كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المرأة كاستعاضة عن الوطن..

آمنة اليحياوي

 ... الشاعر العراقي مهند الشهرباني, نموذجا ...

” دعينا نتناقش عن المسافة بين سريرِكِ و مقعدي … يمكنني أن أقطعها بخطوتين أو عمريْنِ انقضيا ما بين حروبٍ وشبه سلام . يمكنني بهذه المسافة أن أبكيَ , أضحكَ. أو أترنحَ سكرانًا و أحلفَ باللاةِ وفمكِ , و أيضًا , يمكن أن أجلسَ مكاني و أدعوكِ لوليمة جنس معمدة بالقهر …” .

هكذا بدت كلمات الشاعر مزيجا غريبا بين كيان مزعزع يترنح , وعنفوان مستفز لإمرأة تسكن سريرها , يدعوها في غمرة شراب متقد لتقاسمه ليله المعمد بالقهر , المطارد من زبانية الحرب و السلم . يدعوها لتُسكِت داخله عواصف الوطن التي تعوي في كل طريق وعند كل ليلة , ولتحتفي بالليل الغاص بالشهوة والنسيان .

الشاعر مهند الشهرباني عراقي المولد والمنشأ والمأساة , عاش بهاجس الوطن الحر في زمن الإستبداد . بدأ كتابة الشعر منذ تسعينيات القرن الماضي. صدر له ديوان بعنوان (وطن على بعد امرأة) عن دار (أوراق) في مصر ومجموعة قصصية بعنوان (في ظل ليمونة) بمجهود شخصي لمجموعة مهمة من كتّاب القصة في مدينته، إلى جانب العديد من المقالات المنشورة والمخطوطات التي حالت الحروب و شبه السلم من أن ترى النور . يصور الشاعر عبر أعماله المنشورة سواء ورقيا أو اليكترونيا عالما يؤثثه الوطن المفتقد, والمرأة كملاذ , و فيه يتحرر الكاتب تحررا كليا وهو يتماهى مع الجسد كحاضن , يصفه وصف الملتاع أحيانا و أحيانا أخرى وصف الباحث عن خلاصه بين الجينات و الأوردة .
بتفحص بعض أعمال الشاعر نلاحظ ان هذا التحرر يحتاجه فعلا كطوق للإنعتاق والتحليق بعيدا عن المسكوت عنه بل ان الخطاب الذي يوجهه اليها – المرأة كواجهة لهذا الوطن- كان دوما مفعما بالشيء ونقيضه , بالنسيان و المكاشفة، و لعل ذلك بدا مبهرا في قوة الوصف و تحديد المعنى للتعبير عن هذه الرغبة في اسكات صوت الماضي فيه من جهة، وفي تعزيز دفاعاته للمواجهةمن جهة أخرى، ومن ثم للقفز بعيدا عن هذه المياه الآسنة والكوابيس المفزعة والروائح الكريهة الحبلى برطوبة الزنزانة والقضبان , وفي هذا السياق نورد مقتطفا من قصيدة له: ” لا تسأليني عن الندوب ولا عن ذاك الورم البارز بجهة صدري الأيمن فلن أخبرك أبدا عما يفعله السجانون و عن حماقة نزهات القادة و هم يلعبون النرد بأرواحنا . لا تكلميني ورأسك بين فخذي لأني لا أسمعك منذ أن أحبّت قذيفة ما أن تضاجع غرفتي في الساتر الأمامي فأورثتني هذا الطنين بأذني ,أقول لك …ابقي في مكانك و لكن ارفعي صوتك قليلا …”.
الوصف الذي تخلص من كل محظور و اللغة التي نجح الشهرباني في تشكليها، جعلنا ونحن نقرأ له ما يخط نسمع أصوات الهرج والغليان بين الأسطر والكلمات , لتكون لغة ناطقة من دقتها و قدرتها على النيل من قلب القارئ و وجدانه . لقد طوّع اللغة تطويعا يوحي بتمكن و باحساس أخّاذ بها . الى جانب ان ما يلاحظ في شعر الشهرباني انه يصور مشهدية كاملة مما يمكن القارىء من العيش مع صورة مكتوبة أو فيلم مقروء لحكاية بلغة مفعمة شاعرية و موسيقى .
ما يلاحظ أيضا في الأسلوب المعتمد من قبل الشهرباني , من خلال العديد من الأعمال المتاحة على النت , هو الإعتماد المكثف لآلية الخطاب المباشر الذي يُحَدث به المرأة/ الحبيبة الحاضرة فيما يكتب ليحاكي عبرها أجساما عدة , وطن بُدِدَتْ أحلامه , بيت فَقَد رتاجه , و جغرافيا لم تعد منسجمة مع التاريخ. كما يُنطق هذه الحبيبة أيضا من خلال الهواجس والرغبات الطافحة شبقا على لسانها فينصت لها ويجعلنا بدورنا منصتين لها طورا وله طورا آخر .

