بسمة الحاج يحيى
استعارها نبوءة فأجّجت حضنا بطعم وطن.. في قصيدة "استعارة النّار.." للشـاعر علي العرايبي
المقدّمة:/
خرائط مشتعلة بحجم أوطان مشتّتة.. وشاعر اُستعار الحروف مجازا، فأجّجت القصيدةُ نبوءةً خلّفت حضنا بطعم وطن.. وقصيدة بحجم أوطان وُلدت.. وأرض في ملكوت الإله تسبح.. و شاعر يراود الحرف، يحمّله بنصف المعنى ثم يطلقه ينبش ملح الأرض، ليعلو مرتفعا نحو سماء المعاني. يروّضه ألّا يتقدّم صاغرا و لا أن ينقاد هادئا.. مخفيّا ينبغي أن يكون، مثل نبوءة ترهق سامعها كما أتعبت حاملها، يحمل المعنى طوعا ثم لا كرها يريه، بل يكشفه و في لحظة يأفل النّظر و يغشى النّاظر غيمة فلا يظفر إلّا بما يسمح ربّ الكلمة أن يطلق.. فأتتبّع الكلمة و أظنّني ظفرت بما تحويه و ما تخفيه، لأجدني بفاكهة الكلام أعبث و لا أعود بطرفة عين ألمح ما ظننتني بقبضة اليد كنت لأفوز، يتوه المعنى و خلف سراب الرّسم أقتفي أثره مجدّدا. لله درّك أيّها الشاعر تلقي اللّفظ و تدعو القارئ أن يتلذّذ بطيب الوحي فإذا المعنى و اللّفظ كلٌّ يرتفع ليلقفه سحر الرّبط و الوصل و ما أخفي برشاقة فيعسر الكشف بثنايا معجم.. و تعود القصيدة تتراشق عبرها المعاني، و أعود أركض ثانية و ثالثة و أكثر، فتتمنّع القصيدة و تراوغ ثمّ تستفزّ الحفر و النّبش حولها. أقترب فتتباعد و أدعوها فتكشف عن حروفها بابتسامة غنج ثمّ تتسرّب وتجرّ خلفها المعنى و الدّاء و الدّواء و ما علق بينهما. ثمّ تتقدّم في دلال و سحر لتعاود رسم الحركات وكأنّها تولد من رحم المعنى قصيدةَ إعلان و نبوءة فــــــبـيــان، ثمّ عنوان.
1/ الإعلان؛
يفتتح الشاعر القصيدة بإعلان يضعنا عبره بالإطار المناسب حيث تتكاثف الأحداث وصفا و سردا واستعارة.” أعلنتُ في خافقي المهجور مملكة”. و قبل ان يشرع في سرد الأحداث و وصف شخوص القصص وأصل الحكايا، يلوّن حبره فضبابيّا يأمره أن يكون، حتّى لا يفكّ شفرة المعاني إلّا من كان يحمل بصمة اإنسان و خلاياه بروح البشر تتّسم. ثم “كُنْ” أعلنها في صميمه دون أن يجهر بها، حتى لا يعلمها من لم يشغّل الفكر و العقل و الحكمة، أو حتّى يكون جديرا بجنّة القصيدة و يتوغّل بربوع صدرها و العجز، يتراميان بين سهل و منبسط، و بين معانٍ تراغ، تقترب لتتباعد. و ليست أرض القصيدة سهلا ممتنعا، بلى، بل إنّها صعب و يضيع الفكر قبل أن يتشتّت، حتى يجدر بالسّائح عندها أن يحمل الرّسالة، ثقيلة كما أوردها الشّاعر لتكون فسحة ومغامرة لمن يودّ ركوبها، و أنّ بساطها لن يسافر كما يسافر بساط علاء الدّين بل هو مكّوك يحملنا نحو شهد الكلام عند قمر و كواكب حيث ” تختبئ الأساطير التي نفقت تحت الكفوف”، فيحملها شاعرنا ليفكّ طلاسمها، يعيد تركيبتها، يعرّي كنه خيوطها قبل أن ” تصير للكفوف يدا” أو تحسن طمرها شياطين الأرض مكيدةً للبائسين و من غلب عليهم الدّهر حتى بهت بالفرح السّنا.
