيكيا عشاق”، 2010؛ “السير وحيدة برفقة أغنية وكلب”، 2013.
بيكيا عشاق
1
لوكنتُ طائرةً ورقيةً
هل تتلقفني
وأنا أسقط؟!
2
أمعنُ في مصافحةِ الأشباح المحتشدة على يباس قلبي
كما إبرة في قش
وحدي
المتأكدة من
وجودي !
3
حتى الله أنتهز غيابك
أغفو
فيوقظني لهاثُ الريحِ !
4
أُلطّخُ روحي بإيقاعِ صوتكَ.
5
هل يعلم أحد ؟
إنكَ حين تأتيني
تتنهدّ بأسى
و تتوزع في فضاء الكون!
6
خارج
المكان
كفلينةٍ في شجرة أعياد
مزهوة…ولا أحد يلتفت
كلٌ مشغول بهديته.
7
أشياؤنا المشبوهة..
أطفأتْ عُتمةَ ضحكاتنا
تسلّقت الفـرحَ الذي
ظلَّ يُرّبيهِ اللـيـلُ فينا.
8
لا تستنكر دموعي اللينة
وضحكاتي الرعناء
…
لم يعلمني أحدٌ
طريقةً للضحك أو البكاء.
…
في غيابك تعرّف إليَّ مهرج كبير
يسمونه الحُبّ.
9
نهداي
فراشتان..
خرجتا من قفص القلب.
10
نهداي طائرتان ورقيتان
تهتزان في سماء صافية
وأنت طفل عاقبه أبواه
بحبسه في سجن الجسد.
ألعاب ساحر
بدا لي أنك ساحرٌ بارع.
كنت تُحول المنديل إلى حمامة
قطرات الندى إلى أطفال
أدهشتني الأرانب التي تخرج من قبعتك
..
هذا ما جعلني
أجلس في الصندوق
وأسمح لك
أن تشطرني إلى نصفين.
سوسن دهنيم
– من مواليد البحرين- المنامة، عام 1980. صدر لها:” غائب ولكن”، 1999؛ ” قبلة في مهب النسيان”، 2001؛ ” وكان عرشه على الماء”، 2007؛ “لمس”،2013.
ماء الاحتواء
رحلت وكانت فيما مضى تقول:
تعب مائي لكثرةِ الهروبِ
اشتعلت الدروبُ
وأنبياءُ الفجيعةِ يتقاسمون العصمةَ
يغترفون أشلاءَهم أضحيةً مصطفاة
يعترفون بليلةِ ظفرٍ تناقلوا عند بابها فتيات
يتربصون بظهورِهن
تحاك عند أقدامِهن مراثي الطهرِ
ويلبسُ الأنبياءُ ثوبَ الغرباء
يتعرون من الحكمة
وتلك الفتياتُ يقتحمن أسوار الربِّ
تخذلهن أجسادُهن
يعبرن النارَ بأرجلٍ مشقوقةٍ
وشعور محترقة
ومن أختلى بأخراهن أغرقت نبوّته فتنة فينوس
يزجونك في أورادِهم
تأخذك عفةُ الماء
تبهرك الفتياتُ بزينتِهن
تتجلى عند أنفاسِك أقمصةٌ اعتلتها الأغبرةُ
ومراودةُ الموج
يغريك احمرارٌ شبَّ في محاجرهِن
وذنبٌ لم تقترفه تفاحةٌ هزمتها رغبةُ السقوط
لأي السواقي خانك الماءُ
أشعل بذاكرتِك الجفاف
وحلمك بالفتياتِ يرهق أهدابَك
يقودك إلى التهلكة ؟
سيرة العرش
1
قالت:
هذه لغتي، ولكم أعنونُ المساءاتِ بماءٍ يرتشف
ما علق في الرحمِ من شجن.
لكم الصفحُ والوعد
نارٌ تنهش العين والقلم
وروحٌ وريحان
ولي غصة الشك.
2
أحببنا الليلَ فيه نتوهج كلما لمعت نجمةٌ تشي برجفةِ العشق
تعجن خلايانا بماءِ اللقاء
لعل آخرَ الحكايةِ
مسٌ من مجون.
3
هي الريحُ، تذرو خطانا كلما حان لقاء
هي الروحُ تلملم الخطى
لتعدو مع الغارقين
4
ما لنا كلما أغرقتنا السنين بأيامِها
تناوبنا على موائدِ الألمِ
ومضينا في الشيخوخة
مدهوسين بثقلِ الخطايا ؟!
5
بلادي أُثخنت بالنجومِ
أوهاها الضياءُ
لبستها موجةُ الزهوِ
ما عاد لنا ليلٌ
ولا نهار.
6
كلما حان موعدُ غربة
اجترّت أحبارُنا المنافي
هو الوطنُ لا مكان له بيننا
وآخرُ ما ترتكبه الأقلام!
7
هل لنا من صلحٍ
بين المنفى والوطن ؟!
8
لم يحظَ قابيلُ بلحظةِ حب
اقترف العتمةَ
واقترفته شعلةُ القصاص
فأحرق الجنة.
9
وشى الوجدُ بالمشرعين أجسادهم للفضاء
سأل الله وردةَ اللقيا
وللمدى أثث القلبَ وحلم بصيفٍ
يولج النبضَ في محرابٍ كالذي لمريم
ليلد نبياً توشك السحبُ أن تشركَ بأمطاره.
10
لتلك المرأة مرايا كالتي لبلقيس
كلما اشتعلت حذراً
أشعلها سليمان عطراً.
11
فلتُفَض ذاكرةُ الأفقِ
ولتزدهِ براعمُ الأجساد
فللخطيئةِ أسبقيةُ الخلود
12
نهضت المسافةُ عاريةً من جنونِها
خطفت البوحَ..
واستمتعت بأميالِها كلما داعبتها الشهوةُ..
أتعي المسافةُ أن للشوقِ صواريَ لا تهدأ
كما للموجِ عيونٌ
تستغيث من العمى.
13
للريحِ شبقُ البوحِ
حين تينع الأسرار
وللرجال شبقُ الدمعِ
حين تحتار السرائر..
14
فلتشتعلُ السماءُ
وتشحذ الورودُ احمرارَها
ففي النارِ رائحةُ الفردوس.
15
بكت:
هذه وجهتي،
وأسرابي لكم تندلقُ
كنا ثلاثةً لا نملك إلا وطناً
يسكن شجرَ اللوزِ
وظلاً يمنحُنا الخُطوات
كمن يحشر الوردَ في قميصٍ مطرزٍ بالعناق
نسألكم وقتاً وورقاً يكسر الصمتَ
يعيدُ الظل
ولا شيء يخربش في الدمِ
إلا بضعُ ذاكرة.
منى الصفار
– مواليد البحرين عام1980.تخرجت من جامعة البحرين في قسم اللغة الإنجليزية. شاعرة ومترجمة. صدر لها: “غائب ولكن – عندما كنت صامتًا، مشترك مع الشاعرة سوسن دهنيم، 1998″، “على قدمين عاريتين، 2013” و “أحبّك والمرآة بيننا، 2014”.
على قدمين عاريتين
في الفقدِ
نشعر بمتلازمة الأعضاء المبتورة
لملمت أطراف جسدي
شربت قليلًا من همٍّ
ورفعت شعري
رقصتُ خاويةً إلا من عينيك
نولد بوجوهٍ فائضةٍ
محجورة بالنّورِ
تفك أزرارَ قناديلها
وتورقُ
ويترجل من صدري هذا القلب
عمى
يخرج الليل
منا ..
نمنح للقدر أصابع
ونحن المرآة
حدثتك عن الغريب
يمسك في كفيه حفنة من نجوم
أخبرتك عن قدرٍ، يركله الله أمامنا
عن حزني
أشربه كل صباح
مباشرة من الصنبور
وعيي المبكر بالدمع
عن قلبي المنسي
في غرفة بيضاء
عن جثة أتعثر بها
تشبه وطنًا
لربما أخبرتك عن صدري
المفتوح دائمًا لطعنة
عن عينين مثبتتين
جيدًا بالعمى.
حفرة
لأخبرك بالحديث الذي لا تنتظر
وأنت تظن بأنني وقعت في حبك
كل الأمر أنني كنت أريد جثة
أنهش بها فراغي الآدمي
وجئت أنت في الطريق
متأخرًا عن موعدٍ ما
الأمر هو أنك نفذت بأعجوبة
من حكايا حب باردة
لها أربع سيقان
ومقعد بارد تتكئ عليه ببلادة
الحديث الذي لا تراه
غيمات الدخان فوق رأسينا
المشاعر التي قطعناها بالسكين
في الصحن الصغير
وحاولت جاهدة أن أطعمك إياها
بشوكة من المعدن.
أبتسمُ أحيانًا لتتأكد بأنني الضحية
وبأن في جيبي قلبًا ينام برفق
وفي صدري أطفال يتأرجحون
أحمد رضي
– من مواليد البحرين-بلدة المعامير، عام 1981.يعمل في وزارة التربية والتعليم البحرينية قسم الإرشاد الاجتماعي. صدر له: “طعم شفاهك”، 2006؛”تراتيل الخلاص”، 2008؛ “نابذًا إلياذة الشطرنج”، 2010؛”مدائن ما بعد الكارثة”، 2016؛”معاميرندو”، 2018؛”رباعيات الذئب”، 2018.
سعال
أحدٌ ما يسعل في الحجرة
ولأنني وحدي،
أخمنُّ ، ربما نباحُ كلب في البعيد.
أو ربما نعِستُ قليلاً، فتهيأ لي أن قرقعة الثلاجة القديمة
سعالُ إنسانٍ وحيد. أو..
لمَ لا تكون الريح خلف النافذة؟ لكنّ..
هنالك صوتُ سُعالٍ في الحجرة،
مخنوقاً، لا أقبضُ عليه إلا كذكرى،
أعني، لا أنتبه إليه إلّا حين يمضي.
وعندما أصيخ السمع جيداً..
أختلقُ سعالاً من ذهني، فأقول:
هوذا ، لابدَّ للعقل من تسلية وإلّا…
لكنّ سعالاً في الحجرة….
أفكّر في فتح الخزانة
فأخجل من هذهِ الفكرة الطفولية
أو ربما.. خفتُ قليلاً.. لأنّ المسألة
يمكن أن تصبح جديّة حينها.
لكنّ سعالاً، مازال في مكان ما.. في الحجرة.
“خرابة“
كوشمٍ في يد الأرض
يقفُ البيتُ المتهالك،
بين البحر والصحراء
يفتحُ سقفهُ للسماء.
ومّما كانَ باباً..
تدخلُ الرياحُ،
وتخرجُ مما كان نافذة
فيما قلبي..
يرتعش مثل كيس نايلون..
عالقٍ في حشائش القرم.
ليس لي في البيت ذكرى،
لكنَّ الرطوبة في الجدار
تثيرُ بروحي
حنيناً لما تخيلتهُ ذاتي
في زمنٍ سابق..
هنا والآن..
كل شيءٍ صامتٌ
رغم الصدوع،
ولهذا.. أنظرُ مما كان سقفاً للسماء
وقد مسّني الخشوع.
“علاقة“
حبٌ بلا وعود
سوى اللحظةِ المشرقة
في الجسدينِ الشقيّين.
حبٌّ بلا أسئلة..
كدردشة مدخنين خارج المكتب
عن طقس اليوم.
