(تابع..)
_________________________
يوسف حسن
– ولد في البحرين عام1942. من الأعضاء المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين. صدر له : “من أغاني القرية”،1988؛” البحرين في شعر أبي البحر جعفر بن محمد الخطي – بحث أدبي”،1990؛ ” في لغة الكتابة،”، 2008؛”ذاكرة الزمن المنسي”،2019؛ “زهرة الغسق”، 2019.
من كتاب النخيل
عن أبي حيث يقولْ
أَسْندوا عمّتكم، قال الرسولْ
أَسْندوا أمَكم النخلةَ إنْ مالتْ وإنْ مال الزمانْ
فهي إن أمحلتِ الدنيا من الجوع.. أمانْ
وهي للملهوف مأواهُ وللمقطوع دفءٌ وحنانْ
هي صدر الأم عن بردٍ
وفي الأصياف ضَرع وسلامْ
عن أبي عن جدّهِ
عن ثُقاةٍ من ذوي الحُظوةِ
من أكّارة النخل الدواخلْ
عن رواة سمعوا صبيانهم يحكون أشواق الفسيلْ
حفظوا تاريخها جيلاً فجيلْ
جمعوا أعمارهم رفعوها سُلّماً تعلو على راحته في مطلع الشمس
كم فتىً في هيكل الفُحّال مفتول الذراعْ
أنفق العمر تباريحاً مجيئاً ورواحْ
بين تحدير وسقي بين شذب ولقاحْ
وخَراف وصرام بعد جمع وشتاتْ
وهو مشدود بحبل فوق أكتاف الرياحْ
بيد شدّتْ على السبّاكِ
والأخرى على المنجل أدمتها الجراحْ
وهو ينفي عن جذوع النخل ما شذّ بحزم وانشراحْ
وهو في غمرته بين اشتغال واشتعالْ
ربما لاحتْ له فاطمةٌ جاءتْ بها ريح الشمالْ
فله أحلامه كالآخرينْ
وله ما لهمُ قلبٌ وشوق وحنينْ
ربما أوغل في الحُلمِ
تمنّى رقعة يزرع في تربتها نخلاتِهِ
بعض شجيرات من البابايِ
بعض الموز في المجرى
وفي الركن شُتيلات من الرازقيّ الثمين
ربّما خضّرها
شكّل بوابتها في مثل عِقد الياسمينْ
إنه الحُلمُ
تمنّى أن يرى في جانب منها بهيمْ
ويرى فاطمةً زوجاً وحباً تملأ البيت بناتاً وبنينْ
أيها الراحل في الحلم ترفّقْ.. أين منك الأُمنياتْ؟
لا تكن أضحوكةَ الأفواه في المضعن أو سخرية في العتماتْ
يا ابنَ من شجّر بالنخل البطاحْ
وانبرى يفرش للناس ظلالاً من جناحْ
لكَ ما للوارثينْ
لك حُبُّ الأرض والنخل وحُبّ الآخرينْ.
تجليات طرفة بن الورد
رأيتك في هيئة السكران
تغمغم مستنكرا استنواق الجمل
(ويل لهذا من هذا…)
تحاصركَ القبيلة
تستنبحُ الكلاب عليك المضارب
يختلسك القريبُ الطعنة
يطلونك بالقار بعيرا موبوءا
تنطلق جحيشا
تستجيرُ من الهروب إلى الهروب
رأيتك عند اكتئاب الماء
تلملم انكسارات الروح
وتعبىء في جرة الحزن
عورات الزمن الأعمى
وتدفنها في صدر امرأة لعوب
تعربدُ منتشيا كرب الخورنق
تهذي كالمجنون
تستدرج بداية لقصيدة لا تأتي.
علي عبدالله خليفة
-ولد في المُحرَّق عام1944. ساهم في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب عام 1969.رأس تحرير مجلة “كتابات” 76-1985. صدر له:”أنين الصواري”، 1969؛ “عطش النخيل”-مجموعة شعرية بالعامية،1970؛ “إضاءة لذاكرة الوطن”،1973؛ “عصافير المسا”، مجموعة شعرية بالعامية، 1983؛ “في وداع السيدة الخضراء”،1992؛ “حورية العاشق”، 2000؛ “يعشب الورق”-مختارات شعرية، 2005؛ “لا يتشابه الشجر”، 2005؛ “تهويدة لنجمة البحر”،2019.
لا أحدْ !
عاصِفٌ ليْلي
ومِنْ قلْبي أرى
فيما يَرى النائمُ
أنّي
شَجَرٌ في بَلَدٍ
وجُذوري في بَلَدْ
وبأني حَجُر الياقوتِ في مَكمَنهِ
وبأني الدُّرُ في خافي الصَّدَفْ
وبأني موجَة خَجلى تُنَمِّي سُحُباً
تَتَسَقّاها تضاريسُ الأبَدْ
وبأني قَادحُ البَرق
وذوْبٌ من بَردْ
وشُعاعٌ عَبْقريّ، في احْتمالاتِ النُّطَفْ
وبأني رجْفة الظبي، طَريداً
وأسى قلبٍ صَريع، قْد هَمَدْ.
***
وأرى فيما يَرى النائمُ
أنِّي
أبْجَديّاتٌ
وأعيادُ ميلادٍ لِحَرفْ
وبأني ذلكَ المَعْنى الخُرافيُّ الذي أوْمَضَ
في أبْهى خَلَدْ
فإذا بي نَقَراتٌ عَذبَة ُ الإيقاعِ
في أطْرافِ ُدفْ
وأراني زَهْرةً
وأراني نَحْلَةً
وفَراشا ًيَتَلظّاهُ الصَّهَدْ
وإذا حَولي رجالٌ منْ رُخامٍ
يَتَسَلونَ بنقشٍ
كانَ يوما ًفي حَجَرْ
وأناسٌ في صُفُوفٍ
ونشيدٌ يُسكِرُ الروحَ: “مَدَدْ”
ونسَاءٌ منْ خَزفْ
غارقاتٌ في بحار المِسْكِ
لكنْ
ليسَ للمِسْكِ أريجٌ
وعلى الشُّاطئِ
سَيْفٌ لشهيدٍ
وحَمَامٌ يَذرفُ الدَّمَ بَدَدْ.
***
وأرى فيما يَرى النائِمُ
أنِّي بُلبُلٌ غَنّى . . وغَنّى
واعْتَكَفْ
وبأنّي غارقٌ في ابتهالاتِ مُحيّاكِ
وأحْزاني الصَّحارى دونَ حَدْ
وبأنِّي طَرفُكِ الناعِسُ عندَ الصُّبْحِ
صَلىّ
وارتَجَفْ
وبأنِّي صِرتُ عَبْداً
ومَلاكاً
وأسيرا ًلغَواياتِ الجَسَدْ
ثُمَّ أنِّي في عَذابٍ لمَخاضٍ
كُلُّهُ كانَ جَواباً
لسُؤال ٍمنْ زَبَدْ
وبأنِّي كُلَّما فَاضَ بيَ الشَّوقُ
تَوزّعْتُ على البُعْدِ نُتَفْ
ذاهِلا ً أجْري
وأجْري
ناكِرا ًكُلَّ تَواريخي
كأنِّي
في زحَام الكَوْن ِهَذا
لا أحَدْ !.
إزدواج
تكوَّرا
واكْتَنَزا بالدِّفْءِ
والعَسِل المُصَفّى
والمكابَرَةْ
وأجْهَشَتْ زبيبة ٌكادتْ تُمَسُّ
غَيْرَ أَنَّها تماسِكَتْ
واسْتنْفَرَتْ
كلَّ الحَلا المعْقودِ في مكْنُونها
فحدثتْ عنْ موسم النَّبيذِ حينَ فاتَ
عَبَّرَتْ عنْ شَوقِها المنْهُوم
عنْ أَحْلاِمها المصَادَرةْ
فَامْتَلأَتْ كُلُّ العُروق
وأشْرَأبَّ
الزَّهْرُ في الرُّمان للمُخاصَرَةْ.
كيفَ اسْتَفزَّ وَجْدَها
عَزفٌ تسلَّلتْ لَمْسَاتُهُ
وانْدَسَّ حاضنا لهاثَ طير ٍأَشْقرٍ
يكادُ أنْ يَفرَّ منْ سَجَّانهِ
يكادُ أَنْ يَثُورْ ؟
وكانَ ليلُ حَبْسهِ بَخُورْ
وقَيْدُهُ غُلالة ٌتهزُّهُ
على أُرْجُوحةٍ منَ الحريرْ
هَديل مَوْج ٍفي الحُنوِّ
بَردِ يَوم ٍلمْ يكنْ كالبَردِ
كانَ رجْفَ قطر ٍللنَّدى
على الزُّهورْ.
***
تكوَّرا، وارتعشا رغائباً،
وأضمَرا
بَوْحا ًيهزُّ ألفَة َالكلام جاريا ًعلى اللِّسان
يَستفزُّ ظامئا
جرى فِطامُهُ قبلَ الأَوانْ
أيُّ شَرابٍ كوثَري ٍقبلَ هذا يُحتَلَبْ ؟
أيُّ حياةٍ دونَ هذا تُحْتَسَبْ ؟.
علوي الهاشمي
– شاعر وناقد ولد في البحرين عام1946. ساهم مع مجموعة شبابية في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب في البحرين عام 1969. صدر له عدة كتب شعرية ونقدية، منها: “من أين يجيء الحزن”، 1972؛ “العصافير وظل الشجرة”،1978؛ “محطات للتعب”، 1988؛ “السكون المتحرك : دراسة فى البنية و الأسلوب : تجربة الشعر المعاصر فى البحرين نموذجا”، 1993؛ “فلسفة الإيقاع في الشعر العربي”،2006؛ “ظاهرة شعراء الظل في السعودية”، 2019.
الخروج من دائرة الإغماء
ذاكرتي مثقلةٌ بهموم الأمسْ
كان الوقتُ مساءً
والمقهى، كالعادة، مزدحم بذوي الأحداقِ الحجريةِ
والعاهاتِ المزمنةِ، وأرتالِ اللوطيين الغرباءَ، وبعض
القرويين المربّدةِ أوجههم من لفح الشمسْ
والنادل في صخب المقهى يغدو ويروح
كرقاص الساعة
والعشاق القدماء أماكنهم خاليةً في الركنِ.
(لماذا يهرم وجه العصر
ولا يهرم وجه العشاق؟)
كانت عينا أحد كلاب الصيد تجوسان مقاعدهم
بضعةُ عمالٍ ينتثرون
هنا
و
هناكَ
وحافلةٌ تذرع صمتَ الشارع
والنادل في صخَب المقهى يغدو ويروح
كرقّاص الساعة
أسند منصور إلى ظَهر المقعد كتفيه
أتكأ على مرفقه الأيسر، واستسلم للحلم قليلاً:
كان الفصل خريفاً
والريحُ الغربيةُ لم تتركْ في الشجرِ والواقفِ
إلا بضعَ وريقاتٍ
تترنّحُ.
(هل كان الفصل خريفاً، حقاً ؟
هل كان الوقت مساء ؟
لا يفصلني حزنُ اليوم عن الغدْ
لن يبعدني الكائنُ عما سيكونُ
ولا القربُ المستيقظُ من حولي
عن زمني المستلقي فوق سرير البعدْ).
يرفّ على طرف الأهداب الممدودة خيطٌ أخضر
يمتد زمنٌ آخرُ ينبت تحت القشرة
والجسد الشجري يعيد بناء خلاياه
الشمس تضيءُ
الغيم يجيءُ
الأرض تفيءُ.
(هل الأشجار تموت؟
هل كان الفصل خريفاً حقاً؟
هل كان الوقت مساء؟).
صخبُ المقهى
الأحداق الحجريةُ
أرتالُ اللوطيين
العمالُ المفصولون
الأشجارُ
العشاقُ الجدُدُ
القدماء
القرويّون
الحافلةُ
الشارعُ
منصورُ يغالبه الإعياءْ
يفتح عينيه على صوتِ النادلِ:
هل تشرب شيئا ً؟
………
وتجوب الحافلةُ الشارعَ
باهتةٌ كل المرئيات أمام عيوني
باهتةٌ قامات الناس.
(أصابع كفي المرخيّةُ أوراقٌ ذابلةٌ
تتراقص كالأشباح
تطول أصابع كفي المرخية…).
ينهض من جوفي نهرٌ لهبيٌّ محمومٌ يصعد حتى قمةِ رأسي
يستيقظ طيرٌ في لونِ اليأسْ
ينقر صدغي
يبصق في جمجمتي
يتركني فوق المقعد منفوخَ الجثةِ والرأسْ
مثقلةٌ ذاكرتي بهموم الأمسْ
وتعود الحافلةُ تجوب الشارعَ
والنادلُ رقاصُ الساعة
يغدو ويروح
ومنصورُ يراوح بين الحلم وبين الإغماءْ
والمقهى منتفخُ البطن
كلابُ الصيد
اللوطيون
الغرباءْ
والعشاقُ تناءوا في ذاكرةِ الليلِ
ومنصور وحيداً
كان يقاتلُ
يفتح في القلب سماءْ
ينتشل النجم الآفل في قاع الكأسْ
منصور سجيناً كان
ونافذةٌ في أعلى الرأسْ
يفتحها للعشاق القدماءْ
منصور كئيباً كان
سجيناً كان
وحيداً كان
ولكنَّ الأصداءْ
تفتح في القلب سماءْ
هل كان الفصل خريفاً… حقاً ؟
هل كان الوقت مساء ؟
ذاكرتي مثقلةٌ هموم الأمسْ:
ناصيةُ الشارعِ مطفأةٌ
والدمع رمادٌ محترقٌ بين سراديب النفسْ
طابورُ الناظر يربدّ كليلا
والأعينُ جَمرٌ منطفئٌ ورمادٌ في موقدةِ الرأسْ
حزني ممتدٌ كالطابورِ
وذاكرتي مقفلةٌ كالحدوةِ بالحزنِ
ومثقلةٌ مهمومِ البارحةِ الأولى
لكنَّ دمي في ناصيةِ الشارعِ
انبجس الماء
وفارقني الإغماء
تذكرتُ جميعَ الأسماء
وحاورتُ جميعَ الأسماء:
أهلاً… من جاء بك الآن إلي
وأنت أسير قيودك، أنت أسير سجونك ؟
أنت أسير الوطن الجاثم في أقبية السلطان
من جاء بك الآن ؟
تجاسرتُ
ألغيتُ كل مواعيد قتلي
وجئتُ
من جاء معك ؟
طابور يمتد طويلا
كل العشاق معي هل تذكرهم ؟
هل تذكر..؟.
(ذاكرتي كانت مطفأةً
أشعلتُ دمي في ناصية الشارع
لطّختُ يدي بالموج الأزرقِ
فانفتح القلب خليجاً
رفّت أشرعةٌ ونوارسُ بيضاءْ
توصل ما بين الأرض وبين الماءِ
تذكرتُ جميع الأسماءِ
وحاورتُ جميعَ الأسماءِ
وفارقني الإغماءْ)
أهلاً بالصوفيّ العاشقْ
كيف حملت الوطن المعشوق معك ؟
قد كان المنفى بيتي
والسجن خيوط قميصي
أعرف أنك مشتعلٌ بالوطن المعشوقْ
من يطفىء فيك دمك ؟
عادت ناصية الشارع تنضح بالأنجم والموج
وبالغيم الأزرقْ
عادت ذاكرتي تطفح بالعشاقْ.
حمده خميس
– من مواليد 1946. عضو مؤسس في أسرة كتاب وأدباء البحرين. صدر لها العديد من الكتب، منها: “اعتذار للطفولة”، 1978؛ “عزلة الرمان”، 1999؛ “مس من الماء”، 2000؛ “في بهو النساء”، 2005؛ “إس إم إس”، 2010.
المرأة الجالسة قبالة البحر
هذه المرأة التي تجلس قبالة البحر
.. المرأة التي تجلس القرفصاء
المرأة المنحنية على جسدها كتاء مربوطة
تجلس على رمل ينهار للنأمة
المرأة التي يرتديها السواد
بين المبتدى والمنتهى
تجلس بين برزخين في عتمة الوجود
المرأة التي تحدق في أفق غامض
من وراء كوتين في جدار الغياب
المرأة التي إذا لامسها الماء أجفلت
إذا ندهت عليها الأقاصي انكفأت
إذا مسها الهوى والهواء
شهقت من لذة..