معاناة الإنسان قبل غابر العصور و منذ ليل الزمان المبهم، فالأرض التي نزل بها قسراـ، يتمسك بها، يتشبّث بذرات ترابها، يعلنها مملكة، علّه يفلح السيطرة ليكون هو الإله، وله السماوات سقفا و لها..، أمّا النّجوم و القمر فجنود تحرس الشاسع ممّا امتدّ منها و ما اُنبسط.. و هذه المملكة تحتلّ الخافق كحبيبة تتوسّد كتف الحبيب، كما ورد بمفتتح القصيدة قوله؛ ” أعلنت في خافقي المهجور مملكة” تراه الفارس و المحارب و المطهّر لشرف الأرض و نقاوة ترابها، رغم ما تفرّع بجيوبها كنسل محموء أنكر الولاية و العهد و الإخلاص لمّا صرّح الشاعر في قوله؛ ” و النّاس حول دمي قد أعلنوا أحدا”..
و أعلنتُ الطّاعة، أرجو اُقترابا، علّ الحجب تتجلّى فأغزل المعنى بعد وحي و نبوءة أضعهما تحت مجهر القلب ثمّ أفتح ما خفي لمّا ينكشف لي طيف معنى بالقصيدة. و أجمّع الأطياف أرصّفها، أتلوها سهلا يسير بي نحو منتهى الحرف و الكلم.. لكنّها اُمتدّت و زادت اُنبسطت أمامي أرضا شاسعة مثل “خافق مهجو” فأستكينُ و أعود لإنسانيّتي سوّلت لي أنّني بالنّبوءة قد أضفر.. و يوسوس الشيطان مهلّلا؛ فأذكر قول الشّاعر؛ ” من قبل أن يخلق الإنسان أسمعهم يهلّلون و لكن لا أرى أحدا”. فأنتبه انّهم جموع وليسوا شيطانا واحدا، يختبئون بين ذرات التراب، يستوطنون أرضها، حليفهم شيطانهم الأرعن، عدوّ ما اُنفكّ يتوعّدّ، يرانا من حيث نعلم و من حيث لا نعلم لكنه لنا مترصّد ينتظر أول هفوة أو منحدر لينهال على أوجاعنا؛ عدوّ يرهق الروح و يزيدها ألما.. له في ذلك “ذاكرة” التاريخ، أحكم عبرها دراسة بني الإنس، فوضع تحت المجهر عيوبه، سطوته علي أخيه، نقاط ضعف جمّعها لينال منه..، وسلطانه في ذلك صفوة البشر من كانوا له ضدّا؛ ” كأنّهم عبروا من كلّ ذاكرة، يمشون في جسد الأشتات فاُتّحدا”. فيا ربّ هذا الشّيطان أثار حافظة الضعيف و المستعمرة أراضيهم و المقهورين، كما أثار حسرة الشّاعر و الوجع حين أردف؛ “..شيّدوا فوق كفّ الشّمس خيمتهم واستجمعوا من شراييني لها وتدا”. فطفقت أتأمّل باقي القصيدة و ما أورد خلالها و بينها، و أتساءل هل شاعر أم ساحر من ألقى بالمعاني؟ و لم أجهّز بعدُ زادي لأتوغّل خلفه، سيرا أو ركضا علّي ألحق ما بنى و شيّد، أو ربّما تحليقٌ عالٍ يلهمني بعض سحر فأفكّ الرّموز و ما خفي من المعنى، دسّه إنسيّ بين السّطور و ما أوتيتُ من الشّعر إلا قليلا..، فهل لي بمرشد يآزرني بسفرة نحو حدود الشّمس تربض وقائعها؟ و هذا الإنسيّ، لا شاعر و لا ساحر يظاهي بالكلم أفعاله؛ أجّج نارا فعلَتْ معانيها كما علا دخان نيران ” استوقدوها في أكباده اتّقدا..”