حبٌ بلا حبٍّ
كالمشي على آلةِ المشي،
التعرّق وفقد الوزن
للحبٍّ القادم.
حبٌّ ظريفٌ
كإعلانٍ تلفزيوني قصير
عن مُنتجٍ قادم..
أكثر تطورًّا مني.
حسين عبد علي
– مواليد البحرين عام 1981. ممثل ومخرج مسرحي وسينمائي وروائي. صدرت له رواية “متاهة زهرة، 2015”.
باركنسون
“لا
ليس الـ (باركنسون)”
قلتُ للطبيب وهو يفحص ارتعاشات
سبابتي اليمنى ..
هي عادةٌ لازمتني يوم علّمنا مدرسُ اللغة العربية حروف الهجاء ..
كلّما طلب منّا أن نردّد خلفه حرفًا
كتبته بسبابتي في الهواء ..
ويوم وقفتُ أمام أبي
كاتفًا يدي وراء ظهري / متلعثمًا / مترددًا ..
لم أنسَ أن أضع الضمةَ فوق الدال،
وأنا أمررُ سبابتي ثلاثًا فوق حروفِ جملةٍ
كتبتها في الهواء:
(أريدُ درّاجةً هوائيةً يا أبي) ..
ويوم مسحت عرق جبيني بالسبابة ذاتها
انمسحت الجملة أيضًا.
“ماذا تريد؟!” قال أبي.
وقفتُ متصلبًا إلّا من رجفة سبابتي
وهي تبحث عن الكلام الممسوح ..
لا شيء وجده أصبعي ..
“لا شيء” قلت لأبي ..
هكذا
صارت الريح وحدها
من تعرفُ أنّي شاعرٌ جيد
وحدها من تقرأ قصائدي
اليوم،
لا تتوقف سبابتي عن الارتعاش
تلك التي تأتي برفقة وجه عاجز عن التعبير
بكلامٍ رخو مرجوج بتأتأة صريحة
بانحناءة الظهر
وانعدام التوازن ..
لكنه ليس (الباركنسون) ..
هو قلبي، كلّما همس: أحبّكِ
سبقتهُ سبابتي بكتابتها في الهواء ..
قطرات
1.
أحب الليل ..
عندما يشمّر عن قمرين ..
كلّما نسى متعمدًا غلق حمالاته ..
2.
جسدك كتابٌ مكتوب على طريقة “بريل” ..
وأنا أعمى
..
..
..
أعمى
3.
تحلف أنها القبلة الأخيرة ..
ثم تطعم عشرة مساكين،
أو تصوم ثلاثة أيام ..
4.
أخبرتُ المسافة عنّا،
فانحنى ظهرها ..
زينب الليث
– مواليد البحرين عام 1988. صدر لها “ضفائر الانتظار، 2007”.
من أشياء القلب العالقة
4.
لما انتظرتك ..
كان الطريق المؤدي لصبري طويلاً
وكنت أعلق في القلب وجهك ..شمسا .. و أضحك حين يوسوس لي الليل … فالليل يلف عليك .. يلف الكواكب …شالا
وإني أعد النجوم .. وأقلب كل السماوات .. صبرا.. طويلا.. جميلا …. لما انتظرت ..
كانت خيول انتظاري تمر بطيئاً ..
وكنتُ خفيفا بحلمي …
بخوفي ثقيلا ..
كنت أهرول .. أفتش عن كوة قد تمرر ما غص بالوقت ..
أو تمررني في رئتيك … قليلاً .. قليلاً .. لما انتظرت ..
كانت سنيني جنوداً ..
وكنتُ أجهزني باشتياقي.. وأسمع في القلب .. نبضي صهيلا
وكانت معارك في داخلي .. تستطيل .. و تحرق..
ثم بشيء من الذكريات .. تجيء فتطفي غليلا…وتنمي غليلا .. كنتُ أجهز كل الشجر
لأثمر حين أراك …
كنت أظنك أنت المطر …. كنتُ أظنك .. أنت دوائي
وحين انتظرتك ..
لم تنتظرني
عرفت بأني بحبك كنتُ عليلا ..
وصبري ما عاد صبرا جميلا …. حين انتظرتك كنتُ كثيراً
وكنتَ قليلاً
زينب المسجن
– من مواليد البحرين 1988. شاعرة ومصورة. صدر لها: “هياكل المطر”، 2006.
أهاجم نفسي كأفعى
ألَقي ألقُ الطين..هذا الصباح
يدربني الثلج بين مراياه
يثقبني فرحٌ غائمٌ لا يُطل على النخل
موتٌ لذيذٌ يحاصرني كالفراشة
لم أفكر طويلاً بما ينبغي أن تكون عليه المتاهات
حالفني فرحٌ كالغيوم الصغيرة-حين تخبأ أطفالها-
و دخلت..
أشرقتُ.. أشرقت..
عانقني الضوء..
لم ارتعد كالأساطير..
أرقني الماء
أرقني الماء
أحلام أمي تؤرقني
يا لضوئي
تلقيت أولهم ميتاً
مرض الوقت حاصرني
و انهمكت كما الماء في شم رائحة الطين
أخفقت.. أخفقت
أيقنتُ أن شحوبي النقي – كعصفورة الماء- أنقذني
لا تؤدي متاهات قلبي إلى البئر
قلت و أسرعت في قطع أوردة الماء:
“فلأستريح قليلاً
كموتي و أيامه
أنحني للخديعة
أتقمص قلبي بعيداً
وأمضي
وأوُرق كالرمل
أبكي كما اللبؤات الحزينات
أخدعُني
بالتلون
أهاجمُ نفسي كأفعى
وأهزمُني
و أموت..”
عالجنا الفقد
لم يترك العار لي فسحة لأخبئ وجهي
ملامح قلبي الجديدة
صورتنا نرتدي فرحاً في الممر الفضوليّ
حيث بقينا… و لم يطلق الخوف أقدامنا للمتاهات
لوثني خوفك الأبديّ من الماء
هاجمتُ نفسي كذئب وحيدٍ تخالجه بهجة الليل
“لم يدخلوني على الله
لم يدخلوني على الله”
أحلامنا الفوضوية أزعجت الصبح
أصابعنا حول أشيائنا تتناثر
براعم زهرتنا تنحني للغريبين حين نغني
ترددتَ في رسم صوت طفولتنا
لم يدفئني طينك البشري
وصرنا كأيامنا نرتدي فرحاً في الممر الفضولي..
حيث بقينا
كمرآتنا..
جاهلين بما يخفي الضوء..
عبدالله زهير
– ولد في البحرين عام 1982. شاعر وناشط ثقافي. حاصل على بكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات وليسانس اللغة العربية وآدابها. يعمل أمين مكتبة في وزارة التربية والتعليم البحرينية. يشغل منصب المقرر الإداري لأسرة الادباء والكتاب حالياً. صدر له: “قمر يتخلق من مجهول”، 2012؛”الخروج من مدائن القيامة”، 2016؛”ظلال الإله يليها رقصات تؤبجد الهواء”، 2019.
مرايا الخراب
في آخرِ الأرْضِ الخرابِ
دمٌ يُغنيِّ خِلسةً
ودمٌ يقولُ : أنا نشيدُ اللهِ
لا لغةٌ تشابهُ أعيني
وفمي هو الليمونُ أعصرهُ
فيشربهُ الجنونُ المستحيل.
في أوَّلِ الأرضِ الخراب
خرائبٌ مثل القلاع
وشاحُ سيدةٍ تنوحُ
تسيجتْ شكلاً خرافياً
يسافرُ صوبَ تاريخٍ تمزقَ
وانحنتْ ظلاًّ طويلاً لا يزول
في داخلِ الأرضِ الخرابِ
حجارةٌ في عمقِ مرآة الخرابِ
وجوهُ أطْفالٍ تنامُ على الرَّصيفِ
تنامُ تحتَ الشَّمسِ عاريةً
وترفعُها أَكُفُّ اللهِ نحوَ الصمتِ
أشلاءً فأشلاءً
فيعرى مِنْ خُطاهُ الموتُ
ثُمَّ تبتديءُ الفصول
***
شفتي المشقّقةُ النوازعِ تجتني
وجعَ المساءِ كمثلِ قمحٍ
أوْ كأنَّ الظلَّ في هذا المساءِ
خريطةٌ مشنوقةٌ
وكأنَّ أعينهُ تشقِّقُ ما تخبئُهُ النهاراتُ الفجيعةُ
………….
يا هواءَ الليلِ
سافرْ بي إلى زمنِ الخرائبِ
لي هناكَ مدائنٌ مدهوكةٌ بالموتِ
فاغزلها بضوء الحبر
لي نخلٌ
فمشِّطْ سعفهُ بيديكَ
لي وجهٌ على عمقِ الفجائعِ
لي هناكَ حدائقٌ لإلهيَّ المنفيِّ
لي قمرٌ يغارُ عليَّ مِنْ ظلي
ولي جنيةٌ عربيةٌ/ تغفو على صدري
فسافرْ
يا هواءَ الليل!
سافرْ بي ولا تسألْ لماذا.
إنني نهرُ اغتراباتٍ/
طفولاتٌ تهاجرُ/
ليس لي وطنٌ أحنُّ إليه
أشتاقُ تربتهُ الرهيفةَ
ليس لي جسدٌ لكي يُغتالَ في طيشٍ
وليسَ هناك مِنْ زمنٍ
سوى تلكَ الأناشيدِ البعيدةِ
في صدى المتعتقين
وفي خطى الآتين كالضوءِ الهُذائيِّ المدى
لا، ليسَ لي وطنٌ أحنُّ إليه
أنا ليس َ لي وطنٌ أحنُّ إليه…./
جنّة المستحيل
(كُتبت في الذكرى السبعين لنكبة فلسطين)
عبرنا الحدود القريبة
كان المدى يمدُّ ذراعيهِ
يرسم تلويحةً للوداع
عبرنا الشوارع ملتحفين الزنابق والكستناء
وكان شريطٌ يُؤرجحُ ذاكرة الأرض
فصلاً ففصلاً
مشى فاصلٌ فاضحاً ثقل هذا المساء
عبرنا حدود المجازات
كنا نُعدُّ عِتاد الحقيقة
ثم نقيس رماد حفرتنا:
يومٌ فيومان
سبعة عشر يوماً
ثلاثون يوماً
وكنا نُعدُّ عِتاد الحقيقةِ
نصغي لصوت المجازر تعزف خارطة النزفِ فوق الحقول
ونرقص ما بين هاويتيْ حنينٍ ويأسٍ
ونُحصي خُطانا:
ثلاثة أشهر
تسعة أشهر
عامٌ وعامان
ثلاثون عاماً
كنا نظن المسافة بين الخروج وبين المدينة رميةَ َنردٍ
وكنا نُعدُّ الزوادة
كنا نُعدُّ عِتاد الحقيقة
ونصقل معدن هذي المفاتيح من وحشة الذكريات
ومن صدإ الانتظار الطويل
ونُحصي تقاسيمَ هذا الوجع الأبديِّ:
خمسون عاماً
مشينا هنا فوق جمر المنايا
على لعنةِ الموتِ.