واحترزت.
المرأة التي..
تسكن بين ألف لينة
وميم ترتدي قبعة السكون
في السكون سكينة وظل
امرأة لا تحبك ظلالها
وتجلس قبالة البحر
تجتر أحلامها واحدا واحدا
وحيدة مستوحشة
تلتف بالعتمة ويكتبها المحو
تلك هي المرأة ذاتها
رأيتها بالأمس..
رأيتها من زمن سحيق
أظنني أراها كما هي في الزمن البعيد!
جالسة قبالة البحر تحدق ..
لا شهوة الإبحار تأخذها
لا لذة العصيان في أحداقها …
تحدق..
لا ترى في الألف الشامخ
قبساً من الإله
الألف المتوج بهمزة كالعين
ترصد الأمداء
الألف الساطع كالمنارة
منتصبا يضيئها في عتمة
السنين.
المرأة الجالسة قبالة البحر
منكفئة ..
دائرة أغلقت بقفلين
قوقعة الصدى والخواء..
وحيدة ألقى بها العصف
في وحشة الوجود
تعد حبات الرمل
الرمل في غفلة ينسرب
الرمل لا يحفظ السر
لا يبقى في قبضة
الكفين.
***
المرأة التي تجلس قبالة البحر
لا ترى في البحر
غير ثوبها الطويل
لا ترى النوارس
في فضائه طليقة
لا ترى الموجَ
في رجعة الموجِ
يعيد منتشياً
مبدأ التكوينْ
لا تسمع النشيد في النشيج!
***
المرأة الجالسة قبالة البحر
هل قرأت في ألف اسمها
أعمدة السماء؟
في ميمها موجاً
ومرجانا وميلادا؟
في رائها روحاً وريحانا ورعدا؟
***
الماء ضحضاحٌ
البحر لا جزر ولا مدُّ
المرأة التي تجلس قبالة البحرِ
مرتاعة ً
لايغاويها وضوحُ الماءْ
والبحر لا يهدأ..
لا الأفلاك في حكمة المدارِ
لا الكائنات في قدرة الأسرارْ !
لماذا المرأة التي تجلس قبالة البحر
لا تشتهي السفر؟
البحر يهدرُ
يرجه عصف
اللجة في عنفوان الطيش تأتي وتنفجرُ
المد بعد الجزر يرتفعُ
لابد بعد الجزر من مدٍّ
لابد بعد الأسر من كسرٍ
لابد من ريش بعد طراوة الزغبِ!
***
المد يعلو ويعلو
المرأة التي
شلها رعبٌ
همّتْ…
لكن سر الكون أن العصف أقوى!!
***
كانت هنا امرأة
جالسة قبالة البحر
كانت هنا امرأة…
كانت هنا ..
كانت .. .. ..!!
قاسم حداد
– ولد في البحرين عام 1948. تلقى تعليمه بمدارس البحرين حتى السنة الثانية ثانوي. التحق بالعمل في المكتبة العامة منذ عام 1968 حتى عام 1975. ثم عمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام من عام 1980. شارك في تأسيس “أسرة الأدباء والكتاب في البحرين” عام 1969. وشغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها. تولى رئاسة تحرير مجلة “كلمات” التي صدرت عن “أسرة الأدباء” عام 1987. أطلق (منذ العام 1994) موقعاً في شبكة الإنترنت باسم “جهة الشعر”. وله عشرات المؤلفات آخرها: ” أيها الفحم يا سيدي، (دفاتر فنسنت فان غوخ)”،2015 ؛ “ثلاثون بحراً للغرق”، 2017…
هل أنت في الكون؟
(إلى طرفة بن العبد)
لا أحدٌ يدركُ كُـنْـهَ السؤالِ
سوى موغلٍ في الغياب
ولا أحد يستحق اللحاقَ بنيزكِ أخبارِنا الهاربة
غير أحلامنا الكاذبة
لا أحدْ،
لا أنتَ في عتمة النص
ولا فهرسٌ في كتابٍ
ولا فضةٌ ذائبة
هل أنت في ما تبقى من الكون؟
ليت الذي يرسمُ القوسَ لي
يبتلي بالضروريّ مما تبقى من المسألة
ليته يُدركُ،
أو يتداركُ، حكمتنا المائلة
ليته،
وهو يُمعنُ هندسةً في المحالين للموت،
يُصغي لهذا الأنين
ليته يكشفُ الكائنَ الأوليَّ ومَـنْ أوّله
ويشرحُ للمؤمنينَ به
سامَحَ الله..،
كيفَ تسنى له أن يؤثثَ فينا الشظايا
وكيف تيسرَ وقتٌ يؤلفنا في الكتاب
وكيف تراءى له القتلُ مستقبلاً
وكيف تماهى،
على غفلة اللهِ، في سنبلة
هل أنت في مستحيلٍ من الكون؟
هل تهكمتَ في حضرة الله
هل فاتكَ الموتُ فيما تـَـدافعَ تسعونَ نحو القذيفة
يستجوبون رسائلها
هل تضرعتَ كي تضعَ الحربُ أوزارَها
وكي يندم الشهداءُ قليلاً
ويبتهجُ القاتلونَ
وتجهشُ ثاكلةٌ وهي تقرأ أخبارَها في الغموض
وهل يعرف اللهُ أسرارَها؟
هل أنت يا سيدَ الكون.. في الكون؟
إضحكْ قليلاً
أين أنتَ عن أطفالي. لقد صَلّى لك الكون. الرجالُ ركعتْ والنساءُ سجدتْ. وتضرعتِ الحشودُ لئلا يطالَها عسفٌ. ولا يسحقها ظلمٌ. ولا تلهو بها متاهة. أين أنت لكي نُصدّق أنكَ هنا. هل أنتَ هناك. ومن نحن لكي ندرك من أنت.
كيفَ يُمكنُ الظنّ. وكيف نصدُّ شكاً ضارياً. وأنتَ لا تضحك لنا ولا تمنع عنا جوعاً ولا عطشاً. تعبسُ في وجوهنا بالرهبة. تسمِّي الشمسَ لنا والظلَّ علينا. إضحكْ قليلاً يا الله. نحبك مبتسماً. لنقنعَ أطفالنا بالصلاة.
إبراهيم بوهندي
– من مواليد البحرين المُحرَّق- عام 1948. رئيس أسرة الأدباء والكتاب في البحرين حالياً.صدر له: “إذا ما طاعك الزمان ” و” سرور”- مسرحيتان شعريتان بالعامية البحرينية؛”هل يجف القلب”-مسرحية ؛ أحلام نجمة الغبشة – مجموعة شعرية بالعامية؛”أشهد أني أحب”، مجموعة شعرية 1987، “الوطيسة”، نص شعري 1994؛ “غزل الطريدة”، مجموعة شعرية 1994؛ “قيام السيد الذبيح”، مجموعة شعرية 2006.
أبعد ظلّكَ عن شمسي
للشوق في لغة المحبةِ
كلُّ أسرار التجلّي
فاغمد سيوفك
وابتعد
ها قد فتحتُ على الهوى
بابي
وهيّأني الحبيبُ
لكي أصلّي.
من كان في محرابهِ
عشقُ الأحبّةِ
يصطفيه الحبُّ
يبعثُه
ليرسل حبرهُ
في ما يصوغُ
وما يُجلّي.
ها إنني أسعى
إلى حلمٍ
يُفيض على الحنانِ
يُعيضُ من دفء القلوبِ
عن المكانِ
هنا أحاورُ بالورودِ أحبّتي
متهجّداً
أتلو كتاب محبّتي
وهناكَ آلافٌ من العشّاقِ
يتلون المحبَّةَ
في كتاب العشقِ
مثلي.
فاطلق سراح الشوقِ
في أوتارنا
صوب الفضاءِ
فما لنا
إلاّ التعانق بالغناءِ
وما لمن
يخشى محاورة الحروفِ
سوى الكتابةِ في الهواءِ
متى تهبُّ الريحُ
يمضي ما كتبتَ
يحوم حول الأرضِ
صوتُ الحبِّ
يمطرها
رياحيني وفلّي.
ها أنني وجداً أصلي
في غرام الحب
في بعضي وكلّي
للذي لم تعطني
للضوءِ
فابعد
لا تقف بيني وبين الشمسِ
أرجو نورَها
ليسير فوق الدربِ ظلّي.
رقصة المطر
(1)
حبيبتي والليلُ والمطرْ
ولحظة انطلاقنا تنقلُنا
فنسكن القمر
حبيبتي تهمس لي
أغمض عينيّ
أراها تسكن النظر
(2)
حين يجيء الليل يا حبيبتي
وتدخلين في دمي
وتسكنين أنجمي
وأُستهام بالرؤى فأسكرُ
وتفتح الدروب في قلبي منىً.. فأعبرُ
ينطلق القدحْ
ترتفع الأشواق عند غيمة ويمطر الفرحْ
أحملك فوق شفاهي قبلةً
لو رسمت ينفجر السكوتْ
أحملكِ فيَّ وبحرٌ بيننا
أحاول العبور
أطير فيك .. عالمي أنت
فهل تنتصر الطيور؟
(3)
في وجهك الأقمرُ تجري
طاردي ليل عذابي تمطر السحابه
في حبك يبدأ عمري.. أشعليني
تبدأ الكتابة
وطهري قلبي من الحزن الذي
علّم عيني لغة الكآبه
(4)
حبكِ الواعد ظلٌّ
وأنا أحمل في القلب حريقْ
حبك الواعد غيمٌ
وأنا انتظر السقيا ليخضرَّ الطريق
حبكِ الواعد أنتِ
وأنا العازف والراقص والشادي
وعمرٌ يستفيق
ظلليني واغسلي الليل بإشراق هواك
أدخلي فيَّ رحاقًا ورحيقْ
(5)
وطنٌ قلبي
وأنتِ كلُّ من في الأرض..
هل يتسع القلب لك؟
قمرٌ قلبي
وأنت كل من في الضوء..
هل يهديك للدرب..
وهل يمضي بكِ؟
سافرَ القلب وأنت كل دربي
سافر القلب
فهل يدخلك الحب
تكونين محطاتي
وتجوالي
وصَبِّي.
علي الشرقاوي
– من مواليد المنامة – البحرين عام 1948. شغل رئاسة أسرة الأدباء والكتاب لعدة دورات إدارية. صدر له العشرات من المجموعات الشعرية والمسرحية باللغة العربية الفصحى وبالعامية البحرينية، منها: “الرعد في مواسم القحط “،1975؛ ” تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة”، 1982؛ “سواحل صيف”، 2000؛ “حوار شمس الروح”،2001؛ ” الأميرة تمارا ومسرحيات قصيرة أخرى”،2017.
النوراني
إنه
قطرة النور
نورجَ أيامه بنسيم الكواكب
دحرجها في خيال التراب
إنه
جسد لشعاع اللغة
في أصابعه ينبت الضوء لحنا طريا
فيطعمه بحليب الغيوم
وغصن ثقافة حلمٍ يطلّ على المستحيل
وفاكهة الاغتراب
إنه
بلدٌ لكلام النبيين المرتدين سنا الأبدية
ما بين عشبٍ ونهرٍ
يغطي نهاراته بالحجاب
له تتفتح كالزهرة القمرية روح الهضاب
وتفتح أوراقها للمصلين
بين ختان السنابل
والقبلات التي تتسامق مثل المجرة في هذيان
السحاب
كائن النور كالضوء في الضوء
يخفي علاقاته برحيق الزمان
ويمتدّ
يمتدّ
يمتدّ
مثل الحديقة في قامة الروح
قد نلتقي بعلاماته في فضاء الإشارة
أو صهوة الاستعارة
أو في مجاز الشوراع
قد نلتقي…
ثم قد…
ثم ..
ها هو الىن في دمنا
يتجول كالريح بين ربيع عناصرنا
راهبٌ كسؤال البحيرة عن سرّها
راهبٌ في كهوف الفضاء
له لحية الماء
ينتمي لزهور مشاعره
له كل شيء هنا وهناك
وليس له شفير انتماء.
ابتسم للحياة
ابتسم
ابتسم
ابتسم
ابتسم لهديل الصباح
ينط على شهقة الأرض
مثل حنان الكناغر قبل صياح السحر
ابتسم للهواء المتاح
كأن المجرة في الكف
تقرأ تاريخها الإستوائي بين مسار الحروف
وهسهسة البذرة المستفزة كل خلايا الشجر
ابتسم لصلاة اللقاح
الذي في زوايا الفضاء
يمد كواكبه في مشاعرنا
ومراكبه لا تمل دخول فضول السفر
ابتسم لاحتقان الجراح
مهيأة للتمفصل
تكسر في رمانة القلب عزف الوتر
ابتسم لبريد النواح
ابتسم
ابتسم
ابتسم
ليدٍ في الظلام
تهز سرير الإضاءة بالهدهدات
و تملؤه بسنا صلوات النبيين
ما بين بكة والقدس وطور سينين
تشق عناوين ليل الحجر
ابتسم
ابتسم
ابتسم
للهواء المكعب
يدخل في القصبات المحاطة بالعسكريين
وعزف نزاهة سورة ياسين
في شقشقات الوتر
سترى وردة الإنسجام
تعيد صياغة شكل الخلايا
وتحذفها في احتفال السلام
ابتسم
ابتسم
ابتسم
ابتسم لكأن حياتك ترعى
على ضفة الابتسام.
عبد الحميد القائد
-ولد في المنامة عام 1948. شاعر ومترجم وروائي. صدر له : “عاشق في زمن العطش”،1975؛ ” صخب الهمس”، 2003؛ ” اللؤلؤة وأحلام المحار، انطولوجيا الشعر البحريني المعاصر، مترجمة للغة الإنجليزية”،2007؛ “غربة البنفسج”،2010؛ “ما عاد شيء يهم”، 2015؛ “وللعشق رماد-رواية”، 2016؛”طريق العنكبوت-رواية”،2019.