فهل تراه يعلن شكوًى ممّن يطرّز بالنّار أفعاله، فيدمي القلب و”الكبدا”؟ أم تراه يعلن نبوءته عن زخرف حِيكَ للأكوان فسكن الدّم، مخفيّا حينا ثمّ للعيان ظهر متجلّيا، فتجلّت نبوءة كنور سرمديّ تألّقَ؟
2/ النّبوءة؛
و يبدو أنّ النّبوءة سكنت بين العجز و الصّدر، و اُستوطنت القصيدة، حتى اُستفحلت بالدّم وباءً والخيمة فوق كفّ الشّمس أحالتها إلى أنقاض بنيان، يعزّزه قول الشّاعر في؛ ” هو الّذي حاك للأكوان زخرفها..أسكنته في دمي أخفيته فبدا”
ربّاه.. ما هذا بمنجّم أو ساحر..، لكنّه شاعر يلتهم الحرف ثمّ يعيده فيقذفه كالنّار، كالحقيقة، كالنّبوءة..، و أستجمعُ ما قيل و ما رسم و ما خفي، و أقرأ على اللّوح نبوءته لتتجلّى واضحة، لمّا أقبل البيتُ صاغرا و انكشف الصّدر و تعرّى العجز فوجدتني أتلو مغمضة العينين، ” و صافح النّار إذ قامت تصافحه كأنّه من ضلوع النّار قد ولدا”.. تاللّه هذا وحي شاعر مسك بزمام القصيدة و بالنبوءة اُنبرى. فكما النّار كانت لفرعون قبسا نجّت عيسى بالمهد و أسكنته قصرا جمعهما، كاد يلتهم الجمر، فغام الفكر لفرعون الذي طغى و عن الحقيقة عمى، ليبتلي بشرّ عنه قد خفى.. كذلك الشيطان الأرعن تلبّد ذهنه وأتبعه أولياؤه و قد ظنّوا أنّهم للنّيران صاروا أربابا فإذا النّار تلقفهم، تبتلع عظمتهم، تحاصرهم كجنود ربّك ما لهم عدّ و لا النّظر مهما اُمتدّ كفيل بردعهم. جنود من نار تزحف فاُرتدّ عنهم سحرهم و عليهم اُنقلب.. فجنود لا تُرى، حاصرتهم كطير أبابيل، فاُنزووا نحو جحورهم صاغرين، جنود من وحي الإله ونبوءة شاعرنا، تحمل تيجانا بالرّأس، عليها تسعة عشر، و بين البند والبند و بأمر ربّها تحيل حاملها نحو لحد هو المستقرّ، ثم تراوغ مملكة الإنس و من بالجنّ استعان على حدّ السّواء..، حتّى غامت عقول وبهت من العلماء من كفر، و قد ظنّ أنّهم خيرة الشعوب و ما اُصطفى. فما وجدوا للدّاء دواء، واُنبرى الجمع نحو كهوفهم علّ التّخفّي يقيهم الشّرّ و العدوّ الّذي لا يرى.. فقلت سبحانك ربّي.. و ما أخفى بين التّسعة عشر..؟ و للّه درّك أيّها الشّاعر، عبّرت و ما أوضحت، فالقول شرّ مستطير و الكلّ منه داخل كهوفهم ينتظرون المصير. فقمت للشّاعر أحيّيه، أوفيه التبجيل لِمَا تنبّأ و خطّ فمزج بالقول السّحر وبالجمال أطنب فاُستعصى الفهم و تنامى الغيم لمن لا يجيد الكشف والقراءة و التّنبّؤ.. و أدركت سرّ النّار لذاك الّذي قام يصافحها، فاُنقلب عليه السّحر و قد ظنّ أنّه اُمتلك العالم واُستعبد البشر و لان له الحديد طائعا ظنّه أتاه صاغرا، و ظنّ النيران سعيرها بأمره تتوهّج او تخفت، حتّى اُرتدّ عن رأسه الفكر وسكن القلب الفزع..
و أعلنت الطّاعة لقائل الشّعر مجدّدا، و عزمت المضيّ قدما أصعد درج القصيدة و أتسلّق المعاني، معنًى فوق معنى.. و ركبت الموج فوق موج، أتضرّع لربّ القصيدة أن يحملني كنبيء، يشقّ أمامي البحر لأتوغّل فأحكم القبض على السّرّ و على ما أخفى بين سطور مازالت بلجّ العمق تقبع. و تراءت لي حروف بالدّمع حيكت و بالدّم تلوّنت فرصّفها كبنيان مرصوص.. حتّى صار الملأ على هديها يسير.. فهو كما أعلن؛ ” يمشي على الضّوء مسكونا بوحشته.. كأنّه الضّوء حين اُشتدّ واُحتشدا”.
