إيمان لزهر
بدت السماء غريبة وكأنها على وشك البكاء. خلت أني خلقت هناك، عاليا، نورا خافتا تشكّل ليصبح كيانا فسرابا.. أحاول ادّخار ما فقدت، أشياءَ مبهمةً، عالقةً في مكان ما في ذهن عفى عليه الدهر حتى عطن.. هل كنت أول القطرات التي انسكبت من عيني السماء الكئيبة؟ أم كنت آخرهن؟ آخر دمعة انهمرت من فضاء أراد التوقف عن النحيب. أكاد أقر أني كنت كليهما على حد سواء.. البداية والنهاية. بيد أن قلبي يعي أحيانا أني لم أكُ أيّا منهما. ولكني على يقين تام بأني.. حقا.. سئمت هذا المطر الهاطل من سحاب لم أقدر ادراكه بيدي. وها أنا اليوم ما عدت قادرة على إدراك حقيقتي. وحين إغتربت عني نفسي لأول مرة خشيت أن أعترف علنا أني أفتقد ذاتا كانت يوما روح الحياة بمعانيها المتقلبة، ضحوكة ومستعبرة، كالبرد والرمضاء، مزيج تناقضات. وصرت نظيرا لما كنت أخشاه، كالصبية كثيرة الشكوى، كثيرة البكاء. لم أدرك ولو لوهلة أني أخط قصيدة نعيت فيها فؤادا أحب الحياة ودفنته بيدي على هامش الكتاب معلنة أن لا انتماء له هنا. وصرت حقا غريبة بلا وطن، لا تاريخ يأويني ولا ملاذا يحميني. لا سكان لي في عالم خلت أنهم أحباء. وأمسيت رغم أنهم لم يملوا مني، غريبة عنهم، أسائلهن مكابدة أن أنقذوني، ولتنفذوا فيّ ذاتي ولتستأصلوا هذا الورم الذي يلتهم فيّ مشاعرا لا أعقلها، مشاعر كانت دفئا لقلب أصابه زمهرير، فلا طاقة لي أن تنفد مني تلك الذكريات.
ولكن كثيرا ما ظلوا يسائلونني في حزن مطبق، شاعرين بمدى عمق مأساتي التي لم أعرفها أنا نفسي يوما، مرددين :” كفاك حزنا.. إلى متى ستعيشين الألم.” فأجدني أحدق في المرآة باحثة عن تيك الابتسامة التي اعتدت، ولكنني لا ألقى سوى خيبات متكررة كست الوجه حد الشبع. غير أني لا أشعر بهذا الألم ! فكيف لكم جميعا أن تحدقوا في عينيّ لتدركوا معنى الوجع ؟
وما فتئت أرفض الاعتقاد في الشعور. وأنى لعقلي رفض مسلمة كهاته ؟ لكأنه يتحدى الألم بالكذب، حتى تراه تمكن من خداع قلبي ليسكنه جنة من العبث، محاولات فاشلة للمقاومة، ادعاءات تنفي الحقيقة، أحاسيس مبهمة، مشتتة، كأنني بيدق في يدي جندي عشق الحرب وما لقي إلا السلام فأصابه الجذب. وأدعي ملأ صوتي أنني أشعر بالعدم. «لا شيء يسكنني»، بل تراني أكاد أموت من الألم. ثم أعيد نفس السؤال المبهم في ريبة، لا كذبا يكون بل سؤال العبث الذي يحيي فيّ الأمل المزيف، لألقى خلاصا من هذا العذاب، وخلاصي يحتمل نوعا من الخداع: أن يخدع العقل قلبي بالفراغ. فأشعر بالفراغ والابهام. فيخال لي أني أعيش “اللاشيء”.
أيكون الفراغ سوى انقباضات تعتري فؤادي كل مساء حين أتذكرك، وهلوسات غريبة تتراقص كحيات على نغم نبضات قلبي المرتعب.
أيدعى هذا بألم ؟
أيكون الألم قاسيا ليشعرني بالرضوخ ؟ لأكون سجينة في عقود قديمة ؟ عقود مليئة بذكريات حميدة، تلك التي سكنتها معك ؟
ثم يدعي الأب أنه الأب
وتبتسم الأم في خبث
وأرى الشياطين أمامي ملائكة تقودني نحو بحيرة تكسوها خضرة أردتها أن تملأ قلبي جمالا كجمال تلك الأرواح. ثم ينجلي القبح حين يكشف الستار فأرى وحوشا لا ملائكة من جنان، تكشر بأنياب بعد أن كانت تدعي الحنان، تقودني بسلاسل ويدي مكبلة وقلبي يزخر بالأحزان، وأصيح في صمت أن لا تفكوا أسري بل ارموني في هذا المستنقع العفن تراني في عالمي لا أغلق الجفن من الألم، ولا لعيني أن تحضى بقليل من النوم وما لعقلي الخلاص من الخراب، فقليلا من العذاب حتى أتخطى الصدمات.