الباب الأخير
(1)
لا تَقْفِلِي البابَ في وَجهِي
كما فَعَلَتْ الرِّيحُ
فَأَنا قادِمٌ مِن جَزيرةٍ سَلخوا فيها وَجهِي
رَبَطوا رُوحِي بالأصفادِ
كي لا أعدوَ إلى القَصيدةِ
هَجَرَني المَوجُ وأَنا أُعانِقَ البحرَ
فالتَقَطَتْنِي النَوارِسُ
رَمتنِي وقَميصِي في النَارِ
ما زالَ قلبي يَحترِقُ
ونجمةٌ بَعيدةٌ تلوِّحُ لِي إليكِ
(2)
لا تَقفلِي البابَ
اتركيهِ مُواربًا مُنتَظِرًا قُدُومِي
فِي ليلةٍ غيرِ مُقمِرةٍ
فأنا ضَوئِي يَقهَرُ الظُلمَةَ
رُوحيَ تَشِعُّ كالبَلُّورِ في التَجَلّي
لِذلك يُريدونَ إطفائِي مثلَ سِيجارَةٍ
وما تبقَّى مِن الوَقتِ قَليلٌ
فَارتَدَيتُ عَباءَةَ العَرَّافِينَ
وَأَنا أَجْهَلُ قِراءَةَ الحُرُوفِ بِعَينِي
فَلِيَ أَبْجَدِيَّاتِي التي تَفُكُّ تَشْكِيلَةَ السُحُبِ
وَغَيْبَ المَطَرِ القَادِمِ مَعَ رِيْحِ الشَمَالِ
وسِحْرَ الأفَّاقِينَ
ولصوصَ الفَرحِ مِنَ القُلوب
(3)
لا تَقْفِلِي البَابَ فِي وَجْهِي
فالليلُ في الخَارِجِ مُمْطِرٌ
السماءُ تَهطِلُ ضَفَادِعَ وأَحيانًا فِيَلَةً
والأماكِنُ تَبَعْثَرَت مَعَ المَواقِيتِ
وأنا هَرَبْتُ إِلى حيثُ العُزلَةِ نَجَاةً
مُتَهَيِّئًا لِوُلُوجِ النَفَقِ الضَوئِيّ
المُمتدِّ إِلى مَا لا نِهايةٍ في الفّراغ
حيثُ لا أَدري مَنْ سَيَلتَقِيْنِي
في نِهَايَتِهِ المُرعِبَةِ
هناكَ حَيثُ الفضَاءُ بِلا أَجسَادٍ
الأَدِيمُ بِلا سَمَاءٍ
ولا أَحْجار
فلا تَقفِلِي البابَ الأخيرَ أَمَامَ طَلَّتِي
كَيْ أَعُوْدَ إِلى جَسَدِي
حينَ أَقفِلُ رَاجِعًا
مِن مَتَاهَاتِ الغَيْب
منمنات
(1)
أَحملُ الَزمَنَ عَلى رَأسِي
والعَالمَ عَلى ظَهْري
والسَماءَ عَلى كَفَّي
واعدُو نَحَو البَحرِ
فَربَّما لا تَزالُ
سَفِينَةُ نُوحٍ بِانتِظَارِي
(2)
هَذَا المَسَاءُ
تُفتَحُ أبَوابُ المُحَاكَمَةِ
بِدونِ قُضَاةٍ
نَتَواجَهُ أنَا وَأنَا
فِي مُرَافَعَاتٍ مُزعِجَةٍ
البَرَاءةُ غَيرُ مُحتَمَلةٍ للطَرَفَينْ
(3)
أيَّهَا القَمَرُ
اتْرُكْ جُنُونِي يَستَحِمُ بِنُورِكَ
كَي يَنهَارَ غَمَّي الشَاهِقْ
(4)
تَسهَرُ أيَّها القَمَرُ طِوالَ اللَيلِ
لتُنِيرَ ظُلُمَاتِهِمْ
وَتُغفلُ إضَاءَةَ دَهَاليزِ أرْوَاحِنَا
يَا قَمَرَنَا البَهِيّ
كَفَاكَ تَمْييزاً
(5)
أنتمْ تَحْشُرُونَ الطَرَيقَ نِياحَاً وَنَشِيجَاً
وضَجِيجَاً عَبَثياً
وَرُبَّما سَكَاكِينَ خَائنةً
وأنا مَشَغُولٌ بِنقشِ أشْعَاري
عَلى أغصَانِ النَخِيلِ
كي تَقرَأُهَا قَطَرَاتُ النَدَى
(6)
أيَّهَا الوَطَنُ
أنتَ فِي قَلبِيَ
وَلَكنْ لا أرَاكْ
(7)
قَالُوا ازْرَعْ وَردَاً تَنْجُو
لَمْ يَجِدْ أرضاً خَاليةً حَولَهُ
فَزَرَعَهَا فِي عَينَيهِ
(8)
كَيفَ أُجَفّفُ كُلَّ هَذَا الحُزنِ
وَقِطَارُ الليلِ يُسَافَرُ بِي
وَيَخْتَفِي فِي نَفَقٍ مُحتَرِقٍ
(9)
كَيفَ يَبدأُ الغَرِيْبُ
الَذِي أضَاعَ طَرِيقَهُ مِنْ جَدِيدْ
وَكُلُّ المَسَارَاتِ غَارِقَةٌ فِي العُتْمَةِ
الطَرِيقُ رَحَلَ قَبْلهُ
وَسَبقَهُ إلى الَلامَكَانْ.
سعيد العويناتي
-من مواليد البحرين-البلاد القديم، عام 1950. تخرج من جامعة بغداد. عضو في أسرة الأدباء والكتاب. تُوفي في السجن عام 1976. صدر له: “إليكَ أيها الوطن.. إليكِ أيتها الحبيبة”، 1976.
الطريق المؤدي إلى المهرجان
تذكّرتُ قد جاءني وجهها في المساء؟
استعدتُ الملامحَ
كانتْ رصاصيةَ اللونِ
عينٌ تُقبّل أخرى
ووجهٌ
تفوح الأزاهيرُ منه
قالتْ: وكان المساءُ يغطُّ قليلاً
أتَذكرُ حين التقينا معاً في الطريق المؤدي إلى الموت؟
قلتُ: نَعَمْ،
والتمستُ الفجاءةَ
كانتْ طريقاً إلى الرفضِ
هل تذكرينَ البلادَ التي أودعوها المتاهاتِ
روما تذكرتها زهرةً لم تمُتْ
والقلاعُ التي خبأوني بها لم تعشْ
قالتْ والحياءُ يلفُّ ملامحها الأنثويةَ
هذي بلادي أعانقُ فيها ارتجاجاتها،
لحظةَ الدفء كنا نعيد الكراريس أبياتها
والأنبياء يجيئون،
قديسةٌ قريتي
والجدار احتمينا بهِ،
برهةً جاءت اللحظةُ الفاجعَةْ
لم يَعدْ وجهها حاضراً
خبأوه،
اعتراني الألمْ
قلتُ: أين الحبيبة؟
أين الطريق المؤدي إليها؟
ولاذ الجميع إلى الصمتِ
“هذي هي المهزلة”
كي أعيدَ الحبيبةْ
جندٌ يسدون وجهَ المنافذِ،
سجنٌ يضمُ العصافيرَ
قلتُ: احتقرنا.
أفيقوا هنا الوردُ،
هل تذكرون؟
العصافير نامتْ
وكان المساءُ يعيدُ التذكر من يستفيق؟
البلادُ تحاصرها ثلةٌ من جنودِ الخلافةِ
وحشٌ يشرِّعُ أنيابهُ للقتيلِ
اختبأنا إلى حين
كان الرصاصُ يئزُّ،
الشوارعُ كانتْ هلاميةً
فجأةً حاصرونا
إلى السجن كنا نروحُ معاً
طفلةٌ من بلادي مع الليل ذابتْ
وذابَ الطريقُ المؤدي إلى الخوفِ
من يذكر اللحظة الفاجعةْ؟
كان جندُ الخليفةِ صفاً من الحقدِ
يرسمُ وجهَ القتيل ووجهَ الشهيدِ
ووجهَ الذي كان توّاً معي
أودعوه القلوبَ التي لن ترى السوءَ
لكنْ ترى الأنبياءَ التي تحمل الريحُ أسماءَهُم
صحتُ: أين الطريق المؤدي إلى الموتِ؟
قالتْ: تذكرتهُ،
ها هو الجسرُ
هل تعبر الجسرَ؟
كانت حشودٌ من المتعبينَ
تردد لحناً على شكل أهزوجةٍ
والشوارعُ بحرٌ من الناس ملتفةٌ
قربَ هذا الطريق المؤدي إلى العرسِ والمهرجانِ
التففنا معاً.
قالت: الآن همساً هو الدربُ هل تقدم الخطوَ؟
قلتُ: اسرعي،
إنني أبتغي المهرجان المؤدي إلى العرسِ،
صوبَ الجموع التي أرهقتها العذاباتُ.
كانتْ جموعٌ تردد لحناً على شكل أُهزوجةٍ تمنحُ الدفءَ في الليلِ
قلتُ: اسرعي،
فجأة.. هذا هو العرسُ والمهرجانُ المؤدي إلى الخبزِ
هل تذكرين؟
احترقنا رماداً،
هتفنا الأهازيج والنايُ لونٌ يبعثرُ ألحانهُ.
حروفٌ تمزقُ إغفاءةَ الخوفِ فينا،
اقتحمنا حدودَ اجتياحاتِنا
والهتافُ يعاودُ ذكرَ المجاعةِ
والنارِ والظلمةِ المستقرةِ بين الشواطئ
هذا طريقٌ يعمّقُ فينا صدى الحلمِ
يخطو بنا،
يكشفُ الزيفَ من وجهِ طاقيةِ الصولجانِ المخثّرِ بالظلِّ
استراحَ الجميعُ،
استلذّت ببنا جولة الظهرِ
سربٌ من القملِ في رأسهِ لعنةُ الحكمةِ
البائتةْ
كلن يصحو على وخزةِ الخوفِ
سربٌ من الضفدعِ الأردنيِّ
الذي يرسم الدربَ وحشيةً.
في المساءِ استحالتْ بلاديَ حرباً وعشقاً
وصار اقتحامُ المجاعةِ فينا
طريقاً يهدهدُ نعشَ المصلينَ
جندٌ على هيئة القم والضفدعِ الأجنبيِّ المعلبِ،
يخطو ويخطو بطاقيةٍ من حديدْ
على جانبيه ارتعاشٌ
قذفناهُ
لم نعبأ الآنَ
كتبنا على وجنةِ العُشبِ
والماءِ والشجر الأبيضِ اللونِ
ذي الرعشةِ الراعفةْ
(وطنٌ حرٌّ .. وشعبٌ سعيدْ)
هتفنا جميعاً،
من الفجرِ جئنا جميعاً
صحونا،
كتبنا على البحرِ أُنشودةً
للمطرِ الحلمِ وللماءِ
رجعنا الصدى
قلعة تستضيفُ المجاعةَ والنايَ
كنا ندورُ،
ندورُ،
ندورُ.
الشوارعُ.. كنا ندورُ
الهتافات.. كنا ندورُ
التففنا على ساعديهِ الوطنْ
يرسمُ الظلُّ خطواً فخطواً
صعدنا الممراتِ درباً
مشينا الوعورةَ،
لكنْ: تفاجئنا الصلواتُ الغريبةُ
حين استفاق الجميعُ
المناشيرُ خبزٌ ورائحةُ الخبز فيها
السنونُ المضَتْ
من يُفيقُ السنينَ المضَتْ؟
فارسٌ يزرعُ الشمسَ في الأرضِ
حلمٌ هو العرسُ
عشرون،
عشرون.
عشرونَ دهراً من العمر حلمٌ
هو الشهرُ تنبتُ فيه البلادُ ولادتَها المستفزة
يستشرفُ الشهرُ أن يمحي
مقبلٌ موعدُ المهرجان الذي نكتبُ الآن تاريخَهُ
حينها نرقصُ الليلَ كلّه
ونغفو من التعب الفوضويِّ
الذي أرهقَ القلبَ والرأسَ
عشرون عاماً ولاداتهُ الراعفةْ:
“جيمٌ، تاء، واو، باء”
حلمٌ هو العمرُ،
إغفاءةٌ
فجّرَ الرعدُ فينا صغاراً حكاياتهِ التي ترسُ الخطوَ
للثورةِ القرمطيةِ فينا
وتُنبث شكلَ انتفاضاتنا القادماتْ.
يعقوب المُحرَّقي
– ولد عام 1950. شاعر ومترجم ومخرج تلفزيوني. نشر مقالات في مجال الكتابة السينمائية والفنية والترجمة في بعض المجلات والمواقع . صدر له :”عذابات أحمد بن ماجد”،1973؛
” أبواب مشرعة / شعر إدوين مدريد – ترجمة”،2003.
جوجو لم تأتِ ماتيلد، ولم ترَ غوغان
(إلى حنجرة جاك بريل جوجو في وداع مادلين)
ذهبتَ إلى خُلدِ اللحن وجنّةِ الغناء/ لم ترَ “غوغان” في لوحتِه الناريّة يشاغبُ صبايا تاهيتي بألوانِ الطيور/ يداعبُ بريشته سماءَ الغربة/ لم يجِئ لأنّ ربَّ الكون كان يُلقّنه أسرارَ الحياة/ مهامَّ الفتح/ منصرفًا إلى تعريف المنتهى/ قواعدِ الرغبة/ منشغلًا بتلوينِ الشمسِ النائمةِ على خدّ المحيط/ لاهيًا بقطف تفّاحةِ الجحيم/ ثمِلًا بأناشيدِ داوودَ في سدرةِ المُنتهى/ لم تُلاقِهِ لأنّ بصرَك كان يغزل لحنَ الوداع/ توديعةَ أصدقاءِ الحانة/ مادلين ساعتَها تُهدهِدُ سريرَ النعيم/ تُرضِعُ صبيّةَ الحنّاء بحليب العشق النقيّ بثديٍ ورديِّ الحلمة/ بالآخَرِ تُسقي ملاكَ الماءِ في لوحة غوغان على نهر الليلك/
لم ترَ حتّى رداءَ غوغان الموشّى بأزهارِ تاهيتي/ قبلاتِ صبايا النُهيْر حيث يغترفنَ شَهدَ الماء/ يَقترفن خطيئةَ الشبق/ لم ترَه لأنّ غوغان ساعتَها كان يخطُّ بقصبِ ألوانه/ مداد وَلَهه/ تعريشةً من عنبِ الأبد على شمع الجنّة/ نصًّا مقدّسًا قداسةَ اللونِ/ ومتساميًا كجِيد بغيٍّ مطرّزٍ بعقد زيتونِ حيفا في زفافها/ حبّاتِ رمّانِ قرطاج في تواشيحها/ منشغلًا ببوصلة الماء/ ترنيمةِ المدى على أطراف مخملِ الهوى لصديق الوحشةِ الذي لم تبقَ له سوى أذنٍ واحدة/ ريشة تداعبُ صمتَ حقلِ عبّادِ الشمسِ تحت وهج السديم/ فراق الصبيّة حاملةً أذنَه الثانية إلى ماخور الهدى/ تنويعة الصدى/ نغم صلاة العاهرة/ تعويذة الرُعيان في ليالي الشتاء/ خمرة عسس الليل في هيامهم تُرَجّعُهُ الجبالُ في مهبّ قلب آرل الرحيمة/
اشتياق القرطاس ينمنمُ حروفَ الخَديعة/ يُخادعُ نقوشَ الأبد/ عليه يَزرعُ الأُذنَ الجديدةَ للأصمّ في عزلته/ المتوحّدُ في صومعة اللون ومشكاةِ الريشة يبتهلُ إلى سيِّد التراب والماء/ نجمِ البيلسان/ شمسِ عبّادِ الشمس/ رائحةِ قوس القزح/ تجلّياتِ البرق/ سنونوةِ الربيع في اخضرار العود/ جنونِ القيثارة وبوح الأريج/
لم ترَه لأنّه يُسطّرُ على سرير الحبيبة أناشيدَ المُنتهى/ ينقشُ عقيقَ الشهوة/ مُنشَغِلًا باستكشاف حمرةِ الدم على سكّين الأضحيّةِ المفقودة وآثار الأذن الذبيحة/ لم يجِئ في غبار الطريق/ لكنّه قادمٌ في مستقبل اللحن/آتٍ في خاصرة النوم/ سناءِ نساء تاهيتي الشامخات بوهج الرغبة/ ليعانق شبقَهنّ السرمَديّ/ يَحضنُ ربيعَهنّ الريّان السَخيّ/ سيأتيكَ مُحَدِّثًاعن عبث الدهر/ لوعةِ البورجوازيّ النبيل/ قُدسيَّةِ العاهرات/ لعنةِ القوانين/ سطوةِ الخنجر في يد القرصان/ يَسرُّ إليك عن الأذن المسروقة بفتوى الربّ وشراكةِ الشيطان/ يهمس لك بأسرار عبّادِ الشمس/ وشاحِ النهر/عَبَقِ السبيل/ حذاءِ الناطور/ خَديعةِ الثعلب/ سورِ الجنّة/ مفتاحِ الدهاء.