و سار بنا الفلك نحو العلى، فتحت السّماء أبوابها، و آنست وحشة تلاها فرح لمّا نسق القصيدة تهادى و بالبشر حامل، و.. لهم، أعداء البشر، ألقى خذلانا و توعّدا..، فمرحى للحرف و للقصيدة وللشاعر سحرنا و زاد أسرنا بباقي معراجه حين قال؛
” ألقى على أضلعي أثوابَ حَيرَتِـهِ لَمَّــا تَجَلّـى على الأكـــوانِ مُبْــتَـعِــدَا
وطافَ بالرّوحِ كالأغلالِ مُنْكَسِـرًا كَحَيْــرَةٍ عَشَّشَــتْ في قبْضتــي أَمَــدَا “
فشهدتُ كما أقرّ هو؛ أنّ الشّياطين و معهم أرْعَنُهم قد اُنكسر و منكسرا مهزوما أضحى. كما أضحت الوحشة السّوداء تسربل دمه، ذاك الطّاغية تجبّر أمدا، فعاد كمسعور تصدّت له السّماء بعدما ظنّها مطيعة ستظلّ أبدا، فأوحى الشاعر لنا ،كما ظنّ إبليسُ الأراضين أنّه على الوحي سيكون قادرا فكشفه الشّاعر بقوله؛ ” أَوْحَى إلى الوحشةِ السّــوداءِ في دمـهِ كوني كتابي فجــاءتهُ السّمـاءُ صَــدَى
وبـايَعَتهُ المعاريـجُ الّتي جَحَـدَتْ جهـاتهـا فَبـِأَيِّ الـوحي قــدْ صَعــدَا “
و قد كان يوسوس له شيطانه، ذاك الجاحد المتكبّر، أن أقم عرشك على دموع الثكالى و آلام اليتامى، وابنِ أوطانك حيث يحلو لك المقام و مزّق الخرائط، إجعل اُخضرارها قاتما أسودا و حوّل مرح أطفالها جحيما أهوج..، فلبّى النّداء و أقام سكنه..، بئس الفكر و القلب و ما شعر و ما أحسّ لمّا كان من بين البشر يُعَدُّ و يصنّف، بيد أنّه، ” هنا أقامَ ببابِ الجـرحِ مَلْحَمَة واسْتَوطنَ النّبضَ حتّى اسْتَنْزَفَ الجَسَــدَا ..” لكن، بفضل ربّي، إله الكون و نبوءة أعدّها الشّاعر فخطّها بالحبر على أعتاب القصيدة ثمّ بين أحشائها دسّ العجب، ليحوّل الحزن فرحا و الأستعباد مملكة، يطيب فيها العيش و تقرّ العين لمّا الدّم المسكوب يتدفّق و يشعّ على الموتى و من رُفعوا عن الأرض فعادوا إليها منتصرين، مهلّلين، تخبرهم بنت الأرض أنّها نخرت بنيان المتجبّر و عنهم ستلهيه حينا، ثمّ سترديه خواء، فآن لهم زمن يهديهم النّصر و الرّفعة لحين و أبدا، فيوغل الشّاعر قوله بزهو؛ “هنا يصيرُ دمي ضـوءًا وأصْبِـحُ غَيْمَـةً لِأَستَـلَّ مـنْ أمـواتِـهـا الأَبَــدَا.. و لعمري، فقد بهت الّذي كان يحسب حاله سيصمد دائما و أبدا، حتّى نخرته دودة الأرض تسعى و لا يراها من حيث يصهل و يتوعّد أو يخال نفسه مايزال سيّدا، أو أنّه للعالم سيسود بعدئذ خانه العجب، وتدهور حال و تأزّم اُقتصاد، واُستفحل الدّاء و الدّود والفزع.. فيا عجبا..