ثم أجدني على فراشي مستلقية وكلي ندوب. ألقى حولي مجلادا وبعض السيوف. أوأكون في عالمي أم مازلت مع تيك الجنون ؟ فأسمع همسات من وراء باب الغرفة، موقنة أنا أني أعرف هذا الصوت ! تلك النبرة وتلك الضحكات. يخال إليّ أني أشم ريح أمي، ثم تتبعثر الروائح وتختلط في الأفق. وأرى أمامي نوعا من المآسي، كيان آثم لم أرغب في لقياه وأنى لي رؤياه. سحنته التي أكره وعطره الذي لم أرغب في أن يتخلل عقلي. وانا لا زلت معصوبة العينين من الوهن. لم أرد أن أشهد هكذا وقع أمامي مجددا، ذاك الكيان القذر.
صاح فيّ : من أكون ؟ وأي الروائح تلك التي تشمين ؟ أحقا عرفتني أم أنك تدعين؟
ما بال هذا المجذوب ؟ كيف لم أعرف الذات التي آلمت روحي ؟ كيف لي أن لا اتعرف على وجهه المنحوس ؟ ثم رفعت مقلتي وصحت بعد أن غرفت في التفكير ” فعلا تراك من تكون ؟”
قال وهو يبتسم “ماذا صنعت فيك حتى جعلتك تكرهين النظر إلي ؟ وجعلت من قلبك سماء تكدست فيها غيوم الهموم؟”
أرفع عيني في ارهاق شديد وأحدق في ذاك الغريب لأرى أن له وجها مألوفا قد سبق ورأيته. اني أكاد أدرك الحقيقة. من يكون السبب في شقائي أخيرا ! ليتشكل أمامي كاملا لأول مرة.
وأجده حاملا لملامحي .
ثم أجدني لا زلت أمام تلك المرآة التي نظرت فيها لأبحث عن حزني
لقد كنت حزني الأبدي..
أنا ذاك الألم
وألمي لا يوصف وإنما يختزله اللفظ وما يَلُمّ بمعانيه. حياتي تجلت أمامي كطريق دائري مسدود، لا نهاية ولا خلاص. فقط مجرد مصباح ينير الدرب وسط عتمة أفكار موحشة. خيالات وأشباح وأصوات. يزداد ألمي كلما تذكرت هذا المصباح الذي لن ينطفئ أبدا. أعساه لا يحرق ولا يعطب ؟ أم أن حقيقة شعاعه قلب صادق محب؟ ومصباحي العزيز لا ينفك يريني أن الحياة ليست سوى ظلام مخيف، إن الحياة كجمال عيني أم حبيبي الذي ورثهما عنها. وما أجمل أن تكون الحياة كعينيه، دافئة ومريحة، صادقة وعميقة. الجمال يكمن في المفارقات. عذبة كألحان كمان غير مكتملة، مقطوعة يعزفها أصم، يسمعنا اللحن المنشود الذي لم يسمع، ويمتعنا بما يعذبه ويبكيه. ولكن مصباحي أخطأ التقدير، فهو لا يريني غير النهاية التي طالت، ويرشدني الطريق الذي أسلك، ذلك الطريق المسدود، كدائرة التاريخ، دائرة تشابه تلك التي في السجون، حبل مشنقة لعين، تلتف كحيات الجحيم، وتشد على رقبتي وتطيل المكوث، بيد أني لا أموت، بل أظلني أختنق اليوم بعد اليوم وأرى انعكاس ظلي المخملي على أرض دموية تحت قدمي، ظلي الذي يعكسه توهج نور مصباحي العزيز من الأعلى، مفارقة السيد والعبد. ويحصر نظري إلى الأبد نحو تلك النقطة الأليمة، ويبقى ككابوس يريني ما أكره، غير أن قلبي يحبه ولا يحب سواه..
ولقد كان علي أن أقطع كل هذه المسافة الزمنية لأدرك حقيقة كونية واحدة لا تقبل الدحض.. إن البشر لا يتساوون إلا أمام الموت.. وأن الموت يتمثل بطرق مختلفة.. إما عن طريق صديق كذوب، أم عساه يكون حبيبا خائنا، أم وهم عائلة زائف، ظلم جائر، ضعف أليم، حب كبير.. الموت في صورته الشعرية الحزينة يكون نبضا من المآسي يتحلل في قلوب البشر ليخلق نغما من المشاعر الجياشة.. كل إحساس يعتريك إذا تخطى حدود المعقول صار موتا.. كل مبالغة في احساس ما تؤول إلى خراب قريب.. والجميع يتساوون امام هذا الخراب. ان كل البشر يعيشون في دوامة من الألم، وكل ألم ناتج عن جرعة زائدة من احساس معين، سواء اكان حميدا أم مكروها.. هذا الألم يسمى الموت، وأشدها غياب الروح..
أضف تعليق