” اتركي كأسك و تعالي معي . لن أحدثك عن بلدي ولا عن الحرب و سأكتفي تماما بالإستسلام لغزوك وحروبك فوق جسدي ..”
حين تستحيل الأوطان الى مجرد حنين موجع على وقع الخيام و المنافي , و أجزاء للتفاوض عند رسم الحدود على الخرائط , تنتفض المرأة كمارد لا يموت , تسرق الحلوى لتدسها في جيوب الأطفال عند النوم … أطفالا من القُصّر والكهول …

المرأة ككيان مهمش في الكثير من أوطاننا العربية تراوح مكانها في عالم الأدب والخيال لتكون ملجأ المضطهدين حتى وان كانوا من بين مظطهديها و ملاذ المغتربين والمنفيين وان كانت الغريب الأول الذي لم يُكترث له . ولعل ذلك بدا متخفيا بين كلمات الشهرباني لا سيما في تواتر استعمال أدوات النفي المرافقة لأفعال في صيغة الأمر موجهة نحوها أو أفعال بحمولة سلبية تكون فيها المرأة في شيء من الإستجابة المطلقة لهذا المنفي والمغدور به من قبل الوطن, و لتكون أيضا وعاء لهذا السيل الجارف من الإحتقان والسخط و كأنها تتحول في اللاوعي لدى الشاعر الى وجه الوطن وامتداد له ومن ثم فرصة للقصاص منه والتصعيد . و هو موقف يمس من المرأة ككيان مستقل لا مجرد وعاء للذكورية بغاية التصعيد كما بدا الشاعر من خلال أبياته.
لكن بمجرد التسليم بهكذا استنتاج , فاننا سرعان ما نُنَسِّبُ ما أقررنا به على وقع هذه الكلمات :

“الرفقة أنواع…
هناك رفقاء سلاح ورفقاء دراسة ورفقاء عمل
أما نحن،
أنا وأنتِ،
يكفينا جدا أن نكون رفقاء غباء
غباء لا يؤدي إلا للمزيد من الغباء
كأن نشعل الشموع في النهار،
ونكتفي من البحر بأصابع مبللة،
نعدّ الحشرات على شباكنا في ليلة مقمرة،
بدل أن نقضيها في الأحضان،
ثم نركض، كمهابيل القصص القديمة،
كلّ باتجاه
نفترق كلما التقينا،
لأننا لا نعرف قسمة الاثنين على واحد! “

ذلك ان الشاعر يستعمل ضمير نحن وهو يتحدث عنهما , المرأة كرفيقة وكشريكة في الفعل والخيال , في المأساة والجنون , في الرجاء و الغباء . ومن ثمة ينجح الشاعر فعلا في احداث وحدة متكاملة بينهما ويتحرر بدوره من فكرة المرأة كوعاء لإفراغ حمولة قادمة من غياهب الوطن, وهو ما يفتح الطريق أمام دروب المصالحة بينه وبين نفسه من ناحية , وللتجاوز نحو خلاص حقيقي يحققه على وقع ضمير “نحن ” مع امرأة فاعلة لا مجرد مرهم لأوجاع الليل من ناحية أخرى. وهو ما يجعلنا كقارئين نلحظ البعد الشاعري المفعم بالرقة حين يستحيل الشاعر كوحدة متماهية مع المرأة لا كخلفية للوطن أو استعاضة نَصُب فيها جام غضبنا حين نشتاق حضن الوطن .
وحين يشتد الإشتياق بالشاعر للوطن و لكل ما هو نقي , تُعَاود لعبة الضمائر النيل من القارئ حين يعتمد الشهرباني ضمير الغائب وهو يناجي المرأة ومعها يناجي كل جميل مفتقد حين كتب :
” مطرٌ يبلل الطريق
حين إلى عينيها أسافر
والغيم يرتشف إلتماعة فكرة في رأسي..
ارددها ثلاثاً كالمتوحدين:
“لا خِصبَ إلّا بين يديها”
“لا خصب إلا…”
“لا خصب…”
اغسل يدي ثلاثاَ
ومثلها اردد اسمي
كما احسب أشجار الغابة ثلاثاً ثلاثاً
حتى تفاجئني، لحظة تصب في شايي
حروف اسمها كقطع السكّر
فتغلبني التأتأة
وأنسى العدّ…” .

الشهرباني بين لعبة الضمائر والمراكز بينه وبين الوطن والمرأة , المرأة كوطن مستتر والمرأة ككيان قائم الذات دون اسقاطات أو استعاضة , يقدم للقارىء وجه الرجل الملتاع الذي ينشد المرأة خلاصه ويقر بغربتها كذات , كما يعترف لها أيضا بانه يستطيع أن يشيح بوجهه عن كل الوجع الدائرة رحاه داخله ان سنادته ودست شيئا من الحلوى في جيوبه ليودع على وقع قدومها طعم المرارة …

” دعيني أسندكِ أيتها الغريبة
ثقيل جَمالكِ لتحمليه وحدك
تمنيت أن تسنديني
فحملي ثقيل أنا الآخر
أحمل الوطن على كتفي
أدور في المنافي
أبحث له عن وطن!
اعزميني على فنجان قهوة
وبضع كركرات من فمكِ
سأكتفي بالصمت
أو سأغني لك عن بلادي البعيدة
قد تكونين كريمة
فتمنحيني دمعة هاربة
من أسر الكحل
فأتوب عن الحزن
وأبكي ” .

في ختام ما تم التطرق اليه نخلص الى ان الشاعر حاول من خلال أبياته التمسك بحضور المرأة تمسكا متعدد الأوجه بحسب ما استفزه حضور الوطن فيه وغبايه , و كأنها تحولت الى طوطمه في غربته أو منفاه مثلما تجلى ذلك في بعض أبياته . و هو ما يجعلنا بحاجة ماسة الى مزيد البحث في تمثلات المرأة بين ثنايا الحرف والكلمة , و سبر أغوار عالم الشعر العربي لتذوِق شذى حضورها بين الأبيات .

( ملاحظة: تم اعتماد المقاطع الشعرية من حساب الشاعر مهند الشهرباني على الفايس بوك )

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.