سبعون عاماً
نقيس تضاريس هاوية تتسيّج وجهاً كمثل الهديل
وصار يُكسّرنا اللامكان شظايا
عبرنا التواريخ
واستيقظتْ كلُّ حواسّ الخليقةِ وسط حناجرنا
استيقظ الغجر النائمون على دمنا
نادمونا
إلى أن تلبّسنا: وجهُهم، صوتُهم، يأسُهم ، خيطُ خُطاهم،
ورقصٌ يدرّبُ أقدامنا إلى جنّة المستحيل …
مقطوعتان لراقصة باليه
-1-
تقولُ ما لا تراهُ الحواسُّ
تلكَ الإلاهةُ الراقصةُ الغريبةُ
تقلبُ الكونَ رأسًا على عقبٍ
وتشقُّ الزمانَ الأرضيَّ إلى نصفين كتفاحةٍ خضراءَ ..
تُرقِّصُ المحيطاتِ وتمزجُها بالمدائنِ
وتعجنُ الصحراواتِ بالأدغالِ الكثيفةِ الشجرِ
هي ذي الراقصةُ
فراشةٌ بشريّةٌ مُحلقةٌ في سديمِ الألوهةِ.
تبدأُ الرقصَ فتبتدئُ خصوبةُ العالمِ
تنتهي لتدشنَ تحريرَ المسرحِ الكونيِّ مِنْ كرنفالاتِ الموتِ.
جسدٌ أملسٌ جامحٌ
تشيرُ تفاصيلُهُ بدقةٍ نحوَ حقولِ المرحِ:
ركبتاها المفرودتانِ
أصابعُ قدمَيْها السريعة الخطى/المتحركة بخفة ملاكٍ نشيطٍ
ساقاها المصقولتانِ المشدودتانِ من الجهتَيْنِ:
واحدةٌ متجهةٌ إلى الأعلى كأنها شُجيرةٌ تحتضنُ الله
والأخرى إلى الأسفلِ حيثُ الأبديّةُ ترسمُ أسرارَها الشريدةَ.
فخذاها السابحانِ في ماءِ الرغبةِ الشفّافِ
كتفاها المنشبكانِ بذراعَيْها الممشوقَيْنِ
صدرُها الناهدُ قليلاً
وآباطُها المغزولةُ بالعُري الأسيل،
جسدٌ منذورٌ لرياحِ الهباءِ
وعلى صفحاتهِ تكتبُ الطبيعةُ أسرارَها
-2-
تدير رأسَها بانْخطافٍ نحوَ كلِّ الزوايا
تنْظرُ بجسدها الرشيقِ إلى منعرجاتِ الكون
وتكشفُ فراديسَهُ الساطعةَ عند شرفاتِ الدهشة
فيما تُراقصُ الشمسَ
تُراقصُ نُدفَ الثلجِ
وأشجارَ الصنوبرِ وحلزونَ الماءِ
وتُغنِّجُ نفسَها فيما تُغنِّجُ الكائناتِ وسلالاتِها
…
جعفر العلوي
– مواليد البحرين عام 1984. صدر له “للتوضيح فقط، 2011” و “قبل أن يرتدّ باب الندم على أصابعي، 2018”
إجابة وحيدة لأسئلة مكرّرة، ولا حصر لها
ما أقوله الآن بين سَطرٍ فارغٍ وآخر،
هو ذلك الكلام الذي تُسمّينه شِعرًا،
وأُسمّيه التعب.
وبالمناسبة ..
أنا أُسمّي رائحة صدركِ شِعرًا
صوت كَعبكِ شِعرًا
حرف الراء حين يخرج متردّدًا من فمكِ، شِعرًا
“موسيقى وقمح”
التي ترسلينها لتقولي “أنا آسفة” بكبرياء
شِعرًا
بكاؤك الذي بشهقات فقط، وبلا دموع
بنطالك الأزرق،
ضحكة سخريتكِ،
حبّتا الخال المختبئتان خلف عنقكِ،
مزاجكِ،
تلعثمكِ،
هذا أسمّيه شِعرًا.
أمّا الكلام الذي سأقوله الآن، فهذا ليس شِعرًا.
هذا الذي أكتبه، فأسمع فيه بحَّة صوتي على الورق.
خذا الذي أُشذِّبه ببطء، كأنني أقضم أطراف أصابعي،
ثمّ أُمرِّر عينيَّ عليه، كأنني أقرؤه للمرّة الأولى،
هذا لا هو شِعر،
ولا هو لكِ.
ولكنني أصرُّ على كتابته الآن وأنتِ واقفة في الخارج ..
تطرقين الباب، فأفتح قلبي،
تدخلين، فيخرج هذا التعب كلّه،
تقفين أمامي، فيجلس قلقي أمامكِ على ركبَتَيهِ
تمسكين يدي ..
فتفلت منّي هذه القصيدة.
“أن نشيخَ معًا”
أقول لكِ
كمَن يضع احتمالًا وحيدًا
بأنَّ هذه التجاعيد التي تملأ وجهي الآن
مجرَّد طويات
يزيحها تقادُم الفرح
وأنّ هذا التقوُّس الشديد في الظهر
مُجرّد انحناءة بسيطة ومؤقّتة
لالتقاط الفرح
وإعادته مرّة أخرى
إلى وجهي.
توطئة
ليس شعرًا …
هذه محاولة لإقناعكِ
بطريقة مهذّبة
أنّ الذي تحطّم
لحظة سقوطي من على السرير
لم يكن ذلك الإناء
وأنّ الذي تحاولين إصلاحه الآن …
ليس قلبي.
شفّاف
مطوَّلًا تساءلت
عن مغزى وصفكِ لي دائمًا
بالإنسان الـ«شفّاف»
مؤخّرًا فقط
اكتشفتُ أن كل عشاقكِ
مرّوا من خلالي.
للتوضيح فقط
لستُ أقلَّ إجرامًا منكِ
كلانا داس قلبي
من أجل نفسه.
رنوة العمصي
– مواليد المحرّق ١٩٨٥. شاعرة وروائية بحرينية. صدر لها : “أشياء تصلح لقضية”، 2011. ورواية “الزيارة”، 2014. عملت في وزارة الثقافة البحرينية-هيئة البحرين للثقافة والآثار حالياً. وتكتب في الصحافة الثقافية، محليّا وعربيًا بشكل حرّ. ترجمت نصوص لها إلى الإنجليزية والسويدية، وإلى الهولندية حالياً.
”جيب فارغ”
تعرفين..؟
منذ أهمل والداي إشارات إصبع يدي الصغيرة، وتعلُّق عينيّ بالأشياء
منذ تجاوزا بسيقانهم الطويلة، قامة رغباتي الصغيرة
صرتُ نكاية بهما
كلما أوقفاني أمام فاترينة ملونة مضيئة
كآلهة توشك أن تهَبَ
نظرتُ نحو قدميّ
ضممت كتفيّ إلى رأسي حتى يلامسان خدّي
ثم وضعتُ يديّ في جيبي
وصمتّ
***
ونسيتُ.. مذ ذاك
كيف أطلبُ شيئًا..
كيف أريده ثم أحصل عليه..
تعلّمتُ جيدًا
كيف أرغبُ شيئًا بشدّة
ثم أشيح بوجهي عنه
أبتلع شغف روحي
أغمض عيني وأراني من دونه
وصدّقي..
لا أزال حينها.. أضع يديّ في جيبي
لأتذكر أنني فوق صمتي، قليلة الحيلة
فيدركني التعَب قبل الأمَل
وصرتُ..
كلّما أتقنتُ الخسارة، استسهلتها
أعرفُ طعمها جيدًا ..
على الأقل!
***
يحدث
أن تخذلني العادة
أن أشحذ شجاعة مستعارة من طفل لم يعثر على خوفه بعد،
عينان لا ترفّان من مذيع نشرة أخبار يعدّ قتلاه على الهواء
وصوت لا يرتجف من بائع جائل
أبقي فقط
على قلبي..
لكن شيئًا ما بداخلي يضحكُ منّي
يضحك حتى يوقظ
الصغيرة التي..
أمام الفاترينة الهائلة..
أحشُر يديّ في جيبها الصغير جدًا
وأهرب
“هكذا”
هكذا..
أصبح سريري على بعد قارّة
صدر أمي على بعد ٧ ساعات طيران
حزنُ أبي على بعد ألف ألف دمع
أصدقائي على بُعد ملايين الغرباء
وكتبي على بعد خمس لغات أو أكثر..
***
هكذا..
دفعتهم واحدًا واحدًا للسقوط
لأنجو وحدي
تركتُ الماء يغمرهم، وصرتُ أجدّف باتجاه البعيد
كلما سمعت صرخة أمي، أو طفا واحد من كتبي
أدير الرقم وأقول ألو.. النت سيء..
أنا بخيرر،، ألوو.. وأغلقه، قبل أن أبكي
***
هكذا
تركتُ الماء يغمرهم
ليصبح الماضي
حوض أسماك
يتحرك خلف الزجاج
لا يُحدث صوتًا، لا يثير ضجيجًا
يأكل فتات الدمع
ويعيش
تفاصيل صغيرة ١
لديّ عشرُ أصابع
وموعدنا بعد سبعة أيّام..
أقطع كل يوم إصبع
كي لا أخطئ في العدّ
أبقي ثلاثًا..
أزرّر بهم القميص
وأزيح بهم الشّعر عن عينيكِ
ولي فيهم مآرب أخرى.
بتول حميد
– مواليد 1985. شاعرة وقاصة بحرينية. صدر لها: ديوان “افتح أزرار صمتك” 2016،”أتسوّل الحياة بوجهٍ مكشوف” 2018. ولها نصوص قصيرة في إصدار مشترك تحت اسم “خطاطيف” 2016.
رسائل حب وحرب..
1
لم يكنْ حادثاً طارئاً
كانت فوهةُ البُركانِ تتسعُ في الصالونِ
أمُها تقذفُ الصورَ بإطاراتِها المُذَهبة
أبوها يُفرِّطُ في الساعة الجداريةِ الثمينة
صَرْخات أختِها تشقُ أُذنُيها
أخوها يرمي الأريكةَ الثقيلة
كلُهم يبكون دفعةً واحدةً ولا تخمُدُ النار!
يا إلهي كيف يحترقونَ أمام التوسلات
وهم يُسَمّونَ برحمتِك..
لم يكن حادثاً طارئاً..
هذه زوجة الجندي تأَطرُ ضِحكةً مريرةً بعد موتِه..
2
يا أحذيةَ الحربِ اللعينة
لم تكن قلوبُنا مسلحةً بما يكفي
كانت لينةً كأجسادِ الرُضّعِ
تحبو على بِلاطِ الكرة الأرضية..
3
أنا لا أميطُ الصبحَ بورقِ الجرائد
يفعلُ هذا عادةً
عاملُ النظافة
وهو يكمشُها
تلتقي صورَ المتنفذين
بخطاباتِ النعي
تتبددُ ملامحُهم على النوافذ
ولا تستشِفُ إلا وجهَهُ الحزين..
4
لا قرصَ موسيقي يدورُ في فلكي
أتلكأُ بصمتٍ مهيبٍ
من وراءِ صوتِ المذياعِ الجريء
الـ يرصدُ عددَ القتلى
ويرقصُ على جُثمانِهم بعد ثوانٍ
بـأغنيةٍ باردة..
5
كلما تحسستُ يدي
توجستُ من قَشْعَريرةِ غيابِك
كجندي يُمشطُ شعرَ حبيبتِهِ
قبلَ أن تبتُرَ الحربُ أصابعَهُ!
6
أشتاقُكَ على نحوٍ مؤلم
كساعةِ جنديٍ استُشهدَ في الحرب
ولم تتوقفْ تكاتُها..