سيأتيك مُضمّخًا بجنون كرسيّ الإله/ مثلّث الشبق بين فخذيْ عاهرته النائمة على عشب السماء/ ستُلاقيه بإذن نبيّ الضياع مداويًا جِراحَ اللون/ كرسيّ العرش/ مُطبّبًا فَراشي السهاد/ سهد الفتنة/ سَتراهُ في أفق السرّة/ سريرَةِ الندى/ سيرورةِ النهى/ سطوةِ الخيل/ سيَراكَ في إزار الوَله/ قميصِ التدَلّه/ قبّعةِ الحصاد/ حنطةِ البوح/ في المباح وغير المباح/ في شمشمة الذئب لدماء سكّين الغدر/
فانتظرهُ هناك/ انتظرْه عند مصبّ النهر/ ملتقى العشّاقِ ونداءِ الطير/ انتظرْه حتّى يغطّ عبّادُ الشمس في تلاوة صلاةِ المساء على ماء الشهوة/ انتظرْه حيث تُطهِّرُ عاشقاتُ الحقل جرارَ الرغبة/ تملأ الصبايا أوعيةَ الغربة/ انتظرْه حتّى يطلّ إلهُ اللون الأصفر على صهيل معراجه الأبيض/ حتّى تقطُرَ دموعُ المسيح من رغيف يهوذا/ تَضع أكتافه الهزيلة صليبَ الأسى في حضن مريم وسديم الأبد/ سيُطلُّ كوجه عاهرةٍ طهَّرَها النوم/أسرَتها حلاوةُ المضاجعة/ سيأتي بكراسيه الباكية/ رأسه المعصوبة/ أذنه المفقودة/ عاهراته النائحات/ ريشه المخضّب بحنّاء الدم/ سمّ الأسى/ غبار الوقت/ هيام الطير/ برذاذ مزهريّاته/ عفن فاكهته/ نكهة أساريره/ اختلال توازنه/ سيأتي بباب مَشفاه/ عَرجِ مشيته/ ستَراهُ في مشيمة الفرح/ فرحةِ الولادة/ سيأخذكما نوتيّ الخيال إلى قنوات أمستردام/ مرابعِ روتردام/ حنان التوليب الملوّن بشال أميرات الماء/ ستُحَيّي قداسةَ جدّك رامبرانت في جلالة طلعته/تطلع في عيونكما أسئلة الشكّ/ بين أيديكما تتفجّرُ ينابيعُ الشمعدان/ لاهوت إسبينوزا في حرقة السؤال/ ستكون شاهدًا على لوعتكما/ لا تنسَ تلاوة الوصايا والمدائح التي دوّنَها شيخكما أرازموس بمشاركة آلهة الجنون/ ستكونان ضيفان بخفّة الريش على قوارب بحّارة أمستردام ونوارسها/ سيرسم لكما فان غوغ البورتريه الأخير في وليمة الحشيش/ أعشاب البحر/ سترسل يا جوجو أحلى أغانيك إلى غانيات الموانئ الجوّالة/ كائنات البحر/ ستكون لكما جلوة العروس/ جولة الطاووس في فناء بيت الله/ سهول الأنبياء/ ستحييكم الأبقار بحليبها/ نَقّارُ الخشب المشغول بنحت اسمَيكما على أشجار اللوز/ سيُهديك قيثارةً/ لغوغان حاملًا للوحلاته المنثورة في مهبّ الخليقة وحقول اللافندر/ ستُمشّطُ كلماتُك بحنوّ الفراشة شعرَ ماتيلد التي ستطير إلى لقائك/ لن تَترككَ متوحّدًا في بهاءِ الصوت/ رنّة القيثارة/ وهجِ الدخان/ بين أشرعة بحّارة التيه في أمستردام/ أقولُ لكَ سترى غوغان وماتيلد/ ستسمعُ صدى فان غوغ مودّعًا الماءَ على قاربِ التوليب/ غروبَ عبّاد شمسه الآفلة على نوارس أمستردام.
أمين صالح
-من مواليد البحرين – المنامة، عام 1950. روائي ومترجم وشاعر وسيناريست مسلسلات وأفلام سينمائية. صدر له العديد من الكتب، منها: “الجواشن- نص طويل مشترك مع الشاعر قاسم حداد”، 1989؛ “ترنيمة للحجرة الكونية-رواية”، 1994؛”موت طفيف”؛ 2001؛ “شمالا، إلى بيت يحن إلى الجنوب”، 2013؛ “المياه وظلالها”،2019.
موت طفيف
شرّع الباب، شرّع النوافذ، شرّع قلبه
لزوار قالوا أنهم سيأتون
وها قد انتصف الليل وهو ينتظر
قائلاً لنفسه: ربما حال دون مجيئهم ظرف طارئ.
هكذا يفعل، هكذا يقول . .
منذ أن غابوا ولم يعودوا.
***
من بعيد يراقب المرأة الواقفة خلف النافذة
ماسورة بوجهها الملائكي الذي لا يشوّه الحزن نقاوته
مأخوذاً بدموعها المهرولة بخفة في الفضاء، مثل رذاذ كوني.
من بعيد يراقب الحضور اللامرئي
لأمرأة تبكي خلف النافذة.
***
الفتيات يرقصن حول النبع
الشبان يتسلقون في صخب قوس قزح
المسنون، بعد نزهة قصيرة، يستريحون على العشب
لم يكن ذلك إلا حلماً
رآه شخصٌ يحتضر في الزقاق
مطعونا في خاصرته
والذي يبتسم في امتنان لشبح متجهم يدنو منه على مهل
ويدثره بمعطفه.
***
من الشبابيك المفتوحة على الساحة
ساعة تتناثر حوافر السهر على حواف المساء
ساعة يشفّ المدى الفضي عن بلابل ذابلة
يمكن رؤية المحكومين بالموت
وظهورهم محنية في خشوع
يلثمون بوقار أصابع جلاديهم
لكن ليس التماساً للصفح.
***
السفر نافذة مفتوحة على المتاهة
والذين سافروا، ضاعوا
وإذ يعبرون دهاليز المدن مع حقائبهم الشاحبة
تتقمص أرواحهم أشكال رياح
تهرّب الحنين إلى البيوت المتروكة.
***
في غرفته الصغيرة
الواقعة وسط الحلبة المحتدمة بعنف الدول
في قلب المحنة
يشعل سيجارته، يطل من النافذة ويهمس:
طاب مساؤك أيتها الحرب.
***
بخطى محتضرة
يبتعد الجندي الشاب
عن المعركة المتخمة بالجثث،
والموت الجالس على تلةٍ
يدفن وجهه بين ركبتيه . . في خجل.
***
ثمة سرير يطفو على المياه
محفوف بالزرقة
ينام عليه عاشق وعاشقة،
السرير ذاته يرسو في حلم السجين النائم.
إيمان أسيري
– من مواليد المنامة، عام 1952. صدر لها: “هذي أنا القبّرة”، 1982؛ “خمس دقات لقلبي”، 1994؛ “حديث الأواني للقبرة”، 2001؛ “للقبرة أسرار صغيرة”، 2004؛ “كتاب الأنثى”، 2006؛ “اشتهاءات”، 2008؛ ” الزعفران (حكاية الحب والخلود)”، 2010.
القهوة التركية
أبنوس القهوة التركية تتهجى رغاوى
تتصاعد
تسيل بركانا
غابات تضوح
وتنزل ندى عالقا بنخيل (الزنج) *
إلى السطح، تصاعد بخار العشب الطري ليتعانق والبركان المتفجر
في الركوة
تتشبع غابات أمريكا اللاتينية بالنسغ المالح للعشب العاري
إلا من الماء
الا من أرق الغياب الذي توسعت
هالاته حول عيني مدارات قاحلة، راسخة يبوستها فى الدوام الرسمي لليل مضن يمنّ عليّ ببعض النوم
تومئ القهوة إلى أمي الساهرة عبر القرون الممتدة في صلاتها عني، في دهشتي لدعواتها الحميدة
الحابسة لسهامي من الانطلاق.
أحج إليها كل خميس
مثل زهرة الخزامى محملة بعناقيدي
لتطوف بعد سبع
تطوقني وإياها في حرم العائلة
طوفان المحبة غلالة طافحة بالقلق الساكن إلى رحم الأم، إلى نمط العناق الداعر بين رغاوى القهوة المستكينة
في الركوة
كل خميس أحج إليها
إليّ
إلى شهوة الجذور الشاردة
إلى روابي الجبال حيث أمي رعت أغنامها
زمان من عبير القهوة امتطاني، رتّلني على مسمع الحشر، دوّرني على جذع النخلة، في حقب الرضى
جالست أمي لتحكي عن عروش لها لم تكن فيها الملكة!
هاهي الرغاوى تغلو في علوها، لأستحم بها، وأتبارك بسواعد بشر مهدوا للحظتي
بشر كالفسيفساء
تلاحموا
وضعوني في مجلس أمي كي أرتشف القهوة !
* من بلدات البحرين.
فتحية عجلان
– مواليد البحرين عام 1954، وزوجة الشاعر البحريني علي الشرقاوي. صدر لها ثلاثة مجموعات شعرية: “أشرعة العشق، 1984″، “جئت فغادرت دمي، 1988″ و”هوامش امرأة في الهامش، 1998”. وثلاث مجموعات شعرية باللهجة الدارجة: “أفا يا فلان، مشترك مع علي الشرقاوي، 1983″، “شمس الظهاري، مشترك مع علي الشرقاوي، 1983″ و”خطاوي الريح، 1998”.
القمر الواقف في الحلم |
انزلْ وقوفًا من ملايين السنينْ
انزلْ على أرضي التي تمتدُّ من قلبي إلى قدمي
عشقًا تذوب إليكَ ..
تهوى الموت في قدميكَ يا قمري البعيدْ
فالعاشقونَ مضوا وملء عيونهم حلمٌ صغير
وأنا جمعتُ من الهوى ما خلّفوه
وبقيت أحلمُ: لو تنيرُ ظلام ليلي
لو تعلِّمني عناق النجمة المخزونة الوجناتْ.
فجرٌ تَمنَّع في دلالْ
وأنا عيوني من هواك تناشد النسماتِ عطفًا في هواك
: من يفتحُ البابَ المعذَبَ بالقيود ؟!
في الأسرِ أصرخُ: من يغيثُ جدائلي ويلملم الأثوابْ
صدري قد تعرّى !
من يقصُّ أظافري ؟!
خوفًا تلاشى للوراء
وراح يبحث عن سماءْ.
لملمتُ لحمي كاد يسقطُ في العراءْ.
ولبستُ نعلي.
كان خلف الباب صيادٌ وناسْ
لا يملكون الحلم والأزهار مثلي والبحار
لا يعرفون طفولة الأمواج تقتحم الزمان
لم يخلقوا الأطفال أعيادًا تعالت كالنهار
غافلتُ من بالبابِ
من ثقبٍ تسرَّب شكلي المهزوم
غابْ.
وعلى الضبابْ
هاجمت قرصانًا تعلّم كيف يتبعُ خطوتي وبكارتي
وصرختُ:
كيف أضعت منديلي
ورمزَ طهارتي ؟!
صارعت آخر كان يتبعني مساءْ
ويردّد الكلمات أرخصَ ما تقال
هنا تقال
يا أيها القمر الذي قد كان يشهد ما يدورُ
أما تعبتَ من الوقوف ؟!
انزلْ على أرضي.
تهشّم رأسي الممدود، طارْ
وبقيتُ أبحثُ عنه في قعر البحار
وفتحتُ ألفَ محارةٍ
لا لم أجده ..
فقد أضعتُ الثوبَ في موجٍ تطاير كالهدوء
وركضت أستر ما بقى من جسمي الصدئ الجروح
ودسست رأسي في الهموم
فتطاير الباقي بأجزائي غيوم.
قلق الانتظار |
أنتظرُ الموعدَ
قلبي يهذي ويغني
ويدندن بالموت القابع خلف ضلوعي
هل تأمرني أن أُقصي الناسَ عن الطرقات لكي تأتي
لأخبئ جلدي طفل عيوني في عينيك ؟؟.
أشياؤك عندي سائلةٌ
هل تدري موعدك الآتي جاء كصوت الريحْ ؟.
اهتزّتْ أجزاء فؤادي
يا موعده القزحي ترجّلْ خلسهْ
يا موعده القزحي ترجّلْ
عانقْ باقةَ قلبي.
كان حصانك يُكوى بالنارِ
أتيتَ ولم تأتِ.
أندسُ هروبًا ما بين عيونك والجفنِ
أرى غابات النور الوردية
يكتظُ فؤادي عرقًا من وجهك يحلمُ بالعرس
فأدفنُ في عافيتي أموات الحبْ.
في الليلِ أداسُ وتركلني الخيلُ هنا وهناك
الليلُ المجنون الوجنات يخابرني
إنك تنوي الهجرَ ولن تأتي قسرًا
فأنا لم أنضجْ كالتفاحْ
وأنا لن أسقط كالتفاح.
على عتبات السوقِ تعريتُ
أدرتُ عيوني
من يدفع أكثر يأخذ جلدي ؟
من يدفع أكثر ؟.
من يدخل بؤرة عيني يشربني حلمًا ؟.
واقفةً أبقى
واقفةً أطلع في نسغِ الأفراح.
أحمد مدن
– من مواليد البحرين-بلدة النويدرات عام 1955. صدر له:” صباح الكتابة”، 1982؛ “عشب لدم الورقة”1992؛”سماء ثالثة”، 2000؛ “الصحو بجرعات ماثلة”،2017.
ناحية
(النويدرات على الأرجح أو ماشابهَ القلب (
بينَ أنْ يطالكِ الوردُ
وأنْ ترمي إليكِ العصافيرُ خَبْطَ أجنحةٍ
كنتِ حافّةَ القلبِ
كنتِ أمسياتِ الدروبِ
وكنتِ جادَّةَ الشجرْ
وهذا الصباحُ أُدْلِقُ منْ شرفةِ النهارِ كتابَكِ، كأنَّ نسيمَ الساحلِ وطأةُ الساحةِ، وكأنّ خريفَ الحدائقِ ماءُ الكتابةِ، وكأنيّ خَلَلُ البداياتِ، ورجرجةُ الحضور ورقرقةُ الطيورِ وقلبُ المطرْ
لنْ أدليْ بدمي
لنْ أتقاطرَ دونكِ
لنْ تجمعني الصبواتُ وسواكِ
لنْ نُشْرِكَ وادي الخروجَ
أو برّيةَ الدخولِ
أو بساتينَ الغربِ
أو ملوحةَ الشمالْ
ومثلَ أنْ تُدْرِكَ خَبَبَ القلبِ في تفاصيل الهَطْلِ ، ومثلَ أنْ ترشُفَ ظِلَ الرحيقِ في مرايا العشبِ ، ومثلَ أن تتموسقَ وهذا الخريرَ ، ومثلَ أنْ تهفهفَ خفقةً منْ سَعَفِ الهسيسِ ، ومثلَ أنْ تُغرقكَ التفاصيلُ وتومئُ بالطَلَلِ المُسْهَبِ ،ومثلَ أنْ تصحو يداكَ فلا تعْرِفُكَ المنازلُ الخفيضةُ ، ومثلَ أنْ تنأى الكتابةُ فلا تقربُ إلاّكَ ،ومثلَ أنْ يغزو القَفْرُ ويكتبُ جنودَهُ في الجّذوعِ ومنها الواقفُ ومنها النافقُ ، ومثلَ أنْ يستريحَ فيكِ دمي النافِرُ بالرطوبةِ والمآتمِ والبطالةِ والنومِ وأحلامِ اليقظة .
وقدْ يُلْقَي الشَطَطُ أبوابهُ ، قَتَنْقُرُ جدرانَ الأحوالِ ، وتَطْرقُ ألقَ الكتابةِ و المحوِ ، وسيرورةَ الشبابِ ، وخرائطَ الإعتقالِ ، وممّرّاتِ القيظِ ، وأرصفةَ التُربِ ، وطرقاتِ التعدّدِ ، ومصابيحَ تهمسُ طقسها وتنثرُ أثقالَ الموتِ و النعاسْ .