دَمي صَهيـلُ المعاريـجِ الّتي وُئِدَتْ أَوْرثــتُـهُ زمني, سَمّيْتُـهُ الصَمَـدَا
آنَسْتُ آخِـرَةً في نَبْضِـهِ فَمَـضى يَشُـقُّ في المُنْـتَهـى دينًـا ومُعْتَقَــدَا
فمَالت الأرضُ فـوق الشّمـسِ تُغْرِقها وَارْتَدَّ في كفـهِ الطـوفـانُ مُرْتَعِـدَا..”
فهل بعد هذه النّبوءة سيدوم سلطان أم تراه نمل الأرض سيستوطن خافق البشر، فإمّا يعيده إلى سيرته الأولى أم تراه سيقضّ مضاجع و ينزل ستارا عن مسرح و موعد قد طال اُنتظاره أمدا؟ حتّى جاء وعد ربّك ليجعلها دكّاء، و يستكين ذاك الأرعن، يلقي مفاتيح السّلام، فتستعيد الأرض إشراقتها و تعود لنا البسمة بصفاء نطلقها، و نطلق حمام السّلام من عمق الخافق، ونزيد تهليلا بدين و معتقد إذ رفع عنهما البلاء..
للّه ذرّك من شاعر اُرتدّ عنه الصّمت كما ” اُرتدّ الطّوفان مرتعدا..” فلانت له القصيدة تعيد ماعقد و ما عزم أن يكون فكان. و أدور مجدّدا أتفحّص القصيدة، و أظنّني مالكة زمامها صرت، فيحيلني النّص بأمر كاتبه إلى بعض أسطر و خطوط بدا فكّ معانيها مستعصيا. و أعلنت مرّة أخرى أنّي برحاب الحسن أسبح و بغموض القصيدة لا زلت بعدُ لم أفكّ حرفا و لا تفتّح لي المعنى مسترسلا. حتّى طفا فوق الموج الزّبدُ و حلّ بعد الظّلمة النّورُ. و تجلّى البيان واضحا، يحمل قبسا من حقّ كان مطمورا..
3/البيان؛
و حين تجلّى البيان، تجلّت بالنّور حقيقةٌ و عمّت الأرضَ كونًا مغمورا، و بنياينا معمورا.. وتهادى للشّاعر، سنا حرف تربّع عند القافية، “..فجاءَهُ الطُّورُ والتّاريخُ قدْ سَجَدَا.” و يتعجّب الكاتب مجدّدا، كساحر لا يصدّق أن سحره قد صدق، أو كنبيّء يختبر فراسته أو يستعجل نبوءة خطّها بلوحه و راح يتلو على مسامع البشر، نشيدًا بقافية من سحر، و بيانًـا يتلوه بحذر؛
” كأنّني إذ تـواري الطّيرُ قـافيتي يَرْتَـدُّ صوتي كأَنّي لمْ أَمُتْ أَبَـدَا
فهاهنا حِمَمٌ تغفو على لغَتي جَمّعتها انْفَرَطتْ تَسْتَنْفِرُ المَـدَدَا..”
و مازال يتلو بيانه، قبسا من الذّهول، أو هو قبس من ضياء ينير حنايا تاريخه، هذا الشّاعر المغوار، لايزال يتلاعب بالكلم و يخفي بحذقٍ جليل المعاني بين صدر و قافية، و لازلت أتّبع خطاه، فهنا حرف وهنا معنى و هنا سحر يولد مع القافية، فيركن بظلال المعنى، يزهر عند لفظ و يتوهّج بروح كلمة. وأحاول مجدّدا أن أمتطي المركبة و أحلّق بمعيّة الشّاعر على جناح القصيدة، فيعاود نصب شباك متاهة، يبعثر كلمات و يخلطها فيلقيها بوجهي لأعود ثانية مأخوذة بالسّحر و بالجمال، و بيان لم أكمل بعد عبور ما جاء ببنوده و لم أستَجْلِ ما خُطّ على اللّوح بحبر من نور و من نار خبّأها كاتبنا أو هو نبيّنا، بين مقلتي العينين و على شرفة الذّاكرة..؛ فــأتلو بعده البيان و ما خبّـأت في صدري الذّهولَ، لمّا بدا بنبرته جليّا الذّهولُ؛ ” خَبَّأتُها في دمي فَاصَّاعَدَتْ قَبَسًا مِنَ الذّهولِ أضاعَ المَتْنَ والسّنَدَا
تَبَّتْ يَداها فَلَمَّا أَوْقَدَتْ شُعَبًا خَلَعْتُ عن جيدِها النّيرانَ والمَسَدَا ..”