7
أريدُ أن أبكيَ في حُضنِكَ
كجندي منتصرٍ بعد معركةٍ طاحنةٍ
استراحَ أخيراً واستسلمَ للبكاء..
أن ألقيَ بهمي في جُبِ عينيكَ
كحيلةٍ شاعريةٍ لاحتضانِ الحياة..
8
أعرفُ امرأةً تخرجُ كلَ يومٍ إلى السوق
تشتري عطرَ زوجِها المفضل
وبطريقةٍ دراميةٍ مؤلمة
ترفعُ رأسَها إلى صورتِهِ
بشريطِها الأسودِ المائل
وتُقبلهُ في فمه..
9
قلبي يلهثُ
كنظرةِ جنديٍ بساقٍ واحدةٍ لزوجِ حذائِه
كبنطالهِ الأجوف..
وهو يرقصُ مع الريحِ نكايةً بالموت!
كطفلةٍ حلبيّةٍ
تتمنى لو أن الحربَ لم تأكلْ يدَها
بل مَضغَتْ ذاكرتَها
تصومُ عن النسيان
ويبرُدُ خوفُها كأطعمةِ الجنودِ المعلبة…
10
اكتبي الشعر أيتها البلاد
ولا تخافي من أقدام الحرب
وهي تهرس وجنتك..
لا تَدَعي أحداً يفسد وداعة جفنك
وأنتِ تبعدين الدم عن وجه الوردة
وأنتِ تعيدين للطفل أطرافه
ليحبو قليلاً قبل أن ينبت جناحه!
وأنتِ تُكممين أفواه البنادق
بالقُبلِ والأغنيات..
اكتبي الشعر أيتها البلاد
قبل أن يُربتن النساء على كتف أم الشهيد
وهي تهز في حضنها مهد حفيدٍ لن يجيء..
11
كناجيةٍ من الحَربِ
تتقلبُ على فراشِ الندمِ كلَ ليلة
كطفلٍ يتوسلُ أمَهُ أن تفيقَ من الموت..
كزوجةِ جنديٍ لم يتبقَ لها منهُ إلا بندقيةٍ فارغة..
لن أنتظرَ حتى تُقرَ لي بخيانتِه
تنفُثُ في أنفي عطورَهُ الرخيصة
تبكي لتُرممَ طينَ كبريائِها..
سأقتلُ هذه الحياةَ بقدرِ ما ضاجعَها كلَ ليلة
هذا الحزنُ الفاحش!
جنان العود
– مواليد البحرين عام 1985. صدر لها “كونشيرتو – نحو جهة مأهولة بالسلام، 2012” و “فيزياء الفراغ الأبيض بين لوحتين، 2017”.
إيماءات
أفضل هذا الوقت من اليوم ففيه ينام الجميع ..
تتوقف حركة الملاعق والأطباق، لا وقع لأقدام الجميع فكلهم نائمون،
لا أبواب تتحرك ولا غبار يضطرب في الهواء .. سوى تمدد الخشب اللعين ..
أنا برفقة هذا القلم الذي يدور على الورقة بمنتهى الوداعة، ينقش حناء الخلود على راحة الورق الأبيض .. كلما حركته تحركت الأشياء في أقاصي الأمكنة ..
أرى الآن انزياح البشر، الحيوانات والأشياء، وأتحسس حكمة انتشارها من نقطة إلى نقطة ، تتجلى أمامي صور الحركة المتغيرة
تحرك القمر المراوغ نحسبه يرافقنا إلى البيت متلصصا من نافذة السيارة ونحن صغار ..
انبجاس الشهوة بين ذكر وأنثى، تسارع حركاتهم معا، تحزز المسامير وتوغلها في خشب السرير ساعة التوغل الآدمي
رفسات الطفل الأولى بعد أن يُحل قماطه، في ارتفاع يديه الصغيرتين في الهواء ملتقطا السعادة
تحرك شجرة اللوز .. جارتنا الكبيرة تتمايل في مزاج يتلون كل يوم
جريان الماء في أنابيب الصرف المثبتة على الجدران
دوران الغسالة يزيح عن الملابس رائح التعب
حركة السيارات تنساب على الشارع العام مسرعة تمضي لشؤون شتى
تصاعد الدخان وانتشاره الخفي .. تلفظه أفواه المصانع في رئة الكون
إصرار القط على تسلق الجدار مرتعدا، يمرر قوائمه بسرعة خاطفة على جداريات القرية التي كتبت بمنتهى الخوف
رفرفة جناح العصفور محلقا عن قرب، مفتشا عن أقرب بقعة ماء
سيلان العرق على جسد البنائين ساعة الظهر
تراقص البعوض على عمود الإنارة الحكومي
تزاوج الحشرات والحيوانات الأليفة على حواف النوافذ والأرصفة ..
أما أنا فأنال ما أنال من الرضا لو جلست لوحدي بمنتهى السكون لبرهة فقط .. لأكتب عن هذا كله، ريثما يحرك الهواء خصلة من شعري، وتتزحلق نملة على بيجامتي ..
فَناء
عند مقهى الناصية
في منفاكَ الأبيض
أنتظركَ كناسكٍ بوذيٍّ، قلبي في حقيبتي، حقيبتي على الطاولة،
الطاولة على الأرض، الأرضفوق قلبي!
أرسمُ في قهوتي قبلًا إليك
أمسكُ الغيومَ من خصرِها لئلا تمطر فلا أراك
شجرة الميلادِ تتزينُ بعطركَ
أرتقبُ ..
غمازتك العميقةَ كحُلمي
قلبَك يدوزنُ غربتي الثكلى
أحبكَ، وهذا يعني ..
أن ينبتَ للهواءِ أناملُ تمسحُ قلبي عندما يضيعُ المساء
أن يبقى الشايُ دافئًا
الوردُ ملونًا
الخبزُ طريًا
الصبحُ صبحًا ..
أن يغدو الكونُ مسرحًا
لتُعانقني ..
ملاك لطيف
– مواليد البحرين عام 1994. صدر لها “عصافير النافذة الأخيرة، 2015”.
آيةُ النّسيان
آنَ لَك أن تَنسى ..
خدّك الذي تُرضِعهُ قَلقَ كَفِّك.
عَينيكَ المُغمَضتينِ عَلى لَونِ بِلادٍ لَم تُغادِر صَدرك.
بِلادًا لَم تَزُرها فَلم تتذكّرك،
لم تُعطِكَ ذِراعها،
ولم تُنظر لك سنابِلُها!
بِلادًا كُلّما أتيتَ الله قُلتَ اسمَها
ورسمتَ في باطِن كفِّكَ لها مَنامًا.
تَرى في المَنامِ فراشاتٍ أُخرى
تَراها حريقًا في جَسدك
جسدك الطّين / السّحابة / الماء ..
البِلاد .. التي تحفَظُ ارتِطاماتِكَ كُلّها،
وتَعدو خَساراتِك كُلّها.
شهقَة!
لَم أرَ أحدًا ..
خرجوا جميعًا من جرحي المفتوح / خرجوا بدمي!
وصاروا وجعًا، ثم تكدسوا صلاةً على الأرض،
آلهةً قديمة مررنا في نومِها عُرسًا ..
نوقِظ الأرضَ بالملحِ، والبحر بالغرق!
حفاةٌ ناحيةَ الّماء
ثمّةَ جُرح يا أبي .. فالتفت
هُنا خُطاي، وخيمة قلبي، وجنازة مجهولة، وصُراخ.
فهَل تَذكُر؟
أنا الطِفلُ المُرمّم بالعِناق، الذي على دَمِه يَداك.
إنّا يا أبي لَم نَصِر وردًا،
إنّا على قَبرِكَ .. ولا نَزالُ حُفاة!
فإذا رَأيتَ الله قُل: (تَركتُ مِفتاح بيتي هُناك)
وعُد ..
لِتحمل عَنّا الهزيمة، واسقِنا حليبَ الغَزال.
تَصيّد بيديكَ العتيقَتينِ بِلادًا
فقد قالَت مريم في المنام:
(يداكَ تَموجانِ على صدري،
كملائِك تَغرق في الذّكريات).
خلفَ تِلكَ العُتمَةِ
(في قلبِ الله)
اخرُجْ من الصّورةِ وقل لي: أينَ تنظرُ؟
من كلِّ أمكنةِ الغيابِ.
وقل: أرأيتَ يدَ اللهِ، وضوءَه وراءَ الباب؟
هناك .. عاريًا أنتَ من البلاد.
غادرَك الوقتُ، غادرتك الشّوارع.
فأعطيتك كلّ احتمالاتِ الحياة:
ربّما ندخلُ من هذا الليلِ وطنًا آخر،
ربّما كقاتلٍ وقتيلِه،
خبّأنا البلادَ في دمنا، فقلتَ لي:
«محمولون في قلبِ الله نحن»
وقلتُ لك: لكنّي أبكي.
بلادٌ في الهامش
بلادُنا إن عادت من التّعبِ ..
لا بيتَ لها لتبكي / لا بيتَ فيها يُعانقُ الآخر.
وإن جلسَت مُعتمةً رأسها ..
لا ترى إلا أقدام الصّاعدين إلى الله.
يغطّون خُطاهم بالكلامِ،
يضعونَ وردًا على صدورهم .. كأنّ أحدَهم يصيرُ جُثَّةً.
يلطمونَ الضّوءَ بالضوءِ، كأنّ البلادَ صارت معجزة!
إيمان سوار
مواليد البحرين عام 1992. صدر لها “جنيّةٌ أو كزهرةِ شمس، 2016”. –
تراجيديا الموج
أيها الغريب الملون المسافر لشغفك
أيها الغريب المستبشر كزهرة شمس
هل تبقى من التعب، مجازفة أخرى؟
ها هو البحر
يعجن الخرافة
من أجل أطفال النوارس
ها هو سلّم الهذيان
يقدمهم للسفينة أوركسترا
للبحر وجوه الدلافين
للإرهاق أسباب التوقف
وللإقدام عزيمة الشهداء.
هكذا يلتوي المعنى
مع ناقوس الفجر
تربطني سلاسل السماء الملونة
تُرى، كيف أتثبت بمسمار حرفًا؟!
أوقفوا العزف خلفي
لنا نخب الشراع
لنا نخب ما نشتهي من البحر.
كلنا حملنا البحر ذاكرة
بقِصر ومضة
يخطفني هتاف الميادين
هكذا يتظاهر شباط في ساحاته
خمسة أذرعٍ ترفع شلالًا
لا يغسل آثامهم
والعشب يقبضني.
كيف نعانق الأمل؟
السفينة ضيقة
تقذفهم إلينا
تقذفنا إليهم
فلا يتبنانا غير حضن الموج!
لغة المطر
– لستَ غريبًا إن تحرّكت أمطارُ الطريق بك –
وتحرّك بك الماضي
هذا هو حيٌّ بسأَ بعودتك
وهذا هو المقهى يفتح الرّتجَ القديم
كلّ الدقائقِ أمامك طوعٌ للعقارب ..
وكلّ الذكريات لغةٌ في قواميس المطر.
بقربِ أعين الزجاج تُقيم احتفالات صاخبة
يثمل الاحتمال العابث
دون أن ييأس
لا أدري إن كنتَ عبقريًا جدًا
لا أدري إن كنتُ واضحةً جدًا ..
حين تتعلم من النوارس
وأنت موسيقى التحليق
حين تطارد السراب بغرابة السيمفونيات
وبلغة المطر.