فصلُ الكلماتِ والأعذاقِ والكبار على مصاطب الصباحِ ، وفصلُ شخوصكِ يقطرُ أُلْفَةً مِنْ حكاياتِ التكرار يُلَمْلَمْنَ هوامشها نسوةٌ يُشاغبنَ ضجيجاً وعِراكاً ويفضحنَ خواتمَ الرجالْ
بابُ الطرائقِ ماءُ الذاكرةِ، وبابُ النوافذِ ظلُّ المارّةِ، والشغافُ فخاخُ الفتْيَةِ، والطيور مهاجرةٌ لا تحطُّ فوقَ أعجازِ النخيلِ، ولا تداري خيبةَ السفرْ
موجُ العُمرِ كمنازلِ البحر في بيوتِ المدِّ، وكرفقة الريحِ لا تصحو إلاّ في غرفِ الطينِ، ولا تسلسلُ إلا فقرائها، ولا تميطُ اللثامَ إلاّ في بيوتاتِ السعفْ
شرائطُ الأحداثِ فُوّهةُ أعوامٍ لا تبدأها خمسةٌ وستونَ بعد التسعمائةِ والألفِ ولا تنهيها فصولُ التسعيناتِ أو مستهلِّ الأَلْفِ الثالثةِ، أو يُراوغها ساسةُ دينِ مُتَبَرِّجونَ بتجارةِ لا تبورُ، أو يقترحها المتسلقونَ على أكتافِ فتية منْتشونَ بقمصانِ السوادِ وراياتِ التظاهر وشعاراتِ الجدرانِ واكتظاظ البيوتِ وزخّاتِ الندواتِ المتلْفزة
مرفأُ وحْدتها في يديها وعلى مسافةٍ تقرأها كيلومتراتِ معدودةٍ تتداولُ القرى المجاورةُ البساتينَ التي أقفرتْ والبراري التي زرعتْ طابوقَ بيوتاتٍ متعاقبةٍ، وخرائبَ عنيفةٍ وصفائحَ آسيويينَ، وملاجئَ أنقاَضٍ، وكلابُ التشرّدِ مبثوثةٌ تذرْذِرُ غوايةَ الصغار وفسحة َالنباحْ
قمر النهارِ شمسُ ضحاها وحميمها اغتسالُ البحرِ بساحلِ العمرِ والضوءُ رحلةً من ْ عتمةٍ لا تغادرُ سطوحَ منازلها ولا تبرأُ منْ قاطنيها ولا تشفى مِنْ لغطها ولا تقاضي بارئها ولا تغفو على صفيحةٍ مِنْ كلامْ
وأعتابُ الصبابةِ سلالمَ مِنْ شرقِ الصبخةِ وآسنِ البحرِ حتى غروبَ الساحةِ وبقايا ملاعبَ وبقايا مظاعنَ قيظٍ والتمْرُ هجرةُ أصحابهِ كمنْ يشعلُ وجبةَ الشمسِ، وبقايا مساجدَ إنفضّ عنها المؤدلجونَ، ولمْ تعد الدروبُ تحملُ أسفاراً منْ دوابٍ أو أسفاراً منْ غُتَرْ
فصيلُ الموتِ أو فصيلَ الطمأنينةِ كجثومِ أهلُ الإقامةِ والرَحْلِ يلعقانِ آبارَ الجفافِ وخرائِبَ القلبِ والنهيراتِ منْ بَعْدِ أَثَرٍ لا تُمطرُ جوانبها ولا تُشْغِلُ قَطْراً ولا تُمهرُ جذراً ولا تهجسُ نقعاً أو تفارقُ غياباً أو تلامسُ الحضور
كأني بها أجدرُ، أو على الأرجحِ أخاطرُ، كأنيّ لا أسمّيها حدّ رَتْقِ اللفظِ أو حدّ اختصار الولوجِ، أو هفهفةَ الروحِ، أو حدَّ الشَبَهِ، أو حدّ المكوثْ
كأنّي أحاذر بها يوميْ، وكأنها لَبْثُ الماءِ
وكأنها جُرْعةُ الوقتِ بتفاصيل الوطنْ.
فوزية السندي
– مواليد مدينة المنامة عام1957. صدر لها: “استفاقات”، 1982؛ “هل أصف ما حدث”، 1986؛ “حنجرة الغائب”، 1992؛ “آخر المهب”،1998؛ “رهينة الألم”، 2005؛ “أسمى الأحوال”،2009.
صبا لم أعده.. يُنوعٌ لا أتذكره
في عينيك أراني،
أرى قدميَّ المتعبتين تنتشلان الوحل البارد
ثيابي المكنوزة نحو قلق ساري
ظلالي الذهيلة وهي تقتفى ضلالي
دموعي المشتكاة..المجارة من وجنة لا تهتديني.
أشفق على مسراتي الكئيبة دونك
أساور دياجير الكسير من تعبي
أناور غاية النكران
لذا أحبك،
أحبك.. كمن تهوى غديراً أبكم،
شلالاً أخرس، أسرفَ في شرخ قلبي نحوك
لأشهد إحداث العصف النادر
ما أهدرته تلك القبلات القليلة
و هي ترتشف شفاعة أرواح كانت لنا.
في حضنك أتعلم كيف أموت بتؤدة الخنق
في عسل دمعك أحترف هتون لسع الشمع
مع غالي يديك أحاول نشيش احتراقي
إطلاقاً،
لا أتقن تهجي معالم حبك ولا تقصي نواياه الخفية
حينما أتنفس رواحك الهاذي و مجيئك الصعب
لا أكترث بمجون هذا العالم و هو يتعالى بفخر هكذا..
بل أركن لزوايا قلبك المشرئبة بي
و أحبك كساقية لا تتعب من دوار شهيق يتلو زفيراً
يتهالك نحو هواء آخر بخيل على رئتين تنعدمان.
حينما أراك،
أبحث، مجتلة من حدوثك، عن حبر غائم
أنقب به عن غيم عليم بماء قلب يتماوه بك
لأرسم زوالك المبكر، أدون رائحتك الجليلة
أنحت انشغالك الحثيث بي،
أوتر آلات عمري كلها،
لأنتحبك أو أغنيك أو أمتثل بمرآك
يا جرأة قدري.. جرم وقتي..
قديس صمتي.
لي بيت مزحوم بعرائش خضراء تنشر أردية الليل
بتلات ورد محاصرة ببكاء الماء
عشب يتيم يتعاضد ضد مشكل جفاف يرسو
صبار يكتم ظمأ نواحيه و يغدق صخب أشواكه الخجولة
طوب أحمر يرتصف تيه دروبي
زهيرات تصطبغ بدم يكفي لأنتحر صوب مرواها
عباد شمس أعمى
نهر من حصى و آجر كاسر يكتم زوايا الهلاك
حديقة ترعى آلهة لا يصطبرون على صيت ينوعها
لذا تغويهم بقداستها،
وهي ترتكب جنوح المذبح تلو الآخر.
أمامها،
أنحنى ببالغ صداي
أركع بمنتهى اغتفاري
أنثني على ركبتي
وأرتقب اندلاعك نحوي
مساء و آخر..
ليل و آخر..
نهار و آخر..
بعد جور هذا العصي على صمتي كله
أخلع خطوي من منتهاك
و أتزود بي.
قبل أن أحبك،
كنت أضيع روحي في صرة مستقبل كسيح لا يرحم
أساوم مواضي الغائمة بعرفان وقت كاهن لا يهتم
و أغلق صبر حواضري على قدر ممل.
و..
ما إن صدحت نحوي بعينيك النافذتين كقطتين لاسعتين
و أنا أدوامُ نحر أنفال فوزي الخاسر نحوك كشريان مهدور
تدميت،
حتى اجتلتْ خواطري بنوايا بواقيك
حتى ارتحلت شواغفي نحو شفتين عاجيتين تبرقان بمطر داو
لأشتهي زوالك المبكر كيلا أموت بلاك
كيلا يتعطف قبري القليل علي و يقترب سراعاً دونك.
ما إن تراخيت بخطوك الغريب صوب ملاذ صمتي
حتى استحلت كل شيء لم يمض.
حينما أحببتك،
كسوت بي كل المرايا التي تراك
أتحفت الوجد الذي تناجز بي
عاندت ذخير البنفسج الذي استرقاني للشفاية منك.
قل لي: من أنت؟
لأمزق ما تبقى من وقت كسيح راح يلهو بلذيذ سم يسترسل
لأواسي وجيد ُسكر بات يوافي خلايا جسدي
لأغاوي لهفة جن تعالت بغتة من قلب قديم
لتكتويني وحدي بهالات سحرك.
مزدانة بك،
بنحول خطو الغريب والطريق يتشاسع
بغرق المبحر نحو سماء تشتعل
بكفيف القبر ملتثماً كفناً متعباً،
يستهل تراب المجازات لئلا يضمحل
منتهاة بك،
ولاشيء دونك يمتثلك دوني.
لرائحتك هول ياسمين عتيد يخلب بتلات المدى
لهمسك خرير المدار و هو يرتب الكواكب لتغزوه
لجبينك حس تعاريج النبات المغالي بهسيس البراعم
ليديك راحة السنابل المثقلة بفجورها المذهب
لعينيك قدرة السناجب المعتورة بخفايا الخفاء
لقميصك لعنة الأشرعة قبل الغرق بندرة الهواء
لخطوك غيلة المعاول وهي تناوش خطايا الروح
أحبك و أعجز عن صفات عطرك
عن غفو لهجك الغريب على جناية ساعدي.
حين أراك تبتهل لموتك المؤجل
أهرع نحوك،
كيمامة مبتلة بوفير أجنحة تحرس ذهابك
أُزز الهواء كنحلة راوغتها رحى الرياحين،
غادرتها خدور الأكمة و ما فيها
داوتها أسافين الورود بلقاحها الشهي
حتى نالها الإغماء المبكر،
دون قطرة عسل واحدة
تعتريها منك.
أحبك،
بت أعض أصابعي كلما تذكرت أسماً يصطبغ بميقات حلولك
كلما تذكرت قدومك نحوي، بصبا لم أعهده، بينوع لا أتذكره
ببرودة قبر قاس علي، بغصة شاهد هاذ نحوك
أحب فيك هواك المغالي بإهتيال هواي
ديمومة تجليك نحو غمام يحتذي هطولي
تهجيك لواحة جسدي على الدوام
و تجنيك لراحة روحي على الدوام.
أشتهي،
حدوثك ملتحماً بأنفاسك المشاعة قربي
نفاذك العميق في غيبوبة راوحي
أحب رجفة عينيك،
كلما زلت جفونك المستباة بحدقتين شهوانيتين
و مضت في رجفة لا تراعي أحد
كفارس قدير على لجم ذبيحة لا تنتهر الذبح.
وحده الليل،
غفيرنا الخجول
حامي عزلتنا البهية
بهي وقتنا القتيل
رمح قلبينا المحاربين
راعى غزوتنا الجريئة
وحده،
القادر على نبش حبرنا المؤكد.
أحبك كما لم أحب
أحياك كما لم أحيا
كما قلبي- الآن- يكاد يعتني بي:
لا يحرض قبري قبل حلولك
لا ينتزع شظايا روحي من قساوة العظم قبل أن يهتديك
لا يدعني أنام وحدي، مسمراً مرآك خلف عتمة جفوني الرائية منحاك
كل هذا،
لئلا أموت دون أن أحياك
لذا..
لذ بي.. محتلاً إياي.
أحمد العجمي
– من مواليد البحرين، عام 1958م. صدرت له عدة مجموعات شعرية وكتب نقدية، منها:”إنما هي جلوة ورؤى”،1987؛ “نسل المصابيح”، 1990؛ “المناسك القرمزية”،1993؛ “مساء في يدي”،2003؛ “كاكاو”، 2005؛ “أرى الموسيقى”،2007؛ “عند حافة الفم”،2009؛ “مزامير العدم”، 2010؛ “بانتظار الأكسجين- كتاب في الثقافة الديمقراطية”، 2007؛”قصيدة نثر بطول كيلو متر واحد”، 2019؛ “آثار أقدام جرو السماء”، 2019؛ “أناشيد البيض الفاسد”، 2019.
أوركسترا
يمكن
أن أصغي للصمت العميق
وهو يواصل جريانه
وفي هذه اللحظة من تكسر الضوء
على جسدي
تهتز حناجر الأشجار
ربما هو فاجنر
مختلطاً في عبوره
مع نشيد البحر !
سـن
أنظر نحو الأفق
أراقب العصافير بلا ملل
أرسل بريداً إلكترونياً
إلى النهار
وسأفعل أكثر من هذا التخريب
لأفتح باب سجني !
رؤية ضوئية
عبر ثقوب الأزمنة
ومن زجاج المجرات اللولبية
حيث أبني بيتي
يتجمع ظلكم
في محارتي المفتوحة
لأرى الرماد المتصاعد من رؤوسكم
جذور التماثيل العملاقة للطواغيت
وهي تتشابك
وتمتص الضوء
من أصابع الأطفال
قمركم الوحيد يهتز في يدي
ورائحة حروبكم
تمزق ثوب الفضاء
ها هو نهر قاتم يحفر غرفكم
وأسرتكم
لا شيء لدي لأقدمه
لماذا فشلتم في تبادل القبل مع نسائكم
أمام الشموع
وفوق أوراق الأشجار
تركتم الأفاعي
تحرس العصافير ليلاً
لا نبوءة عندي عن حجارتكم
ولا عن زفير نيرانكم
ولكنّي،
سأبقى هناك
أحتفي بالأخطاء !
أحد صباحات باريس
والهواء البارد
يسرّح أهداب باريس
أكون قد وضعت قدمي
على ضفاف الضوء ،
وحيداً ،
أوقظ بلاط الطريق إلى الشانزلزيه
وأثير فضول النوافذ التي
تود الاحتفاظ بقليل من أسرارها
لست متأكداً ،
فربما يرمق حذائي
رجل نصف عار في الطابق الثالث
أو أثير استغراب كائنات اللوفر
ها أنا أقترب أكثر
من رائحة الحيّ الذي
تنبع منه السماوات
لعلي ألتقط قصيدة أضاعها بودلير
أو أعثر على خطأ لسارتر
كما أنني بنفس المودة
أصغي
إلى بقايا الأحاديث التي
تركها المراهقون ليلة أمس
والآن، لم أعد أمتلك دليلاً
على وجودي مع سيزان
فها هو الصمت يتناقص!
نبيلـة زُباري
– من مواليد البحرين، المنامة 1957. صدر لها:” حواجز رمادية”، 1994؛ “عسى أن يرجع البحر”، 1998؛ “همس أزرق”؛ 2006؛ “نبضٌ.. على أوراقي”، 2006؛ “لغة السفر- صوت بلبل في دفاترالأسفار”، 2011؛ “أطلّ على هذا القلب”، 2020.
خواطرُ مساءٍ بارد
أتكوّر بجانب مدفأةٍ
هواءٌ ساخنٌ يترنّح في الغرفةِ
كالمسجونِ
وحبّاتُ الكستناءِ جاثمــةٌ
فوق طبقٍ أخرس
ترقبُ الأفــواه
أتكوّرُ
لماذا يصرخ الصمتُ هكذا
ويذرع النفسَ انتظارٌ؟؟
قطعُ ثيابٍ متراصّة
جوارب متنــاثرة
ألـــوانٌ
بلا ألــوانٍ
أوه..
لا..
لا شيء…
هذه النافذةُ الصامدة في وجهِ الريح
وقرقعةُ الأسقفِ بين يديّ هذا الدامس
تكبر بالسؤالِ
فهل يرجع المدى من أقصى المدى ؟؟
هل لأسفار السحاب قيود ؟
خاويةٌ أيتها الغرفة الباردة
يخرج العمر منك
ألا تبالين ؟
الضحكةُ هناك
لا تقدر أن تعبر فضاءً شاســعاً
الضحكةُ هنــاك
تتمزّق
لا تصل مع أوراق الحنّاء اليابسة
لا تصل
وقطعان التجّهم تربض هنا
لماذا يصرخ الصمت هكذا ؟؟!!
أتكوّر
الهواءُ الساخنُ يلسعُ قدَري
سأتناول حبّات الكستناء
أعرِف
لن تجعل هذا الصمت.. يصمت !!
…|
فوق الطاولة ..
أسرد للوقت قصصَ المرافئ
وهذيانَ المجامر..
أنضد مرجاناً وجلناراً
حول منعطف يمر بالدقائق
أتهجى لغةَ البخور
ورائحةَ الزنجبيل
في ورقة عشتارية
فوق الطاولة
يدعوني البياض
فأجمع حروفي ورؤاي
وأدلقها كسنابل…
سلمان الحايكي
– شاعر وصحافي ورياضي. ولد عام 1952 في المنامة. توفي عام 2019. صدر له: “الجوارح”، 1991؛ “الرباب هي البتول”، 1992؛ “مطر على وجه الحبيبة (أشعار بالعامية)”، 1992؛ “شهقة الكوكب الأخيرة”، 1998.
الجوارح
كنت وحيداً…
جاء من القلب رسول
عصفور يتوضأ في ليل مسكون
كنت وحيداً
(لم أذكر كم كانوا..)
كان الماء طرياً وبلادي تهجع في قلبي
تندب حظ عذاباتي
وفؤادي يركض صوب الشمس
وترتد معي روحي
ويحاصرني دربي..
(من أنتم..؟)
لم أذكر كم كانوا..
إن الدرب يطاردني
إني أركضُ خلف الدرب ولا يتبعني..
لا أذكر كيف غزوت الأرض بصلباني
كانت أمواج الدهشة وجهاً.. مزق أحزاني
كنت وحيداً
كم هتف القلب ولا أدري كم كانوا..
إن الغسق البارد يجثو
(هل جاءوا..؟)
ذاك البحر على الشاطيء مخمور
والأسماك تطارد أحفاد الصيادين
كنت وحيداً.. وإذا بمدينة عشقي تتبرأ مني
(تنهال عليك رؤوس الأشجار
وتنقضّ عليك عصافير الزينة.. والجدران
إن قميص الغسق محاط برحيق الوقت
وأنت وحيد
في عينيك تنام الصلوات
وينساب عليك رضاب النار.. )
(من أنتم..؟)
ذاك الليل يشق صراط الورد
ويخترق الجدران
ماذا يبقى الآن؟
جاء من القلب رسول
عصفور يتوضأ في ليل مسكون
ينتعل الأمواج بقلب النخل وماء الزيتون
يتزاوج ورد النرجس في كفيه
وفي عينيه شعاع مدفون
يحمل بين جوارحه
طلقات المطر المسجون..