و اُسترسل البنيان يعلو و يمتدّ، نحو السّماء ينمو و نحو مجدٍ حَمَلَ البشر و الأرض سويّا، فكانت الأرضُ أمًّا و سندا و مرافقا، تكاد تأخذه بحضنها فتكون الحبيبة و الرّفيقة تآزره حينا و تضمّه بشدّة مرّات أخر حتّى ليكاد بعمق حضنها، يسلّم الرّوح لبارئها لولا أن تهديه الحياة بسخاء فيعود إلى الحياة و قد كان يحسب حاله قد “وئدَ”..، و أتأمّل السّطور و ما حوت ببطنها و ما ثقل من المعنى حين تجلّى في الصّدر و عند العجز؛ ” هنا تُشَيِّدُ عرشَ النّارِ مَلحَمَة وكنتُ أحْسَبُـني العرش الّذي فقِدَا “
و حيث يحاور الشّاعر حبيبته، يعاتبها، يعدّ للّقاء همسة و تساؤلا، فتسأله الأرض حانيةً لمّا كان يحسب حالَه و الفكرَ قد مضيا؛ ..” وكنتُ أَحْسَبُ أَنّي فكرَةٌ وُئِدَتْ..”
فأردفت الأرض؛
“….. فصاحَت الأرضُ منْ منَّا الّذي وُئِدَا..؟
أَكانَ جسْمُكَ تحتَ الرّملِ أمْ جَسدي فَإنّنا وِحْدَةٌ لمْ تَنْفَصِلْ أَبَدَا ..”
و فردت جناحين، أسافر ضمن القصيدة نحو مسكنها حيث شعاع الشّمس و نور القمر اجتمعا، أتأمّل من عليائي صدرا فعجزا، أقرأ الحروف، أجمّعها ثمّ أنثرها فوق الأرض، يتلقّاها الحالمون نبوءةً بفراسة شاعر مقتدر..، و أحكم ربط حزام الأمان و قد شارفت على منتهى القصيدة و ما تضمّنت من معانٍ و من نبــإ.. و شارفت أطلّ من نافذة المعنى، أتلمّس منبسطا من أرض اللّقاء قدماي قد أو سوف تطأ، قبل أن تهوي بي المركبة اُمتطيتها آنفا رفقة شاعر غرز الحروف متنا صلدا و نسج القافية سطورا متناغما سحرها حتّى قال: “.. عَلّقتُ قبري على الأيّامِ تَحْمِلهُ كأنّني كُلّما متُ انْبَعَثتُ غَدَا ..”
4/ العنوان؛
و عدت أستجمع أنفاسي، بعد ركض على جسد قصيدة ممدّد، أخذني نحو عنان السّماء بين شمس و قمر و غيوم تعثّرت. رفعت بصري، عند ثمرة معلّقة بالأعالي، فإذا العنوان يتجلّى؛ “استعارة النّار” كان، عندها أدركت موضعي بين اللّآلئ منثورة فمرصّعة، و ربطت حزام الأمان، أستعدّ لهبوط من عمق القصيدة، فكانت “شهقة الرّوح” من شاعر هيّأ “ذاكرته للطّائفين..”، و حلّقنا سويّا بينما “الطّير تواري قافيته حتّى لَــيرتدّ صوته”.. فــ “كأنّه لم يمت أبدا..”. و خلال تطوافنا، لمحته ينظم القصيدة، “يتأمّل الحمم..، يخبّئها في دمه فـاُصّاعدت قبسا..” ثم أدركته يزيل الشّوائب، يطهّر الأرض من عليائه، ينثر ياسمينا.. و”يخلع عن جيدها النّيران والمسدا..” و أراه ربّاه.. ماضيا، “مشيّدا عرش النّار ملحمة..” هي ذات النّار كانت تشعل فتنا، تحسم حروبا.. وشرّدت طفولة، وزّعت يتمها على الخرائط السّوداء.. إذ هي النّار نفسها صارت طوع يده مستجيبة لأمره، “و كان يحسب” حاله “العرش الّذي فقدا”.. إذ هي لأمره تمتثل و عضده تسند.