من أضلع أوقيانوس امتد البحر
ومن تناقض أضواء السّماء خُلق البرق
يا وحي الوميض المحتل،
وجيش المطر العفوي،
يا أنين السماء ..
ارفعي المطر
قد يكون هذا آخر الماء
فتنتحر زهرة الشمس وتتوه شمس عبّاده!
سيد محمد شبّر
مواليد البحرين عام 1990. صدر له “وجع أبيض، 2013”.-
أحلام الشتاء
من بعضِ أحلامِ الشّتاءِ أمامَ مدخنةِ الخيالْ
كفّانِ تحتضنانِ بعضَ الدفءِ في كوخِ المُحالْ
وبأعيُنِ السُّمّارِ تحترقُ الدموعُ على سؤالْ
ودُخانُ تبغِ العاشقينَ حنينُ ماءْ
وعلى رموشِ الليلِ تنسدلُ السّماءْ
والنّايُ يطرب للهواءْ
من بعضِ أحلامِ الشّتاءْ
أزهارُ عشّاقٍ تُلملمُ ما تبعثرَ في الخريفْ
ويجمّدونَ قلوبَهم يتحايلون على النزيفْ
وشراشفُ النسيانِ للسهادِ ما زالت تخيفْ
حتّى المناديلُ الرحيمةُ لم تعدْ تقوى الزّكامْ
ومداخنُ الأشجارِ تشتاقُ الحمامْ
لتتيهَ في شبقِ المساءْ
من بعضِ أحلامِ الشّتاءْ
وعلى جناحِ الأمنياتِ تعيشُ رفرفةُ المدى
وتموتُ أغنيةُ الحياةِ بنا إذا خرسَ الصّدى
وتموتُ ألوانُ الزهورِ على محيّا الذّكرياتِ وتستفيقْ
متحادرانِ كقطرتينِ نضيعُ في وحلِ الطريقْ
حتّامَ نغرقُ يا صديقْ
متباعدانِ كشاطئينِ عناقُنا، قبلاتُنا حملته أشرعةُ القواربِ كالرسائلْ
ورمالُنا بعضُ اشتعالٍ من حنينٍ هاجرتْ عنه النوارسْ
موجٌ وأغنيةٌ وساحلْ ..
هل كنتَ تحترفُ الرّحيلْ
وتهشُّ رفرفةَ الغيومِ لتحتوي وجعَ المقيلْ
بعضُ انكسارِ الليلِ يخفي ما تقرَّحَ بالمساءْ
ويجمّلُ الماضي بمكياجِ الضّياءْ
بعضُ الأماني كالنّساءْ
من بعضِ أحلامِ الشّتاءْ
سيجارتانِ وخمسُ خطواتٍ على سككِ الغيابْ
والمعطفُ المحمومُ من كتفيكَ من وجعِ اغترابْ
وجيوبُك الحُبلى تفيضُ من السّرابِ أو الضبابِ أو القدرْ
والشارعُ المرصوفُ يبتلعُ الخُطى،
يندسُّ في ورقِ الشجرْ
الضّوءُ يرقصُ والمطرْ
هل تاهتِ الطرقاتُ في عينيكَ أم كلُّ الدروبِ تصبُّ في بئرِ النهايةْ؟
أم كنتَ تحترفُ الهروبَ من الجنونِ إلى المقابرْ
موجٌ وأغنيةٌ وساحلْ
ما زلتَ ترجعُ للبدايةْ
وتعيشُ طورَ إعادةٍ لفصولِ ملحمةِ الغوايةْ
وعلى جبينِ العاشقينَ سجودُ محرابِ السؤالْ
والكوخُ يجمعُ بعض دمعِ الكبرياءْ
لا تنتظرْ دفءَ اللقاءْ
من بعضِ أحلامِ الشّتاءْ
نزيف أبيض
كُنتُ لا أدري بأنَّ الموجَ في عَينيكِ قيثارٌ وقلبي
من مواويلِ البحارِ انهَدَّ قُبطانًا وحيدًا لا رياحُ اليأسِ تُحييهِ
شراعُ الصبرِ مثقوبٌ على ظهرِ السفينةْ
كُنتُ لا أدري بأنَّ النايَ في ثَغرِكِ حساسٌّ
إذا ما عزَفَ الوَجدَ
تَكسَّرتُ حنينًا
زادني بؤسًا إذا ما أشفَقَتْ لي بابتِسامَةْ
وَحْلُ كفيَّ ووجهي كانَ في دُخّانِ سيجاري بياضًا
كُلَّما أُحرقُ سيجاري تناصَعتُ بياضا
هكذا نحنُ فلا لا تسألي عنّي
تَبعثَرتُ بهَمّي وتعثّرتُ بصَبري
حينما أخدعُ نفسي
أنظُرُ المرآةَ والمرآةُ لا تنظُرُني
أكتُبُ الشِّعرَ وحتّى الشعرُ لا يكتُبُني
لا تسألي عنّي فلا أعرفُني
حينما أشعُرُ أنَّ الموتَ دربٌ للخلودِ ابتعدي عنّي
فقد يبدأُ عندي من جنوني شاعرٌ يهرُبُ من كَفّي حزينًا لا يعودْ
هل نُمَنّي النّفسَ أنَّ القهوةَ المُرَّةَ قد تَحترِمُ السُكَّرَ؟
أنَّ الخِنجَرَ الغَدَّارَ قد يعطِفُ بالقلبِ الحزين؟
أم قطارُ البُعدِ يحنو لِيُعيدَ الرّاحلين؟
اهرُبي عنّي فلا زِلتُ أغنّي لِلَّيالي علّها تسمعني
بدرًا ترامى بينَ أجرامٍ وحيدًا ماتَ من غدرِ الصَّباحْ
وخُذي دَفتَرَ أشعاري تَبَعثَرتُ جِراحًا فيه
لا زلتُ مع القهوةِ وحدي، وأنا لا زِلت لا أدري لماذا أكتُبُ الآنَ القصيدة
ولماذا دفتري لا زالَ أبيضْ!
سمية جميلي
مواليد البحرين عام 1994. صدر لها “أكملوا عني هذا المشهد، 2014”-
…|
ويمضي ..
أنتَ تبهت
وأنا أربطُ ظلّي العجوز
على عمودِ الإنارة ذاته الذي
عودتني أن يلتفّ صبري عليه
وأعوجّ ..
8. «وعرّفني نفسك»
أنا أُحسنُ الظنّ بك يا الله .. بالطبع!
وأنت تُدرك ذلك جيدًا
لكنّك تتفهّمُ أيضًا
في الجهة الأخرى
مدى القلق الذي صارَ يُفزعُ أملًا صغيرًا بصدري
في كل الأشياء التي أحبّها
لكنها ما فتئت تنتعل دربًا ..
لتعبر.
أتذكّرُ أنني حدّثتكَ البارحة
لم يكن عتابًا
كنتُ أخبرك بكلّ ما تعرفه
ثمّ أتساءلُ ببلاهةٍ معتادة:
«كيف حدث كلّ ذلك؟»
بطريقةٍ أو بأخرى
هذه المرة تخطّيتُ السؤال بيقين: يا الله!
ذلك لم يكن مأزقًا
كان أملًا مضاعفًا
في الحياة»
12. «ولأنّني ..»
يزعجني أنّني حين أنام بعد دقيقةٍ من الآن
حين أتفقّدُ – كعادةِ النّسيان – قلبي
صوتك الذي رطِبًا في الهواء ..
عَلِق بسماعة الهاتف ..
وانطفأتْ ..
أحببتُك
جفّ قلبي.
يضحكنني
عشيقاتك اللاتي لا يعرفن غير
ادّعاء السّؤال عن حالي دفعة واحدة
كلهنّ، في التّوقيتِ الخطأ
لستُ مُصابة بارتجاع الحنين في حضوركَ الطيف كُلّ مرة ..
أيعرفنَ ذلك؟
أكتبُ
لا لشيء
كأنّكَ انسربتَ منّي،
وكأنّني بالكتابةِ عنّي فيك،
أعبّئني ..
في غيابك الهادِر مجدّدًا
الحياة؛
التي كنت أعيشها قبل أن تأتي
هي ذاتها التي أمارسُها الآن
بعد أن رَحلت
مع فارقٍ بسيطٍ في الذّكريات ..
(من ديوان: أكملوا عنّي هذا المشهد)
علي حسن المؤلف
مواليد البحرين عام 1991. صدر له “غناء على حافة الرثاء، 2016”. –
ظلُّ هرب
كنتُ أغفرُ لو أنني متُّ ما بينِ خيط الصوابِ وخيط الخطأ [أمل دنقل]
حائطًا كانَ ولكن وجهُهُ الموتُ
وَقالوا أَنَّهُ أكثرُ إيجاعًا
أموتُ الآنَ حيًا فيَّ
أنساني فهلَ أُنسى ..!؟
شَهقتُ النَّارَ أمْ هذا الغيابُ المُفترى
ماذا..!
لعلِّي : قلتُ ما
وانقطَعَ الباقي من الأنفاسِ
ما الأَنفاسُ في صدري سِوى
ما لستُ أدري
إنِّها مصيدَةٌ أخرى وَورطة
ليتني الهامشُ
أو في جملةٍ مقفلَةٍ جدًا ولا إعرابَ لي
يا ليتني في آخرِ الأسطرِ نقطه
هذهِ آخرتي
أم يا تُراها من جديدٍ
سكَّةٌ عمياءُ للأحياءِ لا تأخذُهُم للأينَ
يا اللهُ خذني
تعبَتْ عيني من المشيِ وما أدركتُ أنقاض مَحطة
حائطٌ يحفظني
الخُطةُ ما بينَ يديهِ
أنْ يراني دونَ خُطَة
كالظِّلِّ أو قلْ كالسَّحابَة
كأنَّ مشيتها من بيت جارتها، مرّ السحابة [الأعشى]
بقصيدتينِ خفيفتينِ
وقبلَةٍ
قبل الدُّخولِ استقبلتنِيَ
ما انتظرتُ بأنْ ترحَّبَ
كنتُ مكتفيًا بنظرتها الغزيرةِ
غارقًا فيها
كأيِّ مسلَّمٍ لإرادةِ الطُّوفانْ
مرَّتْ عليَّ فلم أحسَّ
خفيفةً كانتْ
أقولُ خفيفَةً وأضيفُ جدًا
بعدما استدركتُ أنْ مرورَها
ظلُّ السحابَةِ وهوَ يكشفُ:
– لَذةَ الشَّمسِ الدفيئَةِ
– فتنةَ الضَّوءِ الشَّهيِّ
– كثافةَ النَّيرانْ
صافحتها متردِّدًا
وعقدتُ نيَّتيَ الخجولَةَ
في يديَّ
ورحتُ أوثقُ في يديها
موعدَ اطمئنانْ
وضعتْ أماميَ قهوةً سوداءَ
قالتْ: ربَّما تنسيكَ طعمَ القبلةِ الأولى
سأبدلها بأخرى
اشربْ قليلاً لا تخفْ..!
ما زال في شفتيَّ ما يكفيكَ
ما يكفي لأبلغَ منك ما لا يبلغُ النِّسيانْ
واستقبلتنِيَ مرَّةً أخرى
أشارتْ لي
وأعني أنَّها كانت تشيرُ لنجمَةٍ تنأى
ولم تسكبْ بعينيَّ انسكابَةَ نظرتينِ
تساقطتْ منها عليَّ
تبعثرتْ قطعًا من الحلوى
فكيفَ ألمُّها ..؟
أمْ كيفَ أتركها مبعثرَةً وأتركُ لمَّها..!
كيفَ السبيلُ وفيَّ طفلٌ يشتكي الحرمانْ
كانتْ شريكَةَ نفسها
وتحلُّ ضيفةَ نفسها
وتكادُ تعبُدها وتؤمنُ أنَّ لا كفؤٌ لها..!
فلمَ اصطفتنيَ للمحاولةِ
اصطفاء الأنبياءِ
لمَ استعانت بي صديقًا
هل ترى احتاجت ملاكًا حارسًا
أمْ يا ترى شيطانْ..!
واستقبلتنِيَ كالوداعِ
ورحَّبتْ بقصيدتينِ خفيفتينِ
وقبلَةٍ
ومررتُ لكنْ لم تحسَّ
كأيِّ من مرُّوا بها
مرُّوا خفافًا كالظِّلالِ وكالسَّحابَةِ
أو كشيءٍ كان أو ما كانْ
حسين بوصفوان
– مواليد البحرين عام 1994. أشاع إلكترونيًا مجموعة بعنوان: “أَفّاقُ أَوْجُهٍ لا أَكْثَر، 2020”.-
لا يَجْهَلُ الماءُ سالِكيه
عارٍ عَنِ الطَّعْمِ ؞ وَجْهي ؞ سَرابٌ تَلوكُهُ عَيْنا طَريقٍ،
أُخالُ ولا أَتَحَقَّقُ،
تَكْثُرُ حَوْلي الظُّنونُ.
وَرَغْمَ الَّذي عِشْتُ – كَالسَّيِّدِ الخِضْرِ،
لا يَعْلَمُ النّاسُ – لِلْآنَ – كَيْفَ أُؤَوَّلُ؛
في أَيِّ مَدْرَسَةٍ / مَذْهَبٍ،
أَيِّ دينٍ،
وما الاِنْتِماءُ الَّذي لا أَكونُ.
عارٍ،
أَسيرُ،
وأُبْصِرُني جَيِّدًا فيهِمُ / الآخَرينَ،
أُوَزِّعُني صَدَقاتٍ عَلَيْهِمْ،
عَلى مَنْ يَراني،
ومَنْ لَيْسَ يَفْعَلُ؛
لَيسَتْ تَهُمُّ الإِجابَةُ قَدْرَ السُّؤالِ،
ولَسْتُ أُسايِرُ أَوْ آسَرُ الرُّوحَ،
إِنّي أُقِرُّ – عَلى الرَّغْمِ مِنْ رَغْبَةِ الاِنْعِزالِ المُلِحَّةِ،
بِاسْمِ التَّسامُحِ،
كُلٌّ لَهُ فِيَّ / مِنّي نَصيبُ.
أَمُرُّ عَلَيْكُمْ جَميعًا كَأَنّي حَبيبُ،
ولٰكِنْ قَديمٌ، وحُلْوٌ،
أُكِنُّ، أَحِنُّ، وأَجْنَحُ لِلْسِّلْمِ، أَعْرى، أُجَنُّ،
ومِنْ جَوْفِ جَوْفي أَصوتُ.
بِلا أَيِّ طَعْمٍ،
ولا أَيِّ لَوْنٍ،
ولا را …
فكَمْ كُنْتُ أَكْرَهُ فِعْلَ الرَّواحِ،
تَذَكُّرَ تَلْويحَةٍ جافَّةِ الشَّفَتَيْنِ،
وأَجْدَعُ أَنْفَ التَّوَقُّفِ عَنْ حُبِّ شّيْءٍ تَجَلّى بِهِ الرَّبُّ.
كَمْ صِرْتُ – مِنْ غَيْرِ داعٍ – أُحِبُّ.
وأُعْبَرُ ماءً،
تَخونُهُ ذاكِرَةُ الشّارِبينَ،
وَيَذْكُرُهُ عَطَشٌ لا يَموتُ.
عارٍ،
يُظَلِّلُني الأَبْيَضانِ ولا مَطَرٌ،
والأَناسِيُّ قَحْطٌ ولا يَصْعَدونَ.
يُخالُ إِلَيْهِمْ بَأَنّي كَثيفٌ سَأَعْلُقُ في صَوْتِهِمْ إِنْ سُمِعْتُ؛
ولَسْتُ أَخَفَّ مِنَ الحُزْنِ،
بَلْ لَسْتُ أَثْقَلَ مِنْ مَحْضِ كَوْنِ.
كإِنْسانِ ما بَعْدَ ما بَعْدَ ما بَعْدَ ما بَعْدَ … بعْدِ الحَداثَةِ
/ إِنْسانِ ما بَعْدَ ما بَعْدَ ما بَعْدَ ما بَعْدَ … بعْدِ الهُراءِ المُؤَقَّتِ،
أُثْبِتُ – دونَ الْتِفاتٍ لِأَيِّ عَواقِبَ – قَلْبًا هَزيلَ القَوامِ،
أُعَوِّلُ،
ثَمَّةَ روحٌ بَصيرَةَ حِسٍّ،
كَريمَةَ عَيْنِ.
كَأَنّي،
كَأَنّي … كَأَنّي،
أَظُنُّ احْتَطَبْتُ مِنَ العُمْرِ ما زادَ عَنّي،
ويَغْلِبُني الظَّنُّ،
أَشْعُرُ أَنْ قَدْ كَبَرْتُ عَلى العالَمِ الاِفْتِراضِيِّ هٰذا سِنينَ أَخَلَّتْ بِذائِقَةِ الوَقْتِ عِنْدي،
وما عَادَ ثَمَّةَ مُتَّسَعٌ أَنْ أُبَرِّرَ شَيْئًا لِمَنْ جاءَ بَعْدي.
أُديرُ عَلى البَرِّ بَعْضًا،
وأُشْعِلُ – مِثْلَ القِيامَةِ – بَعْضًا،
أُقَلِّبُ في اليَأْسِ سِنًّا كَأَنِّيَ أَطْهوهُ،
أُطْعِمُ – داخِلَ قَلْبِيَ،
عَتْمَةَ طِفْلٍ باغَتَ حَنْجَرَتَيْهِ الهَواءُ – بُعَيْدَ الوِلادَةِ،
أَشْبَعُ لَيْلًا،
ويَخْنُقُني أَنْ تَحُكَّ لِساني الصَّرَاحَةُ،
لَٰكِنَّني لَسْتُ آبَهُ،
أَصْرَخُ: يا صُبْحُ …
سُرْعانَ ما يَتَكَدَّسُ في رِئَتَيَّ الكَلامُ؛
وإِنْ كانَ صِدْقا.
عارٍ عَنِ الطَّعْمِ حَقّا.
كَأَنّي نَسيءٌ تَجَاذَبُهُ الآخَرونَ.
أُحَرَّمُ عامًا،
أُحَلَّلُ أُخْرى.
وما ظَلَّ في العُمْرِ لَيْلٌ لِيُسْرى،
وما ظَلَّ صُبْحُ.
إيمان الشاخوري
مواليد البحرين عام 1992. –
حكمة
تباركتَ…
قد ماتَ مَن ماتَ
والقطُّ يَظْفَرُ بالخبزِ ممّا تبقّى على سفرِ الأغنياءِ / العدوِّ الألدْ
وفي ذلكَ البيتِ طفلٌ
يجنّبُ إحساسَهُ الجوعَ بالذّكرياتِ التي،
– رغم كلِّ السّنينِ التي سقطتْ في هُوى الأمس –
لم تبتعدْ
وحينَ يحطُّ على رأسهِ طيرُها
يتناولُ منقارُها ما يشاءُ
منَ الأزمنةْ
تباركتَ قد عادَ كلُّ الذين تبرَّأَ من دمهم،
بعدما اتُّهِمَ، الذّئبُ
إلاّيَ…
ما زلتُ أخفي قميصي على باب أنثى تراودني
أو أراودها، لا يهمُّ…
فلا هيَ جاءتْ
ولا من فراقيَ تبيضُّ عينا أحدْ
وليسَ سواكَ الأحدْ
تباركتَ
كلُّ الذي سوف يأتي
جميلٌ إذا كانَ منكَ…
ولكنّني لستُ أيّوبَ
والأمّهاتُ الحَبالى يلدنَ
وما أنجبتْ بعدُ منهنّ واحدةٌ لي… أبي
وتباركتَ… من ذا الصّبي؟
ليسَ يَعْبُدُني
إنّما حيثما كنتُ… كانَ معي
لمَ يَتْبَعُني؟
ولأيِّ إلهٍ تُراهُ ارتضانيَ قُرْبانَهُ
وانبرى ليحزَّ، بلا رحمةٍ، عنُقي
بالكمدْ
ثمَّ يُلقي لجيشٍ منَ النملِ
قمحَ الجسدْ
*
سيرحلُ عن بيتكَ السّاكنون القدامى
ويمشي وراءكَ جَمْعٌ غفيرٌ
يعودُ؛
… ليفتحَ بابَ اليتامى على القلبِ/ قلبي
ويُقسِمُ بي العارفونَ بأمري إذا ما الحَبالى سألنَك:
«هل أنتَ حِلٌّ بهذا؟»
وصادَفَ أنْ لم تُجِبْ،
أقسموا بالبلدْ
فوجّهتُ وجهي لنسوتهنَّ
أليسَ لوالدها مَنْ وَلَدْ؟””
أليسَ لوالدها بعض ما يعتريها منَ الخوفِ
مِنْ قمرٍ ناقصٍ يقضمُ الظلَّ
أو منْ جَنينِ السّنينِ الذي حملتْهُ عقاربُ ساعتِها خارجَ الرّحْمِ
أو منْ ليالٍ تعشّشُ في شعرها المتفحِّمِ
أو منْ سليقتها في محاذاةِ بحرٍ يقايضُ خطوتَها بالزّبدْ
أليسَ لهُ حربها
ضدَّ من دخلوا قريةً
بابها الذّكرياتُ،
فدوّتْ بها – من مدافعهم – طلقاتُ الأبدْ
ولمّا تزلْ تستردُّ الذي بعدُ
… لمْ يُستَردْ
أليسَ لهُ ضدّها
حينَ كانَ بها شوقها وغيابكَ
جزرًا ومدْ
أليسَ لهُ ربّها
حينَ يلقى من الأصدقاءِ،
مباغتةً،
طعناتٍ من الخلفِ؟
والربُّ يعرفُ كيفَ يغلُّ على جرحهِ… سوسنةْ
سيد أحمد شرف العلوي
– مواليد البحرين عام 1991.
النبوءةُ الأولى
بردُ الشتاء يذوبُ عن قلبي
فتفضحني إلى الأحياءِ
شمسٌ أنجبت من عمقِ موتيَ
لم تزلْ تأبى الغروب ولم تزلْ تأبى الشروق
تعلّقت فوق السماء تشير للأرض العبوس بأن: تحلّي بابتسامٍ إنّني رغم المآسي أكرهُ الوجه الوجومْ
وتعانقي والصبر صنوانٌ، كموج البحر يحتضن السفينةَ إذ يؤرجحها شمالًا أو يمينا …
صوت الحقيقةِ مرّ يختبر الظنونا …
ويدوزن الأحلام أنغامًا تغازل في دواخلنا الموسيقى واللحونا …
ما زال في الأفق الكئيب هناك متسعٌ لكلّ المتعبينا …
ليضمّهم من بعد أن كانوا مع الوطن القصيّ مؤجلينا …
ويربّت الأملُ القديمُ على سنين العمر ينشد قائلًا:
“انفض غبار الدرب وامضِ معاندًا،
لا بدّ تحملك المسافة نحو أوطان النجومْ”
راهنت مرّاتٍ على أنّ الخلود مآل كلّ الذكرياتْ
لكن هو النسيان لعنةُ ما تفشّى فيّ مذ ألوى أبونا يقطف الحلم المحرّم تحت أفياء الجنانْ
لو أنّه شرب اليقين قناعةً لم يغره شبقٌ لتلك المغرياتْ
لو أنّه ألقى بناظره وفكّر لارتأى
بعضٌ من الأحلام لم تحتجْ لأن تبقى معلّقةً على شجرٍ بعيدْ
بعضٌ من الجنّات لم تحتجْ إلى حجب الغيومْ
أوّاه لو كانوا جميعًا يعلمونْ …
كم أسرفوا من عمرهم وهمُ يجارون الحياة ويحملون جراحها
كم أنّها قد أجهدت لغة الهيام فأصبحت لغةً هلامْ
كم أنها قتلت على أعتاب لقيانا مراسيل الغرامْ
كم أنها جهلت بأنّا دائمًا في الحبّ … نسقط للأمامْ
أوّاه لو كانوا جميعًا يعلمونْ …
كم طرّزت تلك الحياة على شغاف القلب تمتمة المنونْ …
وهناك حيث قميص يوسف ما يزال يطبّب الباكين من غدر الزمان يقول: لا بأس استغلوا الدمع في سقيا الورود لتزهر الأرض اليبابْ …
هيّا تعالوا ننسج الآهات ثوبًا كي يقينا البرد في فصل الشتاءْ
ولتنشدوا للشمس للدفء المصاحب لا لهرطقة الضياءْ
أمّا أنا سيظلّ فيّ الحبّ يختارالشقاءْ
وتركت للناس التعانق والتورّد واللقاءْ
هي هذه الدنيا تدور ولا ندورُ
فاحمل من الذكرى الجميلة ما تشاءْ
وانقش على صدر السماوات البعيدة ما ترومْ
لا بدّ تحملك المسافة نحو أوطان النجومْ
هيا ابتسمْ إنّي برغم الحزن أكره أن أرى فيكَ الوجومْ
ما عاد في الشّعر
هل آن للذكرى الجميلة أن تموتْ !؟
يا منطق الأوجاع من صدر السكوتْ
شاخت ملامحيَ الكئيبة وانطفتْ
والحزنُ أقرضها سنينًا خاويةْ
لك عقربان من الأسى كلٌّ يشير إلى اتجاه الهاويةْ
لم أدرِ هل وقفت عقارب ساعتي عند الفراقْ ؟
ما زال هجرك إذ يمرّ كـ”ثانيةْ”
والوقت لعنتيَ القديمة والجديدة والتي لا تنتهي
أنت الوداع السرمديُّ وقصّةٌ من عهد (آدم) فاقتطفني كالخطيئةْ
وانزل إلى الأرض / الفناء فأنت لم تعدِ الحبيبْ
قلبي ينازعه التوجّع والتحاملْ
فأسير دون هدايَ حيث “اللا مكانْ”
حزنًا أنا أعرضت عن سكنى الجنانْ
وخلوديَ المشؤوم حقًّا فيمَ يجديني الخلودْ !؟
أصحو وأغفو والدموع كما هيَ
الشعر نافذتي الوحيدة للوجودْ
منها أطلّ لأبصر الحلم البعيدْ
منها أطلّ لأبصر الليل الولودْ
فالليل فكرة عاشقٍ لم يمتهنْ غير الدموع بكلّ صبحٍ
يهبُ الحياة دياجيًا حتى يعيشْ
يسلو بهدئة ما يفيض به المسا …
هي فكرةٌ للانتصار على الحنينْ
حيث السواد علامة النسيان عند العاشقينْ
أنا مثلهم مرّت بي الذكرى فخالطني الأسى
طُبعت بداخليَ المخاوف والهواجس والرحيلْ
ونوارس الهجران حلّق جنحها فوق فأبكاني الرفيفْ
والقلب ينبض والنزيف هو النزيف …
صلاح كايد
مواليد البحرين عام 1984. –
لَوْ
لَو أَنّ الوردةَ خُيِّرتْ قبل مجيئِها إلى الحياةِ
رُبّما اختارت
أن تكون لهيبَ نارٍ لجمرةِ حبٍّ غزاها الرمادُ فخبت حزنًا بين أضلاعِ عاشقينِ
أو أن تكونَ غيمةً تُعاودُ أرضًا وماتتْ نخيلُها كمدًا بين العيونِ
أو أن تصيرَ جناحينِ لعصفورٍ أمسى سجينَ الأرضِ ينتظرُ كلّ مساءٍ أسرابَ العصافير تمرُّ عائدةً إلى أعشاشها بين الغيومِ
نيمفومانيا
في دَمَسٍ مُعتّقٍ برائحةِ الكرومِ؛ عاريًا أمامَ المرآةِ؛ أنظرُ في تضاريسِ وجهي، أتحسّسُ فمي، ألمسُ تحتَه فوقَه
أصرخُ “أينَ شَفَتاي ؟!”
أَفزعُ ..
مسرعًا آوي إلى السرير أحضُنُ وسادتي ..
قربي يمتدُّ جسدُك البضُّ عارياً كساقِ أوركيدا، أمرّرُ رأسَ إصبعي فوقَ انحناءِ خصركِ النحيلِ وقد بانَ من بينِ اللحافِ نصفُه كقيثارةٍ أوتارُها نمشٌ معشّقٌ بالشّهدِ، أتحسّسه كمنحدرٍ خالٍ مما يُعكّرُ إيقاعَ انحناءِ الطُّرقِ الجبليّةِ المشاغب لالتوائها.
أسقطُ في سرّكِ البادي كفمِ تفّاحةٍ جائعةٍ، أو بركان يترصّدُ لهبه الحياة ..
أستيقظُ
أُفتّشُ عن شفتيّ! أتحسّسُ ..
أدخلُ حديقةَ أزهارِ صدرِكِ أُلاحقُ فراشتينِ
فمي شبكةٌ مثقوبةٌ
أسقطُ في العشبِ
أنحدرُ
أنزلقُ.. لُعابي ثوبٌ حريريٌّ يفرُّ كغزالةٍ ..
أتحسّسُّ …
أتذكّرُ أنّ شفتيّ نسيتُهما ليلةَ البارحةِ في عتمةِ الأوديةِ
ذاكِرَةُ الغيمِ
نصفُ
كأسِ ماء نساهُ طفلٌ؛ فوق كرسيّ الانتظارِ؛ حين علمَ أنّ أمّه رحلتْ ولن تعود.
نُقَعُ
ماءٍ حارّ فوقَ الأسفلتِ ظلّتْ تشهدُ على وحشيّة حرقِ أجسادِ الفقراءِ في الشوارع.
بَقايا
ساحلِ قريةٍ مُهشّمٍ رُدِمَ؛ كي يكونَ معبرًا لأنيابِ المصانعِ والشركاتِ.
أَنْهارٌ
حارقةٌ حفرتْ أوديةً في وجوهِ رجالٍ حطمتْ قلوبَهم نساءٌ تطمعُ في المالِ.
غسيلُ
ثيابٍ فوقَ سطوحِ الدّورِ؛ أحنى ظهورَ الأمهاتِ.
رطوبةُ
شعرِ امرأةٍ فارعٍ جفّفتْه بالبخور؛ ليلتحف به النّهار.
رذاذُ
بخّاخ مزعجٍ خرجَ من تحتِ بابِ غُرفةِ رجلٍ طاعنٍ في الوطنِ أصابَه
الربوُ..
سيد أحمد العلوي
مواليد البحرين عام 1986. –
عناقيد بابليّة
عناقيدُ من حَجَرٍ بابليٍّ
تدلَّتْ على شُرفةِ الحُلمِ
تُغمضُ عَينينِ شاحبتينِ و تُومئُ للمستحِيلِ
هُنالِكَ ..
تكبُر نافورةُ الضَّوءِ حتى ترشَّ العناقيدَ بالوردِ
حينَ تجفُّ السَّمَاواتُ
و الوقتُ يُصلبُ فوقَ الجليدِ القديمِ
على مسرحٍ فارغٍ كنتُ أرفعُ قبَّعةَ الحزنِ
أخرجُ من داخلِ النصِّ
أبتكرُ الدَّورَ للجالسينَ على حَجَرِ الصَمتِ
أرسمُ هِندامَ ظِلِّي على حائِطِ الليلِ وحدي
أصفِّقُ لي ،،
أراوغُ شكْــــلي
إلى أيِّ مَنفىً أجرُّ خُطايَ
و كُلُّ الجِهاتِ تجاعِيدُ مِن ورقِ الفُـــقَراءِ
إلى دمْعةٍ تتدَحرجُ مِن مُقلةِ الأنبيِاءِ!
ظلّي المسافرُ وحده
1.
هَيَّا ارتعشْ مثلَ النوارِسِ حِينَ تلتقطُ المَسَاء
لَمْ تَــبقَ في الأعشَاشِ إلا حيرةُ القمْحِ
المُقسَّمِ فوقَ شُرفتِــــك الأخِيرةِ
وهيَ تنتظِرُ المسَافةَ أنْ تعودَ منَ الغيابِ
عَلى يَديْك
الليلُ يشْهَـــقُ رقصَةَ اللهَبِ الوحيدِ
فلا يجيءُ الغائِبُ المنفيُّ مِن وَرَقَ الكلامِ
ولا يُضيءُ الشمْعُ ذاكرةَ الظلامِ تُرَى
أتذكرُ حينَ كانَ الوقتُ طيناً
كيفَ شبَّ الوردُ مِن عَينيكَ حَــقلاً
ثمَّ صارَ الحقلُ بردةَ أنبياء !
2.
لمّا تزلْ صبواتُــكَ الحُبْــلى
تجسُّ المَاءَ عَن كَــــثَـــبٍ
تُريقُ النايَ فوقَ الرَّفِّ مُوسِيقَى
تغَامرُ بالسُّكونِ فتكبرُ النوتاتُ فوقَ السُّـــلَّمِ الوَردِيِّ
“دوْ .. ريْ .. مِيْ ” وذابَ الصَّمتُ كالثلجِ الهَــتُونِ
أراكَ تَــــثْـــــقُبُ في الفَراغِ كأنَّ مِنجلَــــكَ السُؤال..
القمحُ يسألُ بيدرَ الكلماتِ عن
أُسلُــوبكَ القرويِّ و هو يلمُّ أفواهَ الجِياعِ مِنَ الطَّريق
مَا زال صوتُـــك فِي ( الظَّلام):
” إنَّ القُيودَ تعُضُّ لَحْمَ المِعْصَــمَيْنِ”
فرُحتَ تــنْـــفُـــثُ تحْتَ رَمْلِ العَالِقينَ
تُعيدُ للموتى احْتمالاً آخراً
للموتِ في رَحْمِ الحَيَاة.
3.
عَن أيِّ نَورَسَةٍ
عَن أيٍّ نافذةٍ ستكْتُبُ
و المظلَّةُ طيَّرتْــها الرِّيحُ
عن تلوِيحَةِ الرُّبانِ و هو يُشيرُ لِلأُفقِ الجَرِيحِ
عَنِ السَّجائرِ وهْي تزرَعُ في المَدَاخِنِ وردةَ التولِيبِ
عَن شالٍ قَديمٍ فصَّلتْــهُ فتاتُكَ الأولَى
و ظلَّ بداخِل الصُّندُوقِ
عَن خيطِ الدُّخانِ بِلا دُخان!
عَن أيِّ شيءٍ يكتبُ اللوْنُ الجدِيلُ على الدَّفاتِرِ
وهو مَسكوبٌ يُلمْلمُهُ الطَّريقُ
عَنِ الجَدائِلِ..
وهي تَغسِلُ عُشبةَ الحنَّاءِ فوقَ النِّـــيلِ
حتَّى اخْضرَّ مَاءُ النِّـــــيلِ
والتفتتْ سِلالُ الوردِ لِــــلَّونِ المُخضَّبِ بالأَريجِ
ففاضَ نهرٌ مِنْ عُيونِكَ فوقَ خدِّ الكَادِحين
4.
يا سُمرةَ الأشيَاءِ
كيفَ حَرَثتَ حقلَكَ في الغِيابِ
و لمْ تقلْ للنَّاسِ إنَّـــكَ واقفٌ خَلفَ السَّماءِ
تُطرِّزُ القمْحَ الأخِيرَ
على ثيابِ اللــيْـــلِ
كَيفَ اخْترتَ عالَمَكَ المُوشَّى بالشظايا
ريثمَا يمشي الكلامُ على جِدارِ الصَّمتِ
أو عُكَّازةٍ مِن أبجَديَّاتِ الرَّحِيل ،،
قِفْ ! لا تسَافِر دونَ شالِ الصُّبحِ
إنَّ البردَ يقضِمُ جَانبيهِ
و أنتَ تخلَعُ عنْــــكَ زيفَ الوَقتِ
تبحثُ عن صَديقٍ لا يقَامِرُ بالحقِيقَةِ
يا نبَيَّ المَاءِ .. قِفْ .. قِفْ
لا تسَافِر…!
جمانة القصاب
مواليد البحرين عام 1995. صدرت لها رواية “الوحوش لا تموت، 2018”. –
لقد قصصتُ أظافري
لأن الخدوش التي أستيقظ بها صارت توجعُ أمي..
وتوجعُ الماء إن مسّني
تقول أمي أنها رأت ميِّتيها حين كنت جنينها، وتشعر بالذعر دومًا لأنها تخاف أن يطرق إخوتي الميتون بابها .. فأذهب
هكذا تسرفُ أمي في ما يظنه الأصدقاء تدليلًا،
هكذا تسرفُ أمي في الاعتذار إليّ عن الموتِ الذي أورثتهُ لي
لم أنم في حضن أمي، ربما فعلت في الشهور الأولى من ميلادي.. لكنني لا أتذكر ذلك
ولا أجرؤ على أن أخبر بذلك أحدًا
لكنها حين ألقت بنفسها من فوق الدرج، بقيت في المشفى معها كل الليل، وحين نامت شقيقتي في حضنها .. كرهتهما معًا
وأحببتُ أبي الرجل الغائب، الذي تكون أمي غير مرئيّة في عينيه
ورثتُ عينيّ أبي، ولكنني بقيت أرى أمي رغم كل شيء
وأسمع صراخها في جمجمتي، صراخها اكتظ في جمجمتي حتى غدت ليّنةً ومجعدة
شعري تجعدّ وابيض أيضًا
ولَم أنم في حضن أمي، رغم أنها أسرفت في الاعتذار
توقفت أمي عن الصراخ منذ عامين، وأصبحت تنام مع أبي في غرفة واحدة، وصار أبي يراها
لكن دويّ صوتها لا زال يرجُّ جمجمتي
كثيفًا كأيام خوفٍ عديدةٍ غسلت فيها ما بين قدميّ المرتجفتين.. بوجهٍ شاحب
أمي طرقت الباب ووضعت قنينة ماءٍ لكي أشربها مع أدويتي
لم أرث من أمي سوى الموت، الأوهام.. وحظًّا متعثرًا
تطهو كثيرًا لتغلق الباب عليه
هناك ما يجب أن يقال عن الأمهات
هناك ما يجب أن يقال عن أمي التي تحبنا وأُحب
لكنني لا أستطيع غفران الاعتذار
ورغم ذلك،
لقد قصصتُ أظافري..
زينب مرضي
– من مواليد 1995. تعمل معدة ومراسلة في قناة تلفزيون البحرين. سينمائية ومخرجة وكاتبة .
كنّا في البدء قتلى
1. هل متاحٌ للقتلى أن يكبروا؟ ليأخذوا أعوامنا معهم
ليكتبوا بحبرِ النَّجمِ على ظهورِنا مواعيدَ ولاداتنا
القتلى الذينَ يسرقون أطوالنا ليصلوا
نحنُ الأحياء تقريبًا، الضَّئيلون،
المنكمِشون على الحجارةِ، المتكورون على الحياةِ إلا قليلًا
الخائفون حدَّ الهذيان من القتلى على القتلى
نديرُ ظهورَنا الآن، ظهورنا المهشمةِ إثر مواعيد لم تأت.. لن تأتي.
2. كان حسبنا أننا لسنا أكثرَ من أحياءٍ
أقدامنا المحشورةُ في الجدارِ لم تغوينا يومًا لنسأل:من نحن؟ُ
أو لندير رؤوسنا المصلوبةِ على أعمدةِ الطَّريق
كُنَّا في البدءِ خطواتٍ مُعطلة
و كانت أحذيتُنا تتلوى خلف الجِّدار
لم نعثر على أفواهِنا لنسأل عن احتماليةِ كوننا قتلى
كُنَّا بين بين، و كأنَّ الحائطُ يلدنا من اللاشيء
أو من العُتمةِ، يلدنا نصف ولادة.
3. هل بوسعِ القتلى الصُّراخ؟
و هل كانت نقطةُ الانفصال عن الكونِ صرخة؟
نفكرُ في تلكَ الرؤوس المصلوبة
الوجوه التي تسكنها الهوة
و أصابع الجدار الممسكة بأقدامِنا
و نفكرُ في الأعمدةِ المتحركة
كان القتلى يأخذون هيئتنا، الأعمدةُ أيضًا
و صوت طقطقة المفاصل كان ظننا
لكنهُ الحائط الذي أوشكَ على إكمال ولادته
الحائطُ الذي رغب مرارًا بابتلاعنا لنعود إلى الخالق
لكنَّها الصرخة، التي وقفت حدًّا رغمًا أن أفواهنا لم تكن بحوزتهن
لكنَّه القلب، القلبُ و حسب..
القلبُ الذي انفجر و صيَّرنا طليعة هزائمٍ أو ربما أحياء… و قتلى.
4. ما كان الضَّوءُ لنا
نحنُ الذين لا نعلم من نكون أو من كُنَّا
هل كُنَّا قرابين العُتمةِ؟ أم صنعتها؟
و هل كانت تلدنا؟ أم تلفظنا؟
أكُنَّا أحياء؟ أم كُنَّا في البدءِ قتلى؟
لم نك نعلم أنَّ الليلَ خالقُنا و خالقُ الجدران أيضًا
لم نملك الوقت لنسأل عن احتماليةِ تحولنا لجدرانٍ أو لشوارعٍ رسمناها
و لم نكُ نعلم إن كانت أقدامنا المحشورة تودُّ الخروج
أو أنَّ الليلَ يدفعها
في الوقتِ الذي وددنا فيه.. نسجت العناكبُ بيوتها
و هُزِم الليل، هُزِم الخالق.
5. هل كُنَّا لنا؟ نحنُ الذين لا حق لنا في العودةِ
أو اجتيازِ شرخٍ مرتعشٍ
كان شرخٌ
مولودًا ولادةً كاملةً من رحمِ جدارٍ
من رحمِ ليلٍ عاكفٍ على الولادات المتتالية، الخيبات المتتالية، عكوف الدَّم على جبهاتِنا
و بشكلٍ متوارٍ، كُنَّا صنيعة أنفسنا
كُنَّا العُتمة/الظَّلام/الليل
كُنَّا الأحياء/القتلى/الخالقين/الصانعين
الصَّرخة/الانفجار/الجدران/الشوارع، و كُنَّا القتَلة .
أعبرُ قبورَ أصدقائي حاملًا داخلي أجنة موت
· أعبرُ قبورَ إخوتي حاملًا داخلي أجنة موت
أتغاضى عن صورِ الشّواهد لمّا تأكل الشّمس ملامحهم
لمّا ينخرُ ماء الشِّتاء مَفاصلهم/أسماءهم
فتذوبُ وَ تتماهى مع حرارةِ الحَقيقة لمّا تجيء
وَ أذكرُ أنِّي لَمحتُ الحقيقة وَ هي تواري في كفنِ المَوتى نفسها
وَ هي تحفرُ أجسادهم فِي الوحدة تحت الأرض
أذكرُ أنِّي لم أصحو يومًا عَلى كلِّ تلك الوحدة
فجهزتُ العَشاء في ليلةِ موتٍ، أنتظرُ الإخوة
أخيطُ المَلابس لهذا القدوم، أنظفُ من الرَّملِ كلّ الأبواب
أفتحُ النّوافذ عَلى ليلٍ جديد
وَ أنتظر، أنتظرُ بأملٍ ضئيلٍ عَلى هامشِ هذه الحياة! وأنتظر..
· أعرفُ جيدًا تِلك المسافات بين موتٍ وَ موت..
قناني ماء فَارِغة .. بقايا ورد مُتيبس .. شسعُ نعال لهاربٍ من صلاة
رَحمةٌ على شاكلةِ أوراق مناجاة لدعاءٍ صغير
و آثار خُطى لموتى فرُّوا مِن الحقيقة
فأسقطوا مَسافاتهم/موتهم بِداخلي، وَ حملتهُ سنينًا طِوال!
أعرفُ جيدًا أصوات المآذن وَ هي تلتفُ عَلى أعمدةِ إنارة المقابر
وَ هي تنفخُ في التّراب كَي تبلع الأرض فِي وحدتها أخًا آخر
وَ أحسُّ الأرض في جلدي، وَ إخوتي تَحت هَذا الجِلد
وَ الدَّمع في وَجعِ التَّردي كَان هو الأذان
لا أحدٌ يدركُ الحقيقة وَ هو فيها .. مِثل إخوتي
الذين لم يتقنوا سِوى هذا المَنام الطويل
الذين أغلقُوا أبواب توابيتهم فِي وجهي
إخوتي وَ هُم يَعومون في المَوت بَاحثين عَن حقيقة المَوت
لا أحد كان هُنا.. وَ لم يخبرني دود الأرض عَن كلِّ هذا
وَ لم أجد المفتاح حَتّى أخرج مِن هذا البَيت
لم أجد الضّوء حَتى أعثر على هذا المفتاح
لَم أعثر عَلى نفسي فِي أصوات الزُّوار
وَلوهلةٍ لم أدرك الحَقيقة و نسيتُ أنِّي كنت المَيّت.. وَ كان قبري كلّ قبور إخوتي.
————————————————————–
(انتهت الأنطولوجيا بمقدماتها واختيارات نصوصها)
أضف تعليق