ماذا يحمل غيم العشق…
ماذا يحمل هذا الغيم؟
أجنحة الماء مغطاة بصهيل النرجس والأعناق
والليل يعاشر ثدي الصبح
وخبز الغلوات مراق..
ماذا يحمل غيم العشق؟
والقلب وحيد
والليل يحاصره..
وخيول البحر تدندن.. تنطفيء الأمواج
ويعلو صدر الماء..
تلك عصافير النار مطأطأة..
وبلادي تهجع في قلبي..
وينام على ثدييها قمر الصحراء..
علي الستراوي
– شاعر وصحافي وروائي. من مواليد البحرين-البلاد القديم، 1958. صدر له:” المرافيء المتعبة”، 1995؛ “فضاء”،2001؛ “على راحة قلبي”، 2008؛”امرأة في ضيافة القلب”،2014؛ “النديد(رواية)”،2018؛ “فصول لسيرة واحدة”،2019.
امرأة في ضيافة القلب
1-
على ضفةٍ من عرقِ الروحِ
يستريحُ النهارُ على ظلِّها
يسبّحُ للذاكرةِ والكدحِ
ولعنفوانٍ اشتعلَ فوداُه بالبياضِ
امتطَى صهوةَ الحكاياتِ
مستعيداً لنا ساقيةَ امرأةٍ لا تنامُ!
2-
امرأة ..
تغزلُ السردَ من جسدِها
وترشفُ قهوتَها ..
في ضيافةِ القلب
3-
امرأةٌ يُحكَى عنَها
لكنَها تظللا كمَن لا يعرفُ الدربَ
شهقةً في الحلمِ
بهجةً في النبضِ ..
واشتعالاً للكلام
4-
امرأةٌ يحنُ الليلُ إلى شرفتِها
ويحلمُ الصباحُ بفيضِها
وفي أولِ خيطِ الفجرِ
تنزُ صغارَها على أرجوحةِ الشمس
5-
امرأةٌ تنحدرُ من وجعِ حواءَ
تغسلُ ملابسَ أنوثتِها
تعصرُ قلبَها
وتنسدل في ولهِ الوالهينَ
متمسكةً بحبلِ أثيرِ نبضِها
6-
امرأةٌ ..
تقفُ كجدارٍ صلبٍ
بين خوفِي
وعنفوانِ شهوتِي
تهزُم طفولتِي
وفي احترابِ القومِ ..
تخبئُنِي ..
وتلقِي عليّ وشاحَهَا
7-
امرأةٌ أحُبها ..
استحي النظرَ في وجهِها ..
وعندما تحينُ آخرَ ساعةٍ من الليلِ
اكتشفُ حنانَها ..
عندما تعيدُ وشاحَ طفولتِي إلى جسدِي
خائفةً أن يقرصَ البردُ عفتِي
8-
امرأةٌ..
أنامُ على ساعدَيها
وعند بزوغِ الفجرِ..
اسمعُ بسملتَها..
فتمطرنِي السماءُ بالحلمِ.
9-
امرأةٌ..
تدورُ الرحَى بكفيهَا
وبمسبحتِها..
تفيضُ المآقِي بالدعاءِ.
تشيخوف عالقٌ بمشجب الكرز
الصورة في المرايا
كتلك التي لا تنام بجنبي
تُخيفني أحيانا
وفِي الكثير من الأحايين
توقظني من جاثوم الأيام
تسكبُ لي قهوة صباحي
وعلى مشجب «تشيخوف » (*1)
أسقطُ في مسرحية «الشقيقات» *(2)
أتشبثُ بحبل فرحي..
وبسلالم تُتعبني كلما اتصلتْ بقلبي..
وبذاكرة البشر المغلوطة..
بشيء قد لا يستطيع ستر عورتي.
ولا يحمل لي ما حمله ساعي البريد..
لأن الرسائل التي غادرت جزيرتها سقطت في البحر،
منذ العام الأول للنطفة..
فاستبدلت النوارس شطآنها وغادرت الحلم
وكان «تشيخوف» يُرقّع قميصه بأوجاع البشرية
يسردُ للعصافير حكاية النهار
يتذوق الحبَّ
ومع أول فتيات «بساتين الكرز»* (3)
يشاطر السماء لغة الغيم.
عتبات والجدار واقف في عُراه.
ونسوة المدن يتحدثن عن خلوة تموت ببطء..
والعالم في حبل سرته يصارع الولادة والخوف..
يتضرعُ للسماء أن تمطر فرحاً..
وأن تعيد للصبايا عفتها..
فالحياة بغير ماءٍ اِنحدار.
والماء بعيدٌ عن النبض احتضار بطيء..
كان «الكلب» (*4) وحيداً ينزع معطفه المهترئ.
يشاطر حبات السُكّر سخونة القهوة في الكأس..
في الزمن الذي ضيّع الصوت وأبقى السوط..
كان الزمن ينحدر نحو أسفل البشر..
يمتصُ عظمة يابسة ويضحك..
يغطي جسده برائحة (الكافور) كي لا يتعفن..
وكي لا تذهب به الذاكرة نحو لوعة الفقد..
احتضن قدميه في كومة الرمل..
وعلى هدوء العاصفة سرَّحَ شعر طفلته الوحيدة..
ونام أسفل النهر..
لعل حلم ليل البارحة..
هو نفسه حلم انتظار الأمل..
يكتظُّ من شدة الألم..
ويتشبث بتراب الأرض وطن لا يموت.
هي هكذا..
همستْ في أذني..
ونامتْ بهدوء بجوار جسدي..
ما كان لها سواي انشغال..
وما كانت تعرف الحياكة دون ضياع قميصي.
أحببتها قبل الحرب،
وبعد الحرب..
فكانت عافيتي التي أضعتها في الزمن الرديء،
وكانت أمي..
حبيبتي التي تغسل قدميَّ بدهشة الانتظار
كلَّ يوم..
والمدى في القدمين العاريتين تحدٍّ..
انتظرتُها لسنوات..
وعاد الصباح ليُنقِّي ذاكرتي من جديد..
كتاب وحيد..
وصولجانٌ يكتب انشغالاتي دون قلق..
دون حواجز أخرى تقود قدميَّ نحو التعب..
أغمضتُ عينيَّ كي لا أفتقدكِ..
ويعيدني الخوف نحو جبَّانة..
لا تعني الموت ولا تعني الحياة..
قلق ينشغل بالقلب..
وقلب منشغل بالحياة!.
1. “أنطوان بافلوفيتش” روائي ومسرحي وكاتب روسي ولد عام 29 يناير 1860.
2. ” الشقيقان” من أعمال تشيخوف المسرحية.
3. “بستان الكرز ” مسرحية لتشيخوف، ومن آخر أعماله المسرحية.
4. “الكلب”من قصص تشيخوف.
إبراهيم شعبان
– مواليد البحرين عام1963. صدر له إحدى عشرة مجموعة شعرية: “قدري، 1991″، “المرأة ترفض الصلح، 1993″، “على حواء الفاتحة، 1994″، “مع الحب وطن، 1994″، “ليس للقلب حبيبٌ واحدٌ، 1997″، “سبق الحب العذل، 1998″، “هزي إليك بقلبي، 2000″، “فجر الكلام، 2001″، زبد العدمية، 2003″،”عربائيل، 2006″، “محفوفاً بالمشاعر، 2008”.
من فيروس نجوانا |
يا راهب الناسوت يكفي ما جرى
ما عدتُ أؤمن بالذي لا شيء
في عصر التغربِ والتذبذبِ والوجع
لا لا تحاول أن تريني ما أرى
قلتُ انتهى دينُ الجلالةِ
وانطفا وهج البدع
لا لم تكن أنت المعمّر بيتنا
لا سكرٌ لك في فمي
هذا اشتعالي كله
فاترك هنا
اضمم يديك
أغمض عيونك قبل أن
تمتصك الآهات والليل البشع
امسح ظلالك عن جدار الأفق
يا أيها المحروقُ فينا
من قال أنك لا تغيب ؟
من قال أنك لم تكن ؟
يا أيها المعطي الخلافة
دون دستورٍ إلينا
قل لي أجبني كيف تحيا بالتقادم ؟
وأنا اكتشفت وجودك المزعوم
في أرض الملاحم
وعلى كتاب الوقت
صورتك الهيولى قد تلاشت
في ختام المرحله
فاقرأ غيابك للمرايا
يا دعوةَ الماء المخادعِ
وانشطار الأسئلة
لا مجلس الفتوى لعهدك صادقٌ
لا أهل خيبرَ يعرفونك بالقدم
أنت التظلّم يا إله الظلم
يا أسطورةَ الخوف المؤلّه
يا وليدَ البلبلة.
فريد رمضان
– ولد في سنة 1961. روائي وسينارست ومنتج سينمائي. أصدر العشرات من الكتب، منها:”البياض “، 1984؛ “تلك الصغيرة التي تشبهك”، 1991؛ ” السوافح.. ماء النعيم(رواية)”، 2006؛ “المحيط الإنجليزي(رواية)”، 2018.
في صرخة الأنوثة
يجتاحني أمل، ويحاصرني خوف، ويداك في أحلامي. مرة تحتويني .. ومرة أحتويك .. مرة يحتوي بعضنا بعضاً .. ومرات يحتوينا النواح. يا من ليس ليأسه مثابرة في فضاء أحلامي أستَدق كالنصل حتى أكون فيك.
لمَاّ أبصروا قلبي
أمطروني
بالعيون.
تزينتُ ..
لبستُ أجمل ما لديّ، وضعت الكحل كيفما تحب.
ثم انتظرتُ وانتظرت ..
ساح كحلي،
عتقت ملابسي،
وذبلت زهوري.
لم تقدر صومعتي على احتوائي بحزني ..
ضاقت الدنيا ..
بي
و
بزينتي .
رأيت الكواكب تحتمي في الخديعة، والمرايا في الماء، وتاريخ التراب يتفجر من صلبي.
رأيت كل ذلك وكنت في الألم.
رفعت قامتي وناديت:
أوقفوا النافر في صدري،
شبق الأعذار في قلبي،
أوقفوا كل مايستدل على أحوالي.
سبحان من أضاء لي رهين الساقين:
في ضياء الكون، سيكون اللقاء ناقصاً، وسنبحث في الحكاية لنبيح جوهر العذاب، وسوف تقولون، وتشهدون. من أين تخرج الكلمة الأولى، الحكاية الأولى، لنرفع النبؤة عالياً؟ من أختامنا المطرزة بما ينبغي من الدم النافر، من أشلائنا المبعثرة في ليل الرجاء المنصرف نحو رجائه.
أيها الواقفون على أعتاب الزَّغَب المخملي، هي الأقواس المنحنية بين زنابق الجسدين الطريين، العادلين، في كون لاعدل فيه. وليس فيه من النسيان ما يكفي ليكفينا.
لقد رأيتم أيها الواقفون أسلحةً فاضحةً، رأيتم دماً طافحاً يتقدم في صمته، رأيتم اغتصاباً لأرواحكم الأخيرة في النزال الأخير
يا من قلتم ..
تعالوا واشهدوا
هوذا غفرانكم الأخير
فليهتز ما في أرواحكم، ولتكشفوا أمام هذا المشهد خطايا أنفاسكم، ولنختصر الماء الراكد، وخراب الكون، ونقول الحكاية.
هل ثمة قول؟
في الشهوة
ما هذا أيها المساء؟
يقيناً هو الشوق. أفلته، هذا العذاب الصغير أفلته. لا تأخذ منه علة، ولا تحقن الأشواق. لا تدع الأصوات في سباتها، ولا تنسى. هو صوت الروح، هذا الانجذاب، هذا النداء الحاد الذي يفزع الشهوة وخلايا الجسد، يستحوذ عليه فتنهض الرعشة وتتفشى.
هنا – يقيناً – ستنفلت النيازك. ستذيب الجسدين فيما يبرمان لهيب الطعن، يختبران الأعذار في حين تبقى روحاهما هائمتين تجسان نعومة الخطوة، قليلاً .. قليلاً .. فتضئ ما تبقى من عتمة الكون.
يأتي الصوت العذب، في يقظة خدر لا مخرج منه، ولا مفر، فيتساءلان:
ما هذا أيها المساء ؟
نترك دمنا بين الشراشف
مثلما تُترك
الأخبار الغامضة
سكينة الجسد، الوحيدة القادرة على الليل، تؤسس طلّتها، وتعاتب الأنفاس. حين غمرتني الفتنة، تركت روحي بين الهوى، فغارت منها عيون حاسرة من اللذة، من قاسيات الليل.
الرأسُ، ذو العين، الذي رفعته من العتب وهاجسات الإستقامة، كان متآمراً مع نداء العصّاص في صحوته
من
النهد
إلى
اللحد.
حين صادفتنا الشجرة سألتنا عن العطايا،
كانت اليد في السّرة
والعظمة
في
اللحم
وما بيننا
في
الهزيع.
حسين المحروس
– ولد في عام 1964. روائي وفوتوغرافي وشاعر. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها في جامعة البحرين 1992، ونال شهادة الماجستير في اللغة العربية “لغات” في جامعة البحرين في تحقيق المخطوطات في سنة 2000. صدر له: ” ضريح الماء”، 2000؛ “قندة”، 2006، “حوام”، 2008؛ “مريم”،2013؛ “سماهوي”،2017.
بهجةُ النعناع
أنْظرُ إليكَ كأنّكَ لا تَشكُّ، ولا تَظنُّ، وليس قبلك أحد..
كأنّكَ طِفلٌ لم يَلتقِ بالدهشةِ قطّ.. كأنّ سيرتَكَ سيرةُ إنسانٍ لم يَعدْ في داخِله أشخاصٌ عَديدون. أليس الإنسانُ مسكوناً بالآخرين؟ ظللتَ نقياً، أسْكَتَ كلَّ البشرية في داخلك، وغدوتَ فرداً صامتاً، لم يعدْ له سوى اسم واحد يُعرف به، وأنتَ الذي كنتَ كلّ الأسماء. تمنيتكَ سجيناً، كلّما ضَيّق السجانُ عليه فضاءَه أيقظَ المسكونين فيه. تَمنيتُكَ نَبتةَ نِعناعٍ لا يقتلها القطع الكثير.. لا يُهلكها الحرثُ العَميق.. قوامها جذورٌ تنمو كلّما بالغتْ في استقبال جذور الأشجار والنباتات.. تتداخل معها، وتظلُّ رائحةُ الآخرين فيها. تمنيتُكَ نَعناعياً: تتحرى البهجة، وتنأَى عن الإلغاء، وتنمو في كلّ الاتجاهات، ولا تلتفتَ لجذورِ الآخرينَ عليك.. يقطّعونَكَ فتنمو.. يوصلونكَ بأي جزءٍ آخر فتتصل في يسر من أيّ جهة فيك.. ليس لك بداية ولا يعرفُ أحد لك نهاية.. ليس لك مداخل ولا مخارج، و.. ، و…، و…، وأنتَ بدويّ كلّ لحظة اجتثاث في شأن.
أتعبتني( قلت له ذلك في حبّ)
ليس ثمّة شيء في داخلي(يتحدث فلا ينظر في وجهي)
والذين يسكنون فيك؟
مَنْ هم؟
الذين في أقفاص هويتك؟
لا أحد.
لكنك مجموعة بشر.. أنت عُروق النعناع.
كعادتك كلّما زاد النقاءُ داخلك تحن للخلوة و الرفض.. أسلّيكَ.. نحن المرايا يا حبيبي، وبنا تتعد. في صدري عيون كثيرة. هل أخبرتك أنني كلّما خرجتُ في الحيّ، انصبتْ عيون الرجال على اهتزازات صدري، تحت العباءة السوداء؟! حتى الرغبة تحضر عيوناً كثيرة وصور الآخرين وفق ما نشاء، وكيفما نشاء، و الوضع الذي نحبّ أن تكون عليه صورهم: يبتسمون، وينامون، و يتقلبون، و يضاجعون، ويتكهنون، ويترهبون، ويتصوفون، ويتأسلمون، ويتهَوَدون، ويتبوذون، ويتنصرون، ويتعقلون، ويحاكون، ويقلدون، ويستقلون، ويتذكرون، ويتراهزون، ويعرفون ولا يعرفون.. ليس ثمّة صفحة بيضاء، كل الأصوات تُولد لكنّها لا تموت، تظل تحوم وتحوم تبحث عن بهجة النعناع فينا.