و يا ربّاه.. عادت الأرض تسكن خافقه و عاد خافقه بعد خوائه يقرئه السّلام.. فيعيد على مسامعي همس الحبيبة تحدّثه؛ ” أَكانَ جسْمُكَ تحتَ الرّملِ أمْ جَسدي فَإنّنا وِحْدَةٌ لمْ تَنْفَصِلْ أَبَدَا”. و أدركت لم اُنبعثت روحه ثانية، أليس بالعشق يحيا المرء و قد يقتل مرّات بالهجر والجفاء و بسطوة العالم لو لغيره اُنبسط؟ حتّى أدركت حقّا لِمَ “علّق قبره على الأيّام تحمله.. كأنّه كلّما مات اُنبعث غدا” و تراها ذات النار التي أرهقت ضحايا، كانت رفعت موسى نحو السّماء حيّا..
بل إنّ الشّاعر يقف، يرفع عن ظهره أوزار السّماء حتّى اُنبعث من روح و أرواح كالفلك تحمله حيث شاء و تعيد له مجد الذّكريات و ما ولّى و كان يحسبه بقايا هراء.. صار حقيقة و سندا للكون بعد أن خرّ له صاغرا.. و صار للكون هو الصّوت و هو المرشد و العين التي بها يراقب الكلّ و يجعل التّفاصيل طوع الفكر و اليد معا.. فحتّى بعد أفول دام زمنا سيعيد عمارا كما اّتّفق وكما رأى و تنبّــأ .. وكما رؤى الأوّلين، سيحمل مشعله فله الشّعر و له العبارات و له المعنى ينسجه بنسيج الحروف و الكلمة حتّى ينهي بنيانه يشيّده قصرا شامخا. و تكون الأنقاض جبلا يبني عليه بلدا شامخا كعلم تزهر النّار بأعلى قمّته، يستعيرها مجدا لأحلامه و الحلم رؤيا صادقة منارة لأمجاده. و حطّت بنا المركبة لتطأ أقدامنا حضن الأرض و قد عادت تضمّنا كما النّار اُستعارها إذ لا سلطان بعدُ، إن هي طهّرت الأوطان ليصير رمادا ما جثى على الصّدور وأرهق الأجساد، و تكون هي المنارة تضيء الأكوان بما تشعّ.
الخاتمة؛
هي نبوءة..، و شاعر أحكم القول و البلاغة فحمل الرّسالة، يلقي المعنى حينا و يخفيه أحيانا.. يسافر ليلا و يشعل الفتيل مرّات.. يزرع ألغاما، يفجّرها بوجه الظّلّام ليعود فيزرع وردة على خدّ المقهورين والمستضعفين على الأرض و يرسم بسمة على خدّ طفولة أضنتها الحروب و أكلت براءتها النّيران.. ثم يشقّ طريقه نحو العلياء، ينشد إزرا من سماء و من شعاع شمس أطلّ فتاه عن أرض السّلام.. و غاب السّلام واُنتشر بؤس مقيت و عمّ .. ثمّ أتّبع مسار مركبته نبوءة أعلنها منذ و قبل البدء .. و أعلنها بيانا مقدّسا ألقاه بوجه كبيرهم، ذاك الأرعن يخال نفسه الرّبّ و بعده الكون تحت سلطان اليد قد خضع.. بيد أنّ ديدان الأرض تحمل تيجانها، بمكر و تتنقّل بخيلاء، هزمته و كانت لشاعرنا معينا حتى صدقت نبوءته وعادت إليه الرّوح و الحبيبة و قصرا على الأنقاض اُعتلى. فكانت مدينة و مملكة انتصبت بالخافق، أعادت للإنسان مجده و أرضا تاهت عنه حتى اُستقرّ .. أو هو أعلن الإستقرار بنبوءة ستتحقق ربّما بعد حين آخر ليس ببعيد.. و ليس بمستحيل لشاعر أن يصيّر الحلم واقعا. و الأرض للإنسان مهدا و مسكنا وجنّة بجمال بلد وببهاء وطن.
أضف تعليق