كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

,

فن الفوتوغراف، من النخبة إلى الناس..

عواطف محجوب

"لحظات فوتوغرافية".. معرض فني للمصور الفوتوغرافي عبد الله التونكتي.


“الفن للناس الكل”، بهذه المقولة افتتح المصور الفوتوغرافي عبد الله التونكتي حديثه عن معرضه الفني المقام في الفضاء التجاري بورقو مول بجربة بالتعاون مع دار الثقافة جربة ميدون، والذي امتد على مدى ثلاثة أيام، من 24 إلى غاية 26 سبتمبر 2021 تحت عنوان “لحظات فوتوغرافية”.

وبسؤاله عن سبب اختياره فضاءا تجاريا لإقامة معرضه، قال لنا الفنان عبد الله التونكتي: “في وقتنا الحالي لا بد من ذهاب الفن نحو المواطن والخروج به من مؤسسات النخبة ليصبح متاحا لكل الفئات خاصة وأن كل لوحات المعرض هي اقتناصات مميزة من الحياة اليومية للانسان الذي يقطن ربوع الجنوب التونسي، هي فعلا لحظات فارقة كما اسم المعرض. لحظات لا يمكنني افلاتها لأنها ملينة بالجمال والاحساس العالي والأمل المنبجس رغم قساوة اليومي المعاش، كلها لحظات تخفي قصصا من الحياة”.
إن المتأمل للوحات المعروضة يلاحظ ثراءها وتنوع محاورها، ففي قسم منها اهتم الفنان عبد الله التونكتي بلقطات مضيئة للخيول فنجدها منطلقة في الطبيعة تمارس جموحها بكل حرية حتى ليكاد صهيلها يقتحم الآذان من شدة الحرص على نقل ارتسامات ملامحها وانفعالاتها وتفاعلها مع الفارس الذي يمتطيها في ممر السباق، أو في رقصة استعراضية، أو حين تركض خببا مع مدربها، وحتى في لحظة عناق وحنين. لقد وصلنا شعور الخيل والخيال على حد السواء فياضا على فطرته.

وفي محور آخر من محاور المعرض، رصدت العدسة أماكن عامة يرتادها سائر الناس، كجامع الزيتونة بالعاصمة، وسوق الحِدَادة، وسوق الرحبة بتطاوين، وإحدى طرقات قرية شنني القديمة المرصفة بالحجارة والمعروضة على جانبيها منسوجات تقليدية. رغم أن هذه الأماكن معروفة للجميع، لكن نجحت العين الثالثة للفنان عبد التونكتي في اخراجها بجمالية متجددة ترجمت حسن اختياره لأطر الصورة وزواياها. وظهر ذلك جليا في مجموعة من البورتريهات المشحونة بالهدوء والعاطفة رغم التجاعيد العميقة التي رسمها الزمن على وجوه أصحابها شيوخا ونساء، حتى لو تخفّى الوجه خلف كمامة درءا للوباء لكن نظرات العيون تقول لنا أن القادم أجمل ما دامت هناك أرواح تسير خلف الجمال فتوثق عملية عرض في سوق أو قطاف من حوض ورقيات.

وبالتطرق إلى هذه المحاور في الحديث مع المصور الفوتوغرافي عبد الله التونكتي، يقول عن استئثار الخيول باهتمامه الأكبر، بأن عشقه لها يجعله يتنقل خصيصا إلى أماكن كثيرة من أجل تصويرها أينما وجدها ، في مضمار أو مزرعة وحتى في الأعراس والمهرجانات والمناسبات الثقافية. فالخيول، حسب قوله، تستحق الاهتمام لأنها تشكل مع الفرسان علاقة قمة في الانسانية ولكونه يعتبرها رمزا للقوة والوفاء والشهامة والرجولة، خصال من الضروري استحضارها في هذا الزمن الأغبر وتذكر الجميع بذلك حتى لا يفقد المرء انسانيته في خضم ركضه وراء لقمة العيش وضمان المستقبل.
ولقد لفتت البورتريهات أنظار الجميع، مما دفعني إلى سؤاله عن سبب تركيزه على الوجوه المتغضنة واقترابه من تلك التجاعيد التي تشي بسطوة الزمن شيخوخة وعمرا موغلا في التجارب، فتحدث والحنين يغمر كلماته: “لكم أحترم تلك المرحلة العمرية. الشيخوخة ليست مخيفة البتة، فهي نافذة على الماضي وحزام أمان للمستقبل. تلك الوجوه المتغضنة حياة كاملة بمخزونها المعيشي والثقافي وتاريخ تليد وعلم موروث لكنه يتطور في الآن نفسه ليقود سفينة الانسانية نحو الاستقرار والسلام فتتوالى التجارب وتكتسب الخبرة ومن ثم يحصل التشييد الدائم. وأردف قائلا: أنا لا أختار اللقطة الفوتوغرافية بل هي التي تختارني، تجذب عيني واحساسي فتوثقها الكاميرا وكأننا كتبنا قصة. نعم اللقطة الفوتوغرافية هي قصة وليدة اللحظة لكنها تسرد حكايا كثيرة قد لا نراها من اللحظة الأولى لكن نظرة العين وتعابير الوجه ولون الشعر والتجاعيد تترجمها وتوصلها إلينا متكاملة. بالرغم من تلك التناقضات التي أعيشها لحظة التصوير بين حزن وفرح بين أمل وألم بين انفعال طفل ورزانة شيخ بين اندفاعة شاب وحكمة عجوز. ولأكون مختلفا تنظر عين الكاميرا في زاوية مختلفة عما ألفته عيني، فالحياة اليومية مليئة بالاستثناءات وفيها من الجمال ما أعجز عن تغطيته كله.

إن عبد الله التونكتي فنان فوتوغرافي عصامي التكوين، قاده عشقة لفن التصوير أن يحمل آلة التصوير في حله وترحاله وسيله للإيغال في النفس عبر الشعور الذي يسكن الملامح ويملأ المقل وتترجمه الحركة، ونقل الحياة اليومية في أبسط مظاهرها. وما هذه اللوحات المعروضة سوى لحظات تمس دواخل الانسان.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.