هذه ذاتي سلسلة من ذوات.. طِرسٌ يُكتب فيه ثمّ يُمْحَى، ويُكتب فيه ثمّ يُمحى.. يُكتبُ ثمّ يُمحى. يُكتبُ يُمحَى.. يُكتب.. يُمحَى.. كتابة على كتابة، تتزاحم فوقه الحروف المتضادة.. ليس ثمّة طِرْسٌ لا أثر لوطأة حرفٍ عليه.
أنا أرخبيلٌ من الناس، والعصور، والكتابات، والقراءات، والتأويلات، والذكريات، والأفكار، والسِير، والمقامات الموسيقية، والرواسب، والمياه، والطمي، والطين، والأوراق، والجذور، وطبقات الأرض، والسماء، والهواء، والنار، والذين راحوا، والذين لم يأتوا، وكلّ العناصر غير المتجانسة.. أنا كلّ ذلك عندما تلتقي! أنا ثوب مرقّع بآلاف الرقع.
قمتَ من مكانكَ، وفتحت نافذة كانت موصدة منذ سنين؛ لأنّها تكشف سطوح منازل الجيران.. إيه.. لم يدخل الهواء من هذه الجهة منذ الإغلاق، ولم يرَ أحدٌ ضوء هذه الغرفة. لستُ في ثِقةٍ في أنّ الذي أشمّهُ هو رائحة النعناع. قُلتَ لي متردداً:
أرى صورتي في عينكِ اليمنى.
أرى صوري لا متناهية، وغير متشابهة، وغير ثابتة في عينيكَ: اليسرى واليمنى.
بأيّ شيء أوقظُ الساكنينَ فيّ ؟ (تنظرُ في صدري شبه المفتوح)
بالكتابة، وبَهجة النعناع.
فاطمة التيتون
– ولدت في البحرين عام1962. نشرت عدداً من المجموعات الشعرية، منها:”أرسم قلبي”،1991؛”الأوقات المهجورة”، 1994؛”طقوس في العشق”، 1996؛”رجل أبيض”،1996؛ “أقرب من العطر وأبعده”، 1998؛”كتاب الجسد الأخير”،2000؛ “كتاب الاحتضار”،2002؛”لا يجمع الرذاذ أحد”، 2016؛ “هي الشمس”، 2019.
الطيور
الطائرُ الأول
له الشقائقُ
ومن الماءِ أعذبُهُ وحضنُ الشمس
في مروج الروح يغفو
وإليه الصَفصَافُ يجوع
وتجودُ الزنابقُ بعبيرها وينحني النخيل
والعنوانُ له في أول المساءِ
وأول القيلولةِ
وفي مطلع الفجر
وتراهُ العيونُ في بسمةٍ
يصيرُ قديساً
بين أصابع الأمِّ حين تشتاقُ
يروي الضياءَ حين يأتي وحين الغياب .
الطائرُ الثاني
أجَلْ
كان لعينيه الزنبقُ والقرنفلُ
وكانت أصابعُهُ من الياسمين
أرادَ روعة الشجر
وأستفاقَ بين الغصون وغفا
وكان منتبهاً لأول العشق
لا يجوعُ إلا لأريج الروح
بين يديه أغاني الصمتِ
وابتسامة العنب
إلى حضن الشمس صارَ
وصارَ المرايا
لا يكبرُ العمرُ إلا حين ترفرفُ الروحُ
حين تستوي وردة
لأجل حبيبٍ لا يغيبُ في حضور
وفي غياب.
الطائرُ الثالث
تغيبُ الشمسُ بعد ثلاثةِ أيام وهي تعلمُ
إن كان عائداً مع ذيل فستانها أم مع الأزهار
وهي تعلمُ إن كان لا يعود.
ولا ندري ألهذا الصديق الكلماتُ
والطريقُ
والأقاح
أم له الغيابُ
والجوعُ
والفاكهة الهزيلة ؟
لا يرتوي
وعيناه رحيل
وأصابع الليل باردة
لا تمسحُ عن جبينه الهوى
ولا تمسحُ القنديلَ
واللومُ ليس على القدح
وليس على هشاشةِ الغصن
وليس على الصدى.
مرايا سمراء
غفلتْ عن الزنبقِ والياسمين والسُّحُب،
وعن روايات المها.
عبستْ في الصمت، وكانت الخفافيش.
تلك المرايا، تلك الحكاياتُ،
ذلك الصوتُ الغريبُ،
لا تتحدث عنه المارة، وتنزعُهُ من الذاكرة.
لا يُشبه ذاك الصوتُ أحداً، لا يُشبه الأمنيات
تلك المرايا السمراءُ تنظرُ في الأسى، تتجولُ في الزاوية،
تراقبُ أسرارَ الماءِ والهشيمَ والأنين،
تراقبُ أوراقَ الآمالِ المنكوبةِ والقصصَ المنتوفة.
تلك المرايا السمراء تتحسسُ كلَّ الأوجاع،
تلمسُ الخناجر، تعجن الليلَ بالليل،
تنثر كلَّ الأسماء، تلملمُ النجومَ الأخيرة،
تقفلُ كلَّ الأبواب، تكشفُ أسرارَ الأنهار.
تلك المرايا الصمّاءُ تأخرتْ، وجادلتْ الصمت،
أدركتْ منذ البدءِ الختامَ، خانت الكلام،
تلك المرايا في العطرِ انتشت، وانتشى الخريف.
البحر
سأظلُّ في البحر، سيلبسني الموجُ ولن أعود،
سأنسى المرسى والسواحلَ والشجر،
سأظلُّ في البحر، في سماء البحر أغفو،
أشربُ من عسل البحر،
أحدّثُ اللُّجة والأعاصير،
أرقد في المرجان ولن أعود،
سأنسى اليابسةَ والنفسَ واليأسَ والقصص الأليمةَ واللئيمة،
أنسى السمعَ والبصرَ والرئة،
أنسى المرارةَ في قهوتي ووجوه الغدر.
في ذاكرة البحر أمضي،
وخاتمتي بين بحرٍ وبحر..
فضيلة الموسوي
– مواليد البحرين عام 1957. صدر لها “بيت بفيء الياسمين، 2016”.
استعانة
كُلَّما استمالته غِوايةٌ
نصَّبَ الشِّعرَ غافرًا لخطاياه.
كِذبةُ يناير
سأصنعُ من غيابِكَ كذبة
أُسكِّنها في قلبي
وأُثابرُ على وهجها
كُلَّما عاد الثّامِنُ عشر من يناير.
جِهاتُ السَّيِّد
والحظُ الأوفرُ شمالًا نحو المنامة
أشارتْ بصيرةُ البوصلة
لكنْ
إنْ حَطَّ رِحالَهُ في عُبابِ الشَّرقِ القصيِّ عن دوحةِ القلبِ
أو غطسَ في غربِ البحرِ الغامضِ من ناسهِ وجيرانهِ
فكُلُّ جهاتِ الأرضِ شتاتُ اليُتمِ الموغلِ في ألمٍ وقور.
غريبُ الحيِّ شدَّ ركيزةً رابعةً في جنوبِ البساتينِ
ودقَّ وترَ الوجعِ الذي لا يهجع …
هنا .. في كَنَفِ الليلِ الأخرسِ
مِزاجٌ يتخيَّرُ رائحةَ الحِبرِ وقشقشةَ الورق
يتنشَّقُ الآمالَ ويقبضُ عليها
كي لا تسرِّبَها الأبوابُ الفاغرةُ
كي لا يسلبَها إخوتي،
إخوتي الذين يتكاثرون بعيدًا عن مرتعنا،
ينهمرون معنا كُلَّما غنّى العيدُ
وبزَغَ اسمٌ جديد.
نلتقي كالأغراب
نتعارفُ بخجلٍ طفوليّ
ونفرحُ إذا صدقتْ نبوءاتُ الأسماءِ
في ذيلِ الصُّورةِ المؤطَّرةِ على جدارِ الأبد.
يا جسدي
أنا الأنوثةُ المشتعلةُ بالزَّعفران
كينونةٌ تكفيها كيمياءُ الرّائحةِ كي يأتيَ الخَلق
حملتُ فيكَ أرواحًا أكثرَ مما حملتُ روحي
والحبلُ السِّرِّيُ حبلُ وصلٍ لا ينقطع.
كُلَّما تفقَّدتُك يا جسدي فاجأتني؛
بطنٌ مكوَّرٌ بالثَّمر
تعلوهُ تُفاحتان ناضجتان
يمرُّ عليكَ الدَّمُ والألمُ كعابري سبيل
يُتقنان أوانَ المجيءِ والرُّواح
أدثِّركَ بحميم اللَّمسِ والحبّ
كُلَّما نالتْ قُدورُ الطَّبخِ الكبيرةِ من ثِمارك
أشبكُ يدي بيدكَ ونجترحُ الغاية.
بعد عامٍ
أعودُ عذراء
أكثرَ نداوة وإغراء
أعودُ حوّاء
خضراءَ الجسدِ والقلب
أطوي البيتَ طيًّا
فيسقطُ كُلُّ مَنْ يرتطمُ بطريقي
ولا أستريحُ إلّا على سرير الولادة.
آهِ يا جسدي
كُلُّ عامٍ أنسخُ منك بشرًا سويًّا
فهل نسختَ مني ما يُشبهُني؟
يا جسدي؟
يا جسدي؟
نعيمة السماك
– مواليد البحرين، المنامة، 1961. عملت اختصاصية أنشطة ثقافية في وزارة التربية والتعليم. صدر لها:” طقوس امرأة”، 2005؛ “أيام خديجة (مجموعة قصصية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية)”، 2008.
آبــاء
طفولةّ خاسرة لم تؤهلهم لأي حضور.
في العوسج الوحشي نموا
تلقفتهم أزقةّ القفر/الفقر
ما خطر ببالهم أن يوماً سيكبرون
آباءً أضحْوا
دون معرفةٍ / دون رغبةٍ
لم يأبهوا لدمعة إستيقظت تحت جنح العتمةِ
لحكاية انتظرتْ طويلا من يصغي لها
غائبون كانوا / ظلوا
مذ قذفوا ماءهم ذات نشوة
اقتفى أثرهم
تغيرت ملامحُهم
لهم ما يتباهون به الآن
غائبون عنه /عنهم
يكبر/ ثم يكبر /لا يكبر شيءُ فيهم
غير الضياعْ
بعيدٌ هو
مركون للعتمة / والضجر / والنسيان
قصاصةٍ كآلاف غيرها ألحقت أسمهُ بأسمهم/ فيها اختصرت وشائج كثيرة
في سريرته تمنى لو أتلفها إرباً إربا
غائب عنهم /غائبون عنه
يحمل أسمهم /صفاتهم / شبههم
سؤال أرقه مديد عمر / ولغز مستعصىً
أيّ حضور له
في قلوبهم يدعوّون؟؟
بـراءة
سبعةّ كنا
لم نأخذ كفايتنا من الحب
سبعةّ
تدثرنا جدران القفر والفقر،
نلتحف سقوف البرد والجحود.
***
سبعة نبحث كل يوم عن كلمة ترشدنا أن ثمة حب / خبز ينتظر
نرتقب لمسة دفء تعرج لو مصادفة فوق رؤوسنا
أفقنا لنسمع كلامهم الآمر/الغاضب أبد / الراضي فيما ندر
دأبهم ، كونوا مؤدبين
هادئين كونوا
إياكم والأسئلة/ إياكم والضجيج
تحت وطأة الخوف آمنا،، أيقنا
أن دورنا في الحياة
يتلخص في تنفيذ أوامر الكبار
في الصباح إذ تستقبلنا الفراشات، لبرهة ننسى خوفنا
نهم بالركض خلفها، تتعثر أرجلنا الصغيرة، بعد زعيق غاضب
كفوا عن الركض ،، كفوا عن اللعب!
لماذا خلق الله الأرجل؟
اصمتوا قليلا ! كثيرا
وماذا نفعل باللسان والشفتين؟
نريد أن نقرأ، نريد أن ننام، نريد أن نتحدث،نررررريد ،،،
مرة لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال!
ماذا يريد الصغار؟
كبرنا؟
أكبرنا حقا؟
بشتى الطرق حاولوا كبح نمونا الذي افلت من أيديهم
لو قدروا لأبقونا صغاراً كل العمر كي لا نتمرد/ كي لا نعصى أوامرهم ونبقى مطعين أبدا
كبرنا! لم نكبر بعد
نمت أجسادنا!ّ
بقينا كما كنا، مسجونين في طفولتنا المرعبة،، مكبلين ،،،خائفين، فقدنا قدرتنا على النطق والتحليق!
لسنا كباراً.
أطفالُ نحن بدون براءة.
كريم رضي
– شاعر وناقد وناشط ثقافي ونقابي.من مواليد البحرين، عام 1960. عضو تحرير مجلة (كرز) حتى توقفها عن الصدور. أمين سر أسرة الأدباء والكتاب لعدة دورات سابقة. المسئول الثقافي لأسرة الأدباء والكتاب حالياً. صدر له:” في غابة التأويل -كتاب نقدي مشترك مع نقاد آخرين”، 2000؛ “أحاديث صفية”،2004.
التركة
تركتُ الأحبة قبل قليلْ
يعيدون للمرةِ الألف ترتيبَ أفرشهم
في الظلام الثقيلْ
تركتُ الأحبةَ من قبل جيلْ
غارقين في وطيسِ النقاش
وهم يدرسون نظاماً جديداً
لحبل الغسيلْ
تركتُ الأحبة في الشاي
والفجر يمشي على دورهم
كوةً كوةً
بين لَيلٍ ولَيلْ
تركتهمُ يكتبون حكاياتهم
بالرمادِ على الماء
أو يسهرون مع البرتقالْ
يروون اسرارهم للشمالْ
يعيدون فتح الرسائل للمرة الألف
أو يقرأون الرواياتِ والشعرَ
بعد المساء
يحلمون بلمس النساء
يرطنون طلاسم
هذا الدعاء الطويلْ
تركتُ الحديدَ يئنّ على البابِ
حتى يكاد البكاء..
أبي الفلاح
كان أبي فلاحا عريقا
لكنه عاش في زمن يقطع الناس فيه الأشجار ليبنوا الغرف
كان من الخجل بحيث لم يستطع إلا مسايرة الناس وإلحاح أمي
في قطع الأشجار من أجل البناء
لكني وجدتُه ذات ليلة يرتعش محموما
كمن ارتكب جريمة قتل بريء
أمسكني من يدي الصغيرة، وقال:
بني! لقد كانت حياتي مليئة بخطايا لا تُغـتفـر
كل نخلة قطعتها تأتي في حلمي مثل وحش أخضر
تغرس أشواكها في جسدي
لم أسمع وصية جدي وأبي الذي قال لي:
“من يقطع شجرة تقطعه شجرة”
أوصيك إذا قضيتُ من هذه الحمى
ادفن معي سعفةً خضراء
اقرأ على قبري آية النخل والرمان
واكتب على شاهدي أسماء الأشجار شجرة شجرة.
ومات.
في سبيل خصلة شعر
متى كنتِ بيضاء
أيتها الورقة الخالية
وفيكِ تنسكب صلوات المستوحشين
وأنين الظلمات
جيوشٌ تعبر
وعواصم تولد
والماء يفيض عميما من حوافكِ المشمسة
أيتها الورقة المليئة بالفراغ.
***
الأرض مجزوزة الضفائر
الأرض تركض حتى آخر الأرض
نخلا ًلا وجه له
وفي صباحات الكريستال
أبحث عن بصمة الكيمياء الوحيدة
لشعبٍ قرضته فئران الكتب
عن أنهار ٍعظيمةٍ ونشطة
جرتْ قرب نافذتي الصغيرة
في الليلة الفائتة
تطفح بالجفاف
بعظام ومومياوات تقهقه
في صحراء من الكواكب المهشمة.
***
هيهات ما النار بالضوء
لا ليست الضوء
وهذا ما تبقى منكِ
وهو يكفيني
خصلة ٌمن جبينكِ الناحل
أعود بها عبر الأبحر السبعة
أقرأها في عتمة المختبر
على أكسيد لهب شحيح
أسمع النشيج .. النشيج
خ ص ل ة ش ع ر
لا
لا أريد أن أرى
لا أريد أن أرى.
***
معا نستلقي على ورقة فقيرة
نتقلب في سطحها العميق
نتبادل أسرارنا الشائعة
تتذكرين فجأة أن لك موعدا خفيا
مع وجهك الزائل
وأتذكر أن خصلة شعر بيضاء
لا تزال في جيبي.
جعفر الجمري
– من مواليد البحرين – المنامة، عام 1961. صدر له:” جغرافية الفردوس”،1988؛ ” شيء من السهو في رئتي”،1992؛”شقائق النعناع”،2011 ؛ “سقف لن يكتسب صفة الأفق”،2014.
جهةٌ بين نارٍ وماءِ
جهةٌ للسؤال عن القلب في شُغْله
جهةٌ لانتحال الصفاتِ
جهةٌ للمِران على لعبةٍ في الشتاتِ
جهةٌ للنوايا
جهةٌ للصعود إلى فكرة في الشظايا
جهةٌ تُرْبكُ الحضنَ والأسئلهْ
جهةٌ تنتحي صوب أيامنا المُهْمَلَهْ
جهةٌ ليس فيها انتماءٌ لوقتِ
جهةٌ للكلام الذي لم يحنْ بعدُ مستقبَلَهْ
جهةٌ للغريب الذي مات مستعجلاً
جهةٌ للذي كُنْتُهُ في منامي
جهةٌ لاشتعال الرؤى في مهبّ الظلامِ
جهةٌ لـ “طرْفةَ ” مستوحشاً من أناهْ
جهة لارتحال المتنبي
الذي مات منتحرا بالكلامِ
جهةٌ لما أذِنَ الله من غصّةٍ
جهة للندى
في إغتراب المحبينْ.
جهة للصدى
جهة خانني كل أبنائها المبعدينْ
جهةٌ لانكسار الحنينْ
جهةٌ إذ تنزّ دماً لإنكسارِ
جهةٌ كلُّ أسمائها في اختصار:
قمّةٌ في الحصارِ!!!
جهةٌ في شموخ الهوادج
بعد الصريح من الدمِّ والمذبحهْ
جهةٌ ليس يبقى من الحيّز الحرّ فيها
سوى الأضرحه
جهةٌ لانتمائي
جهةٌ بين نارٍ وماءِ.
جواشن
يا ليتني لم أتعظ
عقدان لم آلف سواك
أكنتُ أهذي ؟
ربما!
أو ربما قد كنت لا أجد الذي يصلُ
في هَدْأَةٍ وَجِلُ
سأعيد ترتيب البداية
أنتهي
وأكون حرّا في الجهات
ليَ الزمان ونعمة الظل الشحيح
ليَ الرفاق العابرون كأنهم شبح
ليَ الأجل الذي لا ينتهي فيما أحب
وأدّعي صفة المقيم إذا مضيتُ
لكأنَّ لا يكفي بأنْ تحيا بمعجزتين
ما لم تتقِ شر السؤال
عن الذي لا تستطيع
وأنت ميْتُ
سأعيد ترتيب النهاية
لا طريق تدلّني
سأمرُّ من لا شيء
من ؟
لا أدّعي صفةً إلى صِفَتِهْ
كمشيمة هي رحمةٌ
والموتُ أكثر رحمةً
ماذا أريد من النهاية
غير أول طعنة
والليل في دِعَتِهْ
يا قلب
يا قلب أنتبه
ستصير فولاذا وأعباء
إذا لم تنتبه لصباحك العبثي
ليل مرَّ نحو الضوء منك
وكن سلاما ما أستطعت
تحيل هذا النوم تاريخا
وتبدأ في إنهمارك سيدا
يا قلب
هل يكفي بأن تمضي
لكي يتمرّس الحس الغبي
وتدرك الأنثى إنتظارك
حيث لا أحدُ ؟
يا ليتني لم أتعظ
وتركت فولاذي وليلي تائهين
بدأت من حيث السدى
والتيه لي بَلدُ
جهة تحيل سواي
نحو جهاتها والناس
يا قلب
أنتبه لتكون أجدر بالتفاتة غائب
يا قلب
صحت أأنت أنت ؟
إذا لما الطعْن المقيم
كأنه صفة لأهلي ؟
لا تكن ليلا ثقيل القلب
كن أهلا لما لم أستطعه
وكن ذهابا
أو فكن نصّا ركيك الظل
أو كن لي إيابا
وكن حطاما ًما أستطعت
تحيل هذا الكنز أنفالاً مؤجلة
ولن ” تسْطِيع َصبرا ”
فالجدار أقيم كي لا يبدأ النهب انتباهته
فكن حراً إذا ما اسْطَعْتَ…
كن لي سيداً لأراك
كن روحاً لها أمٌّ تفرّع
إخوةً لا يشبهون سواهُمُ
كن لي أباً لأراك
في ليل كريه الصوت
كن ما أستطيع وما استطعتُ
يا ليتني لغة أعلّمها الكلام
وأنت صمتُ
لا شئ يشبهني إذا ما شئت
كل الناس أسماءٌ
لما الفوضى لها وجهان ؟
وجهٌ حاضر
ويغيب آخر كي نراه ؟
ألست وحدك تشبه الزَبَدَ المعلّق
في بطالة ساحل لا ينتهي ؟
كن من تكون
فلن تكون أنا
الذي لا شئ يشبهني
وها أنت الذي ستمرّ
من دون السلام عليهِمُ
الآن انتبهت بأنهم موتى مع الأحياء
ينتبهون ما شاؤوا
يغشّون الحليب
ويقرأون بما تيسر سورة ” الأعراف ”
ينتظرون فيلم الساعة العشرين
لكن الحياة تمرّ
من دون السلام عليهِمُ
يتساءلون:
أكنت بعض هبائهم ؟
لا.. لستُ
لكنّي اكتشفت هباءهم
جهة تؤدي بي
إلى الرحب المقيم
إلى إستدارته
إلى اللاشيء
لا أجد الهباء نهاية
يتساءلون:
أكنت تدرك لعبة اللاشيء ؟
كنت
وها أنا جهة إلى الشيء الخصوصي انتميتُ
توهما جزت الذي يتساءلون بشأنه عبثا
ولكني انتبهتُ.
جمانة عوّاضة
– ولدت في المنامة عام1965.بدأت كتابة النصوص الشعري بالفصحى والعامية عام 1993. صحفية ومترجمة حاصلة على دبلوم ترجمة من جامعة البحرين. عملت في صحيفتيْ أخبار الخليج والأيام، ومجلتيْ صدى الأسبوع وبانوراما. صدر لها مجموعة شعرية: “ولعشقي فأل زليخا”.
….|
سأخبز اليوم
قالباً جديداً من الذكريات
وأضيف إليه الكثير من السكّر واللوز..
رغم حِمية الحبّ
التي قررت أن أتَّبعَها..
وخوفي من السعرات العاطفية
التي تزيد من كآبتي..!!
….|
إنها تمام الواحدة موتاً بتوقيت الفقد ..
مع فارق توقيت قلبينا
تُرى
كم ساعتك الآن؟
إن فقدك ينخر عظامي..
إني أعاني الربو
وغبار الذكريات يجثم على رئتي
تجتاحني رغبة ساذجة في قتل انتظارك
تجتاحني رغبة محمومة لأن أستبيح صدرك
فأنا أحتاج أن أتنفسك..
…|
أرتشف ذاتي ببطء
أحتضر بصوت مرتفع
فقط لكي أتأكد أني على قيد الحياة..
فاطمة محسن
– مواليد البحرين 1967-المنامة. ليسانس آداب لغة عربية جامعة بيروت العربية 1993. دبلوم تربية جامعة البحرين. 1996 دبلوم الدراسات العليا (جامعة القديس يوسف-لبنان 1998). تعمل اختصاصية تربوية بوزارة التربية والتعليم . صدر لها: “أسقط منكَ واقفة”، 2007؛ “يرقصان على جنوني”، 2009؛ “أخبئه كي لا ينبض”، 2015؛ “قميص يغرق البحر”، 2019.
صليبُ أفكاري
أجلسُ على طاولةِ الوقتِ
أقرفِصُ أفكاري
أهجرُ مخدتَك
وأنامُ مع البياض.
أبدأُ التوغلَ داخلي
أشمكَ
فيندلقُ رحيقُ مائكَ
أنكركَ، أتنكركَ
أنساكَ، أتناساكَ
أُخاصِمُ غابتي وأنزوي.
تركُلنُي توابيتُ اللونِ الأحمرِ
تمرُّ خضرةُ نارِكَ على أصابعي
فينزلقُ وجعي
مَنْ أنتَ؟
فوقَكَ يسكنُ هوائي
وتحتَ سمائِكَ تسكنُ خلاخِلي
صادقٌ في كذبكَ
أحاورُ سِرَكَ
أتوقُ إلى غيابكَ
لكنّكَ الحضور.
أطردُ مساماتِكَ
هل تذكرُ عطرَكَ؟.
ارحلْ
كما رحلتْ مسبحتي في الصلاة.
غفوتُ على يديكَ
فاندسَّ كتفُكَ غريباً
يسألنُي عن نوارسَ أجهلُها.
قبل أن أعقدَ تعويذتي
وأغتالَ قلبي
دعني../ وحلِّق حولَ خاصرتي
كن هنا دائماً
الغيابُ يكتبُ أسرارَه
ويوسوسُ للنخلِ في داخلي.
انقلْ البعدَ أملاً
لصوتيَ المُخضبِ بحناءِ عينيكَ.
شموعُكَ لم تزلْ
غيرَ أني عبرتُ مسافاتِ الضوء
كي أُشِعلَ الروح.
إنه الهذيانُ
وهسيسُ الألم
يُقبلُ أضرحَة القلب
فأقبلَهُ وأضُمَه للعتْمة !.
سيدةُ الخساراتِ
أحدّقُ في الصمتِ
كيفَ استطعتُ أجرُّ الخساراتِ
أصرخُ في الهذيان
وقدْ كانَ لي وجهتانِ
أيا جَسَدي
أسرعتُ
أُسرجُ مِن وحْدَتي فشلي
وأُشعِلُ من نبضِ كفي جنوناً
وأنشرُ في الشمسِ ذاكَ الصدى.
وفي الرّوحِ لي مُهجتانِ
وتقتلُني مهجتِي الثّالثة
وإن أخطأتْ لُغتي حرفَها
لا أُبالي.
الموتُ يَسْألُني
وأنا أُفرِغُ الكأسَ عَنْ جَسَدِي
مِنْ خسارتي الغافيةِ.
وللّيلِ في داخلي رغبةٌ
حين يُطْرَقُ بابي الّذي لا يجيء
وانتظرُ اللهَ
أنتظرُ اللهَ في آخرِ النّصِ
أغْفُو قليلاً..
قليلاً.. قليلا
أعدُّ الخساراتِ لا أستطِيعُ التّوَقُفَ
فوقَ رصيفِ الجُروحِ أصفُّ
الخــ
س
ا
ر
ا
ت
أصرخُ للبيعِ ياصاحبي
وفي غَبشِ الجرحِ
ألعنُ ذاكَ الذي في الطّريقِ
يُلَوِّحُ: أسرفتِ
يبقى النخيلُ وأرضُ بتول
ومنجلُ حبرِك في داخِلي
يلوّنُ غصناً وطيشَ اشتهاءْ.
وحدُّ السماءِ أجرُّ قواربَ حُبِّكَ فيَّ
وألمحُ في الرّوحِ شبهَ انطِفاءْ
فيُوقِظُنِي صوتُك الليلكيُ
وأنشرُ أشرعتي
حدَّ هذا الجنونِ أعتقُ أدعيتي
في قميصِ الغناءْ.
وكالريحِ عاريةٌ شهوتي
وقاحلةٌ في الهزيعِ الرتيب
وفي الصّمتِ لِي لُغَةٌ يائسةْ
ألِفُّ الحُروفَ على ناهديَّ
وأُخرجُ صندوقَ جمري الأثير
على ضفتي الخامسةْ.
تلك المواويلُ في داخلي
المواويلُ.. معسولةٌ بالنّحِيبِ
وقَبْلَ انكساري أَفِيْقُ
على ضَمّةٍ من يديكَ
وطعمُ شفاهِكَ
يُوْمِضُ فيّ بماءِ الحياة.
الجدار أمامي
الجدار الذي يظهر لي كلما شعرت برغبة في حك ظهري
كل ما أحتاجه قفزة سريعة لأتجاوزه
إلا أنني فقدت قدمي في قفزة سابقة
الجدار اللعين الذي يغني للصور القديمة في ذاكرتي
الجدار الذي سرق يدي وصار يرسم عني
الجدار الذي يسكن في قريتي يتأبط بندقية ويصطاد العصافير
الجدار الذي كتبت عليه قصيدتي كي يقرأها لا أحد
ويخبر البحر عن موجها
الجدار الذي وسوس لك كي تنساني هكذا دون أن تسمح للشمس أن تضحك
الجدار الذي لبس فستانا وصار يرقص كي يشغلك عني
الجدار الذي أكل سرتي وراح يثرثر قصائد وجع ونثر فاضحة
الجدار الذي سكب حليب الطفلة الجائعة وألقمها حجرا
الجدار الذي روع الأمهات
الجدار الذي تحول للوحة من كلمات موجعة
الجدار الثقيل جدا
الكبير جدا
يمتد كثيرا وكثيرا
دون أن يسقط.
حسين السماهيجي
– شاعر وناقد من مواليد البحرين، سماهيج – عام 1968. صدر له:” ما لم يقله أبو طاهر القرمطي”،1996؛”الغربان”، 1999؛ “امرأة أخرى”، 1999؛ “نزوات شرقية”، 2002؛”يترك لهم أثراً” ،2008؛ “توظيف التراث الصوفي في الشعر العربي الحديث”، 2012؛ “دم على حافة البياض”،2015.
جنّتان
نصوصٌ تباغتني بالنهايةِ في معجمٍ ناقصٍ
فتسيلُ مع الدّم فوق رصيفِ المعاني
تُطِلُّ عَلَيَّ
فأخرج من حوضِها
للطريقِ بدايتُهُ
والسماءُ تُعَلِّقُني.
معطفي أزرقٌ
والدلالاتُ زرقاءُ
زرقاءُ
زرقاءْ
نصوصٌ معلّقةٌ
دَخَلَتْ في السؤال
دَخَلْتُ إليها
وجرّدتُها من يقين النهايةِ
معطفُها داكنٌ
والمكانُ تمدّد.
في جيبِهِ الأرجوانيِّ
يمكث طفلٌ له جَنَّتَانِ
لغةٌ جنّةٌ..
جسدٌ
جنّةٌ..
أيُّ سِرَّيْهِ يمضي به للنهايةِ
في زمنٍ من دخانِ.
توشك أن تدخل بي زمن الآلهة
النهارُ عدمٌ أغادره
وأتشيّأُ في كلمة سقطت
من ساق العرش.
تنبضُ في دمي
وتوشك أن تدخل بي زمنَ الآلهة.
مريضٌ بك
فلا أغادرك
ولا تتركني.
أضعُ الخِرْقَةَ على الشمس
لأستر بها سوأةَ العالَم.
الصّحو، حيث ينقطع الحبل السري
بين النبي والإله
الحلم، مساقط النجوم في مهابط النَّصّ.
لا تتركني
في هذا النهار المليء بالنياشين
والأوسمة
وقبّعات المحاربين
وأحذية القتلى.
أنا والنبي توأمان
يضيء بالنَّصِّ
وأضيئه.
أدّخرك في جيبي
لنصٍّ سماؤه فؤادي
وأرضُهُ العالَم
أيها الشعراء.. الشعراء
نظّفوا مساكنكم من أعقاب سجائر الآخرين.
صعودًا صعودًا، جسدٌ يتنزّل منه الوحي
هبوطًا هبوطًا، قصيدةٌ ترتعش لها أعضائي
وأنا أنسخها من فم الإله
لم أكتبها، قطّ، إلا وسقطتُ مغشيًّا عَلَيّ.
———————————————–
(يتبع)
أضف